- زاد إيران - المحرر
- 278 Views
تعيش الرياضة الإيرانية منذ سنوات على وقع تحولات متسارعة تجاوزت حدود المنافسة داخل الملاعب والحلبات، لتتحول إلى مساحة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والاجتماعية والإعلامية بصورة متزايدة. ومع كل بطولة دولية أو مشاركة خارجية، تتجدد النقاشات داخل إيران حول صورة البلاد في المحافل الرياضية، وحدود العلاقة بين الرياضة والسياسة، ومدى تأثير التوترات الدولية على الرياضيين الإيرانيين. وفي ظل هذا المناخ المعقد، باتت الملفات الرياضية تحظى بمتابعة تتجاوز الأوساط الرياضية التقليدية، لتصبح جزءا من السجال العام داخل البلاد وخارجها، خاصة مع تصاعد الاهتمام الدولي بالرياضيين الإيرانيين ومواقفهم وتحركاتهم خلال المشاركات الخارجية.
تحذير كيهان.. من أزمة التأشيرات إلى المؤامرة على المنتخب الإيراني
بدأت القضية عندما كشفت وسائل إعلام إيرانية أن الولايات المتحدة لم تمنح تأشيرات الدخول لخمسة عشر عضوا من بعثة المنتخب الإيراني لكرة القدم، بينهم إداريون وعاملون في الطاقم المرافق، للمشاركة في منافسات كأس العالم 2026. وبعد ساعات، ظهرت تقارير أخرى تحدثت عن أن حتى الأعضاء الذين حصلوا على التأشيرات لن يسمح لهم بالإقامة داخل الأراضي الأمريكية، وسيضطر المنتخب إلى العودة إلى المكسيك بعد كل مباراة، وهو ما اعتبر داخل إيران إجراء استثنائيا يحمل دلالات سياسية واضحة.
في هذا السياق، نشرت صحيفة كيهان افتتاحية في عددها الأحد 7 يونيو/ حزيران 2026، حملت لهجة تحذيرية حادة، اعتبرت فيها أن ما يجري يتجاوز مسألة التأشيرات أو التنظيم اللوجستي، وأنه قد يكون جزءا من مخطط يستهدف المنتخب الإيراني. الصحيفة المقربة من التيار الأصولي كتبت أن من الضروري أخذ احتمال آخر بعين الاعتبار، مستشهدة بما حدث لمنتخب السيدات الإيراني لكرة القدم في أستراليا، حين طلبت عدة لاعبات اللجوء هناك.

وقالت الصحيفة “أعلن أمس أن الولايات المتحدة لم تصدر تأشيرات لـ 15 شخصا من أعضاء الجهاز الفني والإداري لمنتخبنا الوطني لكرة القدم، من الكادر الداعم ومسؤولي الاتحاد وغيرهم ممن من المقرر أن يرافقوا أعضاء المنتخب الوطني، للمشاركة في كأس العالم. وبعد ساعات، تبين أن حتى أولئك الذين صدرت لهم التأشيرات، لا يسمح لهم بالإقامة على الأراضي الأمريكية! أي إن منتخبنا الوطني لكرة القدم يجب أن يعود إلى المكسيك بعد كل مباراة، وهذا يعني أن المنتخب الإيراني لكرة القدم يجب أن يعبر الحدود عبر إدارة الهجرة الأمريكية في يوم المباراة نفسه، وهناك الكثير مما يمكن قوله في هذا الشأن”.
وتتابع كيهان “ونخصص الجزء الأخير من هذه الافتتاحية لاحتمال وتحذير، ففيما يتعلق بقضية تأشيرات منتخبنا الوطني لكرة القدم، ليس من السيئ أن نأخذ احتمالا آخر بعين الاعتبار، وهو ما حدث لمنتخب السيدات الإيراني لكرة القدم في أستراليا، وليس من المستبعد إطلاقا أن يكون العدو قد رسم مخططات للاعبي منتخبنا الوطني لكرة القدم”، في إشارة واضحة إلى مخاوف من محاولات استقطاب اللاعبين أو دفع بعضهم إلى الانشقاق وطلب اللجوء خلال البطولة. فيما لم يكن هذا التحذير معزولا عن السياق السياسي العام في إيران، بل جاء متزامنا مع تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن، واستمرار الخطاب الرسمي الإيراني الذي يتهم الغرب باستخدام الرياضة أداة للضغط السياسي والثقافي.
هذا وتكشف قراءة خطاب كيهان أن المؤسسة الأصولية في إيران تنظر إلى البطولات الرياضية الدولية بوصفها فضاء حساسا قد تستغله الدول الغربية ووسائل الإعلام المعارضة للتأثير على الرياضيين الإيرانيين. فبحسب هذه الرؤية، لم تعد قضية اللجوء الرياضي مجرد قرار شخصي، بل تحولت إلى جزء من “حرب ناعمة” تستهدف صورة إيران واستقرارها الداخلي.

كما أن التحذير يعكس حالة انعدام الثقة بين إيران والولايات المتحدة، خصوصا مع اقتراب كأس العالم 2026 التي تستضيفها أمريكا بالشراكة مع كندا والمكسيك. فداخل إيران، هناك قناعة متزايدة بأن الرياضيين الإيرانيين قد يتعرضون خلال البطولة إلى ضغوط سياسية وإعلامية، أو محاولات لإقناعهم بعدم العودة إلى البلاد، وهو ما جعل قضية التأشيرات تتحول سريعا إلى ملف سيادي وأمني، وليس مجرد أزمة رياضية.
لاعبات المنتخب الإيراني في أستراليا.. القضية التي أعادت هواجس الانشقاق
لم يكن استحضار كيهان لقضية منتخب السيدات الإيراني لكرة القدم في أستراليا أمرا عابرا، بل لأن هذه القضية تحولت داخل إيران إلى المثال الأبرز على المخاوف من استهداف الرياضيين الإيرانيين خلال المشاركات الخارجية.
القصة بدأت خلال مشاركة المنتخب الإيراني للسيدات في كأس آسيا بأستراليا، حيث خسر الفريق مبارياته الثلاث أمام كوريا الجنوبية وأستراليا والفلبين، وخرج من دور المجموعات. لكن النتائج الرياضية سرعان ما تراجعت إلى الخلفية، بعدما تحولت مشاركة المنتخب إلى أزمة سياسية وإعلامية كبيرة.

في المباراة الأولى أمام كوريا الجنوبية، التزمت لاعبات المنتخب الصمت أثناء عزف النشيد الوطني الإيراني، في خطوة اعتبرها كثيرون موقفا احتجاجيا، وأثار هذا التصرف ردود فعل غاضبة داخل الإعلام الرسمي الإيراني، إذ وصف أحد مقدمي البرامج التلفزيونية اللاعبات بأنهن خائنات في زمن الحرب، وطالب بمعاقبتهن، معتبرا أن من لا يردد النشيد الوطني وصمة عار على الوطن.
وبعد تصاعد الجدل، حاول المنتخب احتواء الأزمة في المباراة الثانية، حيث قامت اللاعبات بترديد النشيد الوطني وأدين التحية العسكرية، إلا أن ذلك لم ينه القضية. وبعد أيام قليلة، انتشرت أخبار تفيد بأن خمس لاعبات من المنتخب، بينهن القائدة زهرا قنبري، غادرن الفندق الذي يقيم فيه الفريق في سيدني وطلبن اللجوء في أستراليا.
وتحدثت تقارير إعلامية لاحقا عن أن الشرطة الأسترالية ساعدت اللاعبات على مغادرة الفندق ونقلتهن إلى مكان آمن، فيما أعلن وزير الداخلية الأسترالي توني بورك أن بلاده ستمنحهن الحماية والإقامة. وقال الوزير الأسترالي إنه التقى اللاعبات وأبلغهن بأن بإمكانهن البقاء بأمان في أستراليا.

القضية أخذت أبعادا دولية بعد دخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الخط، حيث دعا علنا إلى منح اللاعبات اللجوء، وقال إن الولايات المتحدة مستعدة لاستقبالهن إذا لم تفعل أستراليا ذلك. وقد أثارت تصريحات ترامب غضبا واسعا داخل إيران، حيث اعتبرها الاتحاد الإيراني لكرة القدم تدخلا سياسيا مباشرا في شؤون الرياضة.

في المقابل، تبنت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية رواية مغايرة، إذ تحدثت عن تحريض مارسته وسائل إعلام معارضة ومجموعات مناهضة للنظام ضد اللاعبات، كما اتهمت جهات غربية باستغلال الأجواء السياسية لدفعهن إلى طلب اللجوء. وذهب رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم مهدي تاج إلى القول إن اللاعبات تعرضن لما يشبه الاحتجاز السياسي، وإن السلطات الأمريكية والأسترالية كانت تضغط باتجاه عدم عودتهن إلى إيران.
هذه القضية، وإن كانت قد انتهت بعودة الكثير من اللاعبات إلى إيران مرة أخرى، أصبحت بالنسبة للتيار الأصولي الإيراني دليلا حيا على صحة التحذيرات التي تتحدث عن استهداف الرياضيين الإيرانيين في الخارج، وهو ما يفسر لماذا أعادت كيهان استحضارها عند الحديث عن المنتخب الوطني لكرة القدم وكأس العالم المقبلة.
موجة اللجوء الرياضي.. من كيميا عليزاده إلى فريق اللاجئين الأولمبي
لم تعد حالات لجوء الرياضيين الإيرانيين أحداثا فردية معزولة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة متصاعدة شملت رياضات مختلفة وأسماء بارزة. فمن التايكوندو والجودو إلى الشطرنج ورفع الأثقال والتزلج، غادر عدد كبير من الرياضيين إيران واختاروا تمثيل دول أخرى أو الانضمام إلى فريق اللاجئين الأولمبي.
وتعد كيميا عليزاده، أول امرأة إيرانية تحرز ميدالية أولمبية، واحدة من أشهر هذه الحالات. فعلى الرغم من الدعم الرسمي الذي حظيت به داخل إيران، قررت مغادرة البلاد، وأعلنت لاحقا أنها لم تعد ترغب في تمثيل إيران، قبل أن تشارك لاحقا تحت علم بلغاريا. كما شكل انتقال لاعب الجودو سعيد مولايي إلى منغوليا صدمة كبيرة، خصوصا بعدما تحدث عن الضغوط التي تعرض لها بسبب رفضه مواجهة لاعبين إسرائيليين.


وفي الشطرنج، غادر علي رضا فيروزجا إيران ليختار تمثيل فرنسا، فيما غادرت سارة خادم الشريعة وميترا حجازي بور وآتوسا بوركاشيان أيضا المنتخب الإيراني. كما شهدت رياضات أخرى حالات مشابهة، بينها لجوء المتزلج سيد ستار صيد إلى النرويج، وهجرة الرباعة يكتا جمالي إلى ألمانيا، فضلا عن انتقال عدد من لاعبي التايكوندو والجودو والمصارعة إلى دول أوروبية مختلفة.







وتجلت هذه الظاهرة بوضوح في أولمبياد باريس 2024، حيث ضم فريق اللاجئين الأولمبي أربعة عشر رياضيا إيرانيا، وهو العدد الأكبر بين جميع الجنسيات المشاركة ضمن هذا الفريق. وقد تنافس هؤلاء الرياضيون في ألعاب متنوعة، من بينها السباحة والجودو والتايكوندو والمصارعة والتجديف ورفع الأثقال.
وتختلف الروايات بشأن أسباب هذه الهجرة. فبعض الرياضيين يتحدثون عن نقص الدعم والتمييز والضغوط السياسية والاجتماعية، بينما تؤكد السلطات الإيرانية أن كثيرا منهم وقعوا تحت تأثير الدعاية الغربية أو تعرضوا لإغراءات سياسية وإعلامية. وفي بعض الحالات، لجأت المؤسسات الرياضية الإيرانية إلى مهاجمة الرياضيين المنشقين واتهامهم بقضايا أخلاقية أو انضباطية، كما حدث مع المتزلج سيد ستار صيد بعد لجوئه إلى النرويج.

ومع استمرار هذه الظاهرة، باتت الرياضة الإيرانية تعيش حالة من التداخل العميق بين السياسة والرياضة، بحيث تحولت المشاركات الدولية إلى ساحة مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود المنافسة الرياضية. وفي هذا السياق، تبدو تحذيرات «كيهان» من احتمال استهداف لاعبي المنتخب الإيراني في كأس العالم المقبلة تعبيرا عن خوف حقيقي داخل إيران من تكرار سيناريوهات الانشقاق واللجوء، في وقت أصبحت فيه الرياضة إحدى أكثر الجبهات حساسية في الصراع السياسي والإعلامي بين طهران والغرب.

