- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 197 Views
كتب: الترجمان
تواجه منطقة الشرق الأوسط واحدة من أعقد منعرجاتها السياسية والعسكرية، حيث بات “اتفاق العشر نقاط” الذي طرحته طهران كخارطة طريق للتهدئة يترنح تحت وطأة التصعيد الميداني العنيف والخروقات التي طالت جوهر التفاهمات قبل أن يجف حبرها.
فبينما كانت الآمال معلقة على وساطات دولية قادتها أطراف إقليمية، جاءت الغارات الجوية المكثفة على ضاحية بيروت الجنوبية وجنوب لبنان لتضع الجميع أمام واقع جديد؛ واقع يشير إلى أن الدبلوماسية قد أفسحت المجال مجددا لصوت المدافع، وسط اتهامات إيرانية مباشرة للولايات المتحدة الأمريكية بالنكوص عن تعهداتها، وتحذيرات من أن “الميدان” بات هو صاحب الكلمة الفصل في تحديد مصير المنطقة وموازين القوى فيها.
قالیباف ونسف مبدأ التفاوض: لا معنى للحوار تحت نيران الخروقات
في موقف يعكس حجم الإحباط السياسي من المسار الدبلوماسي الحالي، أطلق رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قالیباف، تصريحات حاسمة عبر بيانه الرسمي، أكد فيها أن المسار الجاري كان محاطا بالارتياب منذ البداية.
وصرح قالیباف بأن الولايات المتحدة الأمريكية، وكما كان متوقعا، نقضت تعهداتها قبل حتى أن تبدأ المفاوضات رسميا، مشددا على أن طرح العشر نقاط الذي قدمته الجمهورية الإسلامية الإيرانية كان يمثل القاعدة والأساس العملي لأي حوار، وهو ما أقر به الرئيس الأمريكي نفسه في وقت سابق.
إلا أن قالیباف جزم بأن ثلاثة بندا جوهرية من هذا المقترح قد تم خرقها بشكل علني، أولها عدم الالتزام بالبند الخاص بوقف إطلاق النار الشامل في لبنان، وهو التعهد الذي أكد عليه سابقا رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بوضوح حين تحدث عن “وقف إطلاق نار فوري” في كل مكان.

ويضيف قالیباف في تبيانه للخروقات أن البند الثاني المتعلق بمنع انتهاك الحريم الجوي الإيراني قد سقط بدخول طائرة مسيرة معتدية تم تدميرها في مدينة لار بمحافظة فارس، أما الخرق الثالث والأخطر في نظره فهو إنكار حق إيران في تخصيب اليورانيوم، وهو ما نص عليه البند السادس من الاتفاق.
وبناء على هذه المعطيات، يرى رئيس البرلمان الإيراني أن “المبنى العملي للعملية” قد انهار تماما، معتبرا أنه في ظل هذه الظروف، فإن الحديث عن وقف إطلاق نار ثنائي أو الجلوس على طاولة المفاوضات لم يعد له أي معنى منطقي أو سياسي، طالما أن الطرف الآخر يختار الانتهاك وسيلة للتعامل.

الحرس الثوري ولغة الميدان: وعيد “الوعد الصادق 4” بانتظار ساعة الصفر
على الجبهة العسكرية، لم تكن لهجة الحرس الثوري الإيراني أقل حدة، حيث صدر البيان رقم 56 لعمليات “الوعد الصادق 4” حاملا تحذيرات شديدة اللهجة. وأكد البيان أن الاحتلال الإسرائيلي، الذي وصفه بـ “الذئب” المطبوع على القتل والخداع، لم ينتظر سوى ساعات قليلة على توافق وقف إطلاق النار ليبدأ مجازره الوحشية في بيروت ضد الأبرياء والنساء والأطفال.
ووجه الحرس الثوري إنذارا صريحا إلى “أمريكا الناقضة للعهود” وشريكها الإسرائيلي، مفاده أنه إذا لم تنتهِ الاعتداءات على “لبنان العزيز” فورا، فإن إيران ستنتقل إلى مربع تنفيذ التكليف الشرعي والعسكري، بتقديم رد “يجعل المعتدين يندمون” على أفعالهم في المنطقة، مؤكدين أن النصر قريب بإذن الله.
وفي ذات السياق العسكري التصعيدي، جاءت تصريحات قائد القوات الجوفضائية في الحرس الثوري، مجيد موسوي، لتعزز هذا التوجه؛ إذ أكد أن التعرض لحزب الله هو تعرض مباشر لإيران، وأن “الميدان” منشغل الآن بتدارك وتجهيز رد ثقيل على الجنايات الوحشية التي يرتكبها الكيان.
وتوجه موسوي بحديثه إلى الداخل الإيراني، معتبرا أن الوقود الحقيقي للصواريخ الإيرانية ليس المادة الكيميائية فحسب، بل هو الحضور المتحد والمؤمن للشعب في الساحات، مما يعطي إشارة واضحة إلى أن القيادة العسكرية تستمد شرعية ردها من الالتفاف الشعبي حول قضية الدفاع عن محور المقاومة، مما يضع المنطقة على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة إذا ما استمرت الغارات على الضاحية والجنوب.

بزشکیان وماکرون: الدبلوماسية الإيرانية تضع أوروبا أمام مسؤولياتها
في المقابل، حاول الرئيس الإيراني مسعود بزشکیان عبر قنواته الدبلوماسية وضع المجتمع الدولي، ولا سيما الجانب الأوروبي، أمام مسؤولياته التاريخية والأخلاقية.
ففي اتصاله مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، شدد بزشکیان على أن إقرار وقف إطلاق النار في لبنان كان دائما شرطا محوريا وأساسيا في “خطة العشر نقاط” الإيرانية.
وأوضح بزشکیان أن قبول إيران بالتهدئة في وقت سابق لم يكن نابعا من ضعف، بل كان إشارة واضحة إلى المسؤولية الإيرانية وإرادتها الجادة في حل النزاعات عبر المسار الدبلوماسي واستقرار الأمن في المنطقة.
إلا أن بزشکیان لم يخلُ حديثه من العتاب القاسي لفرنسا وأوروبا، حيث انتقد بشدة عدم اتخاذ الدول الأوروبية لمواقف صريحة وقاطعة تدين الجنايات المرتكبة من قبل أمريكا والاحتلال الإسرائيلي ضد إيران.
وطالب بزشکیان فرنسا، بصفتها أحد ضامني وقف إطلاق النار السابق في لبنان، بالقيام بدور مؤثر للضغط على واشنطن وتل أبيب للالتزام بتعهداتهما. كما ربط بزشکیان بشكل مباشر بين انعدام الأمن في مضيق هرمز وبين التجاوزات العسكرية الأمريكية، مؤكدا أن إيران ستستمر في دورها التاريخي بتأمين الملاحة الدولية بما يحفظ مصالحها وأمنها القومي.
بينما أعرب ماكرون من جهته عن تقديره لخطوة إيران بإطلاق سراح مواطنين فرنسيين، معتبرا وقف إطلاق النار خطوة ضرورية، ومبديا استعداد باريس للتعاون من أجل استقرار منطقة الخليج.

وزارة الخارجية والمجلس الاستشاري: خيارات الحرب والسلم
دخل وزير الخارجية عباس عراقجي على خط المواجهة الإعلامية والسياسية، موجها رسالة مباشرة عبر الفضاء الإليكتروني، مفادها أن العالم يراقب الآن مدى وفاء أمريكا بوعودها.
وصرح عراقجي بأن شروط وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة واضحة وصريحة ولا تقبل التأويل، حيث يتعين على واشنطن أن تختار بين طريقين: إما وقف إطلاق نار حقيقي وشامل، أو القبول باستمرار الحرب عبر وكيلها الإسرائيلي، مشدداً على أن الجمع بين الاثنين (السلام مع إيران والحرب في لبنان) هو أمر مستحيل.
وأكد عراقجي أن “الكرة الآن في الملعب الأمريكي”، وأن دماء الأبرياء التي تسيل في لبنان تضع الإدارة الأمريكية في مواجهة مباشرة مع الرأي العام العالمي.

وعلى ذات الصعيد، جاءت تصريحات عباس موسوي، عضو مكتب رئاسة الجمهورية، لتبين كواليس الوصول إلى هذا الاتفاق الهش، حيث كشف أن الأمريكيين لم يلجأوا لطلب التهدئة عبر وسطاء في تركيا وباكستان إلا بعد تعرضهم لخسائر فادحة في أصفهان.
وحذر موسوي من أن استمرار الهجمات الإسرائيلية يضع الاتفاق في خطر جدي، مشيراً إلى أن إيران أبلغت دول الجوار وحذرتها مرارا من استخدام القواعد الأمريكية على أراضيها للهجوم على العمق الإيراني.
وفي نبرة اتسمت بالدعوة للتعاون الإقليمي، أكد موسوي أن إيران شریك موثوق لدول المنطقة، لكنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام “شيطنة” إسرائيل، مطالبا ترامب -إن كان صادقا في وقف الحرب- بأن يكبح جماح إسرائيل فورا.
المواقف الميدانية والسياسية: ادعاءات ترامب وردود المقاومة
وسط هذا الزخم من التصريحات، برزت مواقف سياسية زادت من تعقيد المشهد، لعل أبرزها ادعاءات دونالد ترامب في حواره مع شبكة “PBS“، حيث زعم أن لبنان لا يقع ضمن إطار توافق وقف إطلاق النار، مدعيا أن إيران تدرك ذلك جيدا. هذه التصريحات لاقت ردود فعل غاضبة في الداخل الإيراني، حيث اعتبرها محللون ومسؤولون مثل حسام الدین آشنا، مستشار الرئاسة السابق، بمثابة ضوء أخضر للاستمرار في العدوان. وكتب آشنا محفزاً على الرد بأن الهجوم على لبنان يتطلب ردا يزلزل الأركان، طالما أن العدو يرفض “وقف إطلاق النار” أو إطفاءها.
ميدانيا، لم يتأخر رد حزب الله اللبناني، الذي أعلن في بيانه الرسمي أن الرد على نقض وقف إطلاق النار سيستمر طالما استمرت الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على لبنان وشعبه. وأكد الحزب أن قصف مستوطنة “المنارة” جاء في إطار الدفاع المشروع ورداً على المجازر التي طالت المدنيين في الأسواق والمناطق المكتظة في ساعات الذروة، وهي المجازر التي خلفت مئات الشهداء والجرحى.
كما اعتبر الحزب أن هذه الاعتداءات ليست إلا محاولة يائسة للانتقام من الحاضنة الشعبية بعد الفشل في الميدان وتغيير المعادلات التي فرضتها مقاومة الشعبين الإيراني واللبناني، مشدداً على التزامه السابق بالتهدئة التي خرقها الطرف الآخر بدموية واضحة.
إجماع القيادات الإيرانية: الميدان هو من يرسم حدود السياسة
ختاما، توحدت رؤى القيادات الإيرانية العليا حول حتمية الرد القاسي؛ حيث صرح آملي لاريجاني، رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، بأن الجنايات المرتكبة في بيروت نابعة من جنون الاحتلال الإسرائيلي بعد إخفاقاته أمام جبهة المقاومة. وأكد لاريجاني أن هذه الجرائم ستواجه ردا قاطعا في الميدان سيغير المعادلات السياسية لصالح المقاومة.
وفي ذات السياق، أكد محسن رضائي، القائد السابق في الحرس الثوري، أن إيران تقف “بكل قواها” إلى جانب مجاهدي حزب الله، محملا الولايات المتحدة المسؤولية الكاملة عن انهيار وقف إطلاق النار بسبب عجزها أو عدم رغبتها في لجم “كلبها المسعور” في المنطقة، ومشددا على أن نقض العهود لن يمر دون عقاب وتنكيل بالعدو الإسرائيلي في الزمان والمكان المناسبين.

في النهاية، يبدو أن “اتفاق العشر نقاط” قد تحول من خارطة طريق للسلام إلى وثيقة إدانة لتعقيدات المشهد الإقليمي. ومع إصرار كل طرف على فرض معادلاته بالنار، تظل منطقة الشرق الأوسط أسيرة سباق محتوم بين محاولات الإنعاش السياسي الأخيرة ونذير انفجار شامل، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة: هل ستنجح الضغوط الدولية في كبح جماح التصعيد، أم أن ‘لغة الميدان’ ستمزق ما تبقى من أوراق التفاوض؟

