صحيفة إيرانية تكسر المحظور: لا إصلاح في طهران بـ “الوجوه التقليدية” وشبكات الفساد

كتب: الترجمان

شهدت الأوساط السياسية والإعلامية الإيرانية مؤخرا نقاشا واسعا أثارته المقالة التحليلية التي نشرتها صحيفة “اطلاعات” اليومية العريقة، والتي تسلط الضوء على آفاق ومستقبل القيادة السياسية في البلاد. يأتي هذا التحليل في وقت حساس يمر به النظام السياسي الإيراني، حيث يطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية تفاعل السمات الشخصية للقيادة الجديدة مع الاستحقاقات التاريخية والاجتماعية الراهنة. ويتركز النقاش حول شخصية المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، مستعرضا ثلاث ركائز نفسية وسلوكية تميز شخصيته، ومقدما في الوقت ذاته “ست توصيات استراتيجية” تُعد بمثابة خارطة طريق وعقد اجتماعي جديد لإعادة بناء الثقة العامة وتحقيق الإصلاح الهيكلي الشامل.

تأسس التحليل على فكرة أن السمات الذاتية للمرشد الأعلى، مهما كانت فريدة، لا تعمل في فراغ، بل يجب أن تترجم إلى سياسات عملية تستجيب للضرورات التاريخية. وتتمثل الصفات الثلاث الأبرز للقيادة الجديدة في القدرة العالية على تحمل الأزمات السياسية وإدارتها بهدوء، واعتماد “الصمت الذكي” كأداة استراتيجية في ظل موازين القوة، فضلا عن الاختبار المباشر للواقع الاجتماعي من خلال العيش غير المشروط بين عامة الشعب والاطلاع عن قرب على همومهم. ومن هذا المنطلق، يطرح التقرير- وفقا لمقالة صحيفة اطلاعات- ستة محاور رئيسية تمثل متطلبات هيكلية لا مفر منها للعبور بإيران نحو أفق جديد ومستقر.

Image

إعادة بناء رواية الأمل وصياغة أفق المستقبل

تعتبر الأزمة الأعمق التي تواجه المجتمع الإيراني اليوم، قبل أن تكون أزمة اقتصادية أو سياسية، هي أزمة فقدان الرؤية الجمعية نحو المستقبل. إن الجيل الشاب الذي عاصر على مدى العقدين الماضيين سلسلة من الوعود غير المحققة، بات يعاني مما يصفه علم النفس السياسي بـ “العجز المكتسب عن رؤية المستقبل”. في هذه الحالة النفسية المعقدة، يصبح الأفق مظلما إلى حد تتساوى فيه كافة الجهود، ويُنظر إلى أي مسعى إصلاحي على أنه بلا جدوى أو معنى. وتؤكد القراءة التحليلية أن هذا الإحباط المزمن يعد خطرا وجوديا يفوق في تأثيره القاتل كافة العقوبات الاقتصادية الخارجية المفروضة على البلاد.

ولمواجهة هذا التحدي، يتطلب الأمر من القيادة الجديدة تقديم “ترياق سياسي ونفسي” يتمثل في رسم رؤية واقعية وقابلة للتحقيق لإيران المزدهرة والمتطورة. يجب أن تحمل هذه الرؤية محدثات واضحة تحدد مكانة إيران في النظامين الإقليمي والدولي ضمن أفق زمني ممتد حتى عام 2040. إن القائد الذي يمتلك القدرة على إعادة صياغة هذه الرواية بلغة صادقة وخطوات عملية ملموسة، لن يقتصر دوره على الإدارة السياسية فحسب، بل سيتحول إلى رمز يعيد إحياء الأمل في الذاكرة الجمعية لجيل كامل، وهو ما يعد شرطا أساسيا لنجاح بقية الإصلاحات، إذ لا يمكن للمجتمع أن يتحمل تكلفة التغيير الصعب دون إيمان حقيقي بغد أفضل.

Image

تطهير المؤسسات وتفكيك شبكات الفساد الهيكلي

لم يعد الفساد في أركان الإدارة والحكم مجرد حالات فردية أو استثنائية يمكن معالجتها بالمسكنات القانونية التقليدية، بل تحول مع مرور الوقت إلى “أعراف خفية” متغلغلة في بنية المؤسسات ذاتها. وتظهر مقاربات علم النفس السياسي أنه عندما يصبح الفساد سلوكا اعتياديا، فإن الأفراد داخل المنظومة والمجتمع يفقدون الدافع لتغييره، ويستسلمون للواقع المرير. وهنا تبرز الحاجة إلى كسر الصمت الاستراتيجي واعتماد سياسة المكاشفة المدروسة والعلنية، بهدف نقل تكلفة الفساد من الحيز الخفي إلى الحيز العام وتحميل الفاسدين المسؤولية الكاملة أمام الرأي العام.

إن أي محاولة للإصلاح الاقتصادي أو الإداري محكوم عليها بالفشل المحتم ما لم تقترن بمحاربة حقيقية وجادة لهذا الفساد المتجذر في الأحشاء المؤسسية. فالشارع الإيراني لم يعد يكترث بالشعارات الرنانة أو الحملات الإعلامية المؤقتة، بل يتطلع إلى رؤية إجراءات صارمة وحاسمة تستهدف شبكات الفساد الكبرى والنخب المتنفذة في أعلى مستويات الهرم السياسي والمالي. إن تطهير هذه المؤسسات هو الحجر الأساس لاستعادة هيبة الدولة وصيانة الموارد الوطنية من الاستنزاف غير المشروع.

الاستجابة العاجلة للشعور العام بغياب العدالة

عندما يتحول غياب العدالة في مجتمع ما من مجرد فروق إحصائية أو متغيرات اقتصادية إلى شعور عام سائد، فإنه يتجذر في الذاكرة العاطفية والوجدانية للناس ويتحول إلى جرح غائر. يشير علم النفس السياسي إلى أن هذا النوع من الإحباط الاجتماعي، إذا لم يجد استجابة عملية وسريعة من أصحاب القرار، سيتطور حتما إلى حالة من عدم الثقة المزمنة، وسيدفع المجتمع نحو تبني سلوكيات احتجاجية صامتة وشرطية ضد النظام الحاكم.

وفي هذا السياق، فإن القيادة التي تمتلك وعيا ميدانيا وخبرة معيشية مباشرة مع الناس، تدرك تماما أن بعض مظاهر التمييز والفجوات الطبقية لم تعد قابلة للتحمل أو التبرير. ولم يعد يكفي في هذه المرحلة اللجوء إلى الإجراءات والخطوات الرمزية أو الاستعراضية لتسكين الغضب، بل يتطلب الأمر إعادة تعريف وتشكيل مؤسسات توزيع الثروة وتكافؤ الفرص بشكل جذري، بما يضمن لجميع فئات المجتمع الحصول على نصيب عادل من التنمية ومقدرات البلاد.

مواجهة شيخوخة السلطة وتجديد النخب الحاكمة

تواجه الإدارة الإيرانية منذ سنوات معضلة كبرى تتمثل في “شيخوخة السلطة” وهي ظاهرة تؤدي بالضرورة إلى ما يُعرف بـ “الإنهاك النخبوي”. وتتميز القيادات التقليدية الهرمة التي احتكرت مناصب القرار لسنوات طويلة بضعف المرونة الإدراكية، والمقاومة الشديدة للأفكار والبيانات الجديدة، والتمسك الأعمى بالقرارات والسياسات الماضية حتى وإن ثبت عدم جدواها. وترى هذه النخب الشيخوخية في كل محاولة للتطوير أو إعادة الهيكلة التدرجية تهديداً مباشراً لمواقعها ومصالحها الشخصية، مما يجعلها حجر عثرة أمام أي تحول حقيقي.

إن القيادة المصلحة التي تنشد التغيير لا يمكنها بأي حال من الأحوال بناء مسار جديد ومستقبلي باستخدام نفس الفريق المنهك والمستهلك سياسيا وفكريا. ولا يهدف الإقصاء أو الإحلال الذكي لهذه العناصر إلى الانتقام، بل تمليه الضرورة التاريخية وحتمية التحول الإداري وضخ دماء جديدة في عروق الدولة. ويعتبر هذا التجديد شرطا جوهريا لتمكين المؤسسات من الاستجابة السريعة لمتطلبات العصر وتعقيداته الحديثة.

Image

تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة وبناء الهوية المشتركة

لقد أصيب المجتمع الإيراني- وفقا لصحيفة اطلاعات-  بكافة أطيافه بالإنهاك الشديد جراء عقود من الصراعات والسجالات العقيمة بين النخب الثورية الحاكمة من جهة، والقوى والشخصيات السياسية التي تم إقصاؤها أو تهميشها على مر السنين من جهة أخرى. هذا الاستقطاب الحاد أدى إلى انسداد الأفق السياسي والاجتماعي وتعميق أزمات الهوية والانتماء لدى فئات واسعة من المواطنين، لاسيما الأجيال الجديدة التي ترى في هذه المعارك الحزبية استنزافاً لمستقبلها.

وتبرز الحاجة اليوم إلى إطلاق دعوة عملية وحقيقية، تتجاوز حدود الشعارات البروتوكولية، لجمع كافة القوى والجهات والشخصيات التي تؤمن بكيان إيران ومصلحتها العليا، وإشراكها بفعالية في عملية بناء وتنمية البلاد. إن المصالحة الوطنية لم تعد ترفا سياسيا، بل هي الممر الإجباري والوحيد لتجاوز الأزمات المركبة، وصياغة عقد اجتماعي جديد يستوعب التعددية الثقافية والفكرية تحت مظلة الوطن الواحد.

اختيار بطانة جديدة وتحالفات فكرية تحولية

تؤكد التجارب التاريخية للدول أنه لا يوجد قائد، مهما بلغت قدراته الفردية وحنكته السياسية، يمكنه لوحده فتح مسارات جديدة وتغيير وجه التاريخ دون وجود فريق عمل كفء يسانده. إن ما يحدد ملامح أي حقبة قيادية ويصنع نجاحها أو فشلها هو الحلقة الضيقة والبطانة التي تحيط بالقائد وتشارك في صنع القرار. فالوجوه المتكررة والمستهلكة، برغم صدقها أو وفائها للنظام، تظل رهينة للأنماط الفكرية السابقة، ونتيجة لمعيشتهم الطويلة داخل البنى البيروقراطية القديمة، فإنهم يعجزون عن تخيل أو ابتكار نماذج عمل حديثة خارج الصندوق.

إذا استمرت المؤسسات الحساسة والسيادية المحيطة بالقيادة الجديدة في العمل تحت إدارة نفس الوجوه القديمة، فإن أفضل النوايا الإصلاحية ستتبخر وتضيع في دهاليز البيروقراطية العتيقة. إن المجتمع الإيراني اليوم لا يبحث عن شخصيات تشريفية أو واجهات بروتوكولية، بل يتطلع إلى بروز عقول فاعلة ومؤثرة تمتلك الشجاعة الفكرية لنقد الوضع الراهن، والقدرة العملية على ترجمة الأفكار والنظريات إلى برامج استراتيجية قابلة للتطبيق، فضلا عن الالتزام بالشفافية المطلقة مع الشعب. إن اختيار هذا النمط الجديد من المستشارين والمسؤولين لا يعكس عدم ثقة بالماضي، بل هو دليل على الثقة المطلقة في المستقبل والإرادة الحقيقية للتغيير.

Image

يخلص التقرير التحليلي لصحيفة “اطلاعات” إلى أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، بما يمتلكه من سمات نفسية وسلوكية ثلاث متمثلة في الصمود والصمت الاستراتيجي والاتصال المباشر بالشارع، يمتلك القدرة النظرية والعملية لتقديم نموذج للقيادة المصلحة والواقعية. إلا أن هذه القدرات الذاتية الكامنة لن تتحول إلى فعل إصلاحي وملموس على أرض الواقع إلا من خلال التبني الصارم والمخلص للمحاور الستة السالفة الذكر. وبلا شك، فإن المجتمع الإيراني، الذي عانى الطويل من الأزمات المتراكمة، سيتلقى بكل ترحيب ودعم قيادة قوية، دؤوبة في العمل، وقريبة من تطلعات ومطالب الشعب لضمان استقرار البلاد وتنميتها المستدامة.

كلمات مفتاحية: