الوزير انسحب وصدقنا… بينما الحقيقة كانت استقالة رسمية

Image

كتب: الترجمان

في عالم الترجمة الصحفية، يكفي أن تقع كلمة واحدة في غير مكانها لتتغير صورة حدث كامل في ذهن القارئ، حتى لو كان النص سليما نحويا ولغويا. وليس المقصود هنا الأخطاء الإملائية أو القواعدية، بل الخلل الدلالي الناعم، الذي يمر غالبا دون أن يلاحظه أحد، لكنه يترك أثره في الطريقة التي يُفهم بها الخبر ويُستقبل.

من بين أكثر الكلمات التي يقع فيها المترجمون في هذا النوع من الأخطاء، تأتي كلمة “استعفا” على رأس النوادر التي تستحق الوقوف عندها. الخطأ لا يكون في معرفة معنى الكلمة من القاموس، بل في فهم سياق استخدامها السياسي والاجتماعي، ومكانتها داخل الخطاب الرسمي.

في إحدى جلسات المراجعة بموقع “زاد إيران”، وصلني خبر عن استقالة وزير إيراني من منصبه. كانت الترجمة تقول:

“الوزير انسحب من منصبه”

قرأت الجملة، ولم أجد فيها خطأ لغوي، لكنها بدت مريحة وناعمة، وكأن الوزير اتخذ قرارا شخصيا عفويا، بينما الواقع كان مختلفا تماما.

عدت إلى النص الأصلي بالفارسية، فوجدت العبارة:

وزیر از سمت خود استعفا داد

هنا يتضح أصل الخلل. كلمة “استعفا” في الفارسية لا تعني مجرد الانسحاب الهادئ أو التخلي عن المنصب بطريقة عابرة، بل تحمل دلالة رسمية وقانونية قوية: هي قرار معلن، مكتوب، له تبعات سياسية وإجرائية واضحة.

الفرق بين “انسحب الوزير من منصبه” و”استقال الوزير” ليس فرقا لغويا فحسب، بل فرق في توصيف الحدث ذاته وفي الصورة التي تتشكل في ذهن القارئ. الأولى توحي بقرار شخصي غير رسمي، تصرف عادي قد يمر مرور الكرام. والثانية تنقل فعلا رسميا، له أثر سياسي وإعلامي، وقد يشير إلى أزمة، احتجاج داخلي، أو موقف معلن ضد اتجاهات معينة.

عندما سألت الزميل الذي أعد الترجمة عن اختياره لهذه الصياغة، قال بثقة:

“استعفا معناها انسحب… والكلمة مستخدمة كثيرا.”

قلت له: “صحيح أن الكلمة شائعة، لكن السؤال الحقيقي: مستخدمة أين، وماذا تنقل للقارئ؟ وما تأثيرها على فهم الحدث؟
فالوزير لا ينسحب لغويا من منصبه، بل يقدّم استقالته رسميا، حتى لو حاول الخطاب الرسمي تلطيف الأمر أو تقديمه بصورة أقل حدة.”

هذه النادرة تكشف واحدة من أخطر مناطق الترجمة الصحفية: تبنّي اللغة الرسمية أو الملساء دون تفكيك معناها الحقيقي. فالخطأ لا يكون فيما يظهر في القاموس، بل فيما يمرّ هادئا، سلسا، ومقنعا، بينما يغيّر المعنى بالكامل من الداخل.

ومن الأخطاء الشائعة أيضاً استخدام صيغ مثل “غادر الوزير منصبه” أو “ابتعد الوزير عن المنصب”، والتي تبدو صحيحة لغويا، لكنها تزيل أي دلالة على الفعل القانوني والالتزام السياسي وراء الاستقالة.

فالقارئ العادي قد يظن أن الأمر مجرد حركة شخصية، بينما الواقع يحمل رسالة سياسية وإعلامية واضحة، وربما استجابة لضغوط داخلية أو خلافات حزبية.

كل نادرة من نوادر الترجمة الصحفية تذكّرنا بأن الكلمات ليست بريئة، وأن الكلمة الواحدة قد تعكس حدثا سياسيا كاملا. في المرات القادمة، سنتوقف عند نادرة أخرى، حيث ترجمة كلمة واحدة قد تغيّر صورة حدث بأكمله، وتحوّل الخبر من نقل حقيقة إلى إعادة تشكيلها بطريقة هادئة، لكنها مضللة.