مشروع القرار الأمريكي ضد إيران… ضغوط الوكالة وتعقيدات اليورانيوم المخصب

في توقيت بالغ الحساسية، ومع استمرار التوترات الإقليمية وتعثر مسار التفاهمات بين طهران وواشنطن، عاد الملف النووي الإيراني إلى واجهة المشهد الدولي عبر مشروع قرار أمريكي جديد داخل مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. المشروع، الذي تسعى الولايات المتحدة إلى حشد الدعم له، لا يقتصر على المطالبة بتوضيحات فنية تتعلق بمخزونات اليورانيوم المخصب والمنشآت النووية الإيرانية المتضررة، بل يعكس أيضا محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك السياسي والدبلوماسي مع إيران بعد الحرب الأخيرة والتغييرات التي شهدتها المنطقة. وبينما تصر طهران على أن برنامجها النووي ذو طبيعة سلمية، تتزايد الضغوط الغربية لإجبارها على تقديم مزيد من التنازلات، في وقت تبدو فيه المفاوضات النووية أكثر تعقيدا وغموضا من أي وقت مضى.

مشروع القرار الأمريكي… مضامينه وأهدافه السياسية

حمل مشروع القرار الأمريكي المقدم إلى مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي انتشر في الإعلام الإيراني الإثنين 8 يونيو/ حزيران 2026 بشكل واسع، أبعادا تتجاوز الطابع الفني أو الرقابي الذي تحاول واشنطن إظهاره. فالنص الذي جرى تداوله قبيل الاجتماع الدوري للمجلس يتضمن مجموعة من المطالب والإجراءات التي تضع إيران أمام ضغوط دولية متزايدة، خصوصا فيما يتعلق بملف اليورانيوم المخصب والمنشآت النووية التي تعرضت لهجمات خلال الحرب الأخيرة.

Image

وينطلق مشروع القرار من التأكيد على ضرورة التزام إيران الكامل باتفاقية الضمانات الخاصة بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، إضافة إلى تنفيذ القرارات السابقة الصادرة عن مجلس الأمن الدولي ومجلس محافظي الوكالة. كما يشيد المشروع، في مقدمته، بالدور الذي تقوم به الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها العام رافائيل جروسي في متابعة تنفيذ التزامات إيران النووية، مع التأكيد على الدور المستقل والأساسي للوكالة في عمليات التحقق والرقابة.

ويستند النص الأمريكي إلى تقارير سابقة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، تتحدث عن إخفاقات متكررة من جانب إيران في تقديم التعاون الكامل وفي الوقت المناسب فيما يتعلق بمواد وأنشطة نووية غير معلنة في مواقع مختلفة داخل البلاد، كما يشير المشروع إلى أن الوكالة لم تتمكن خلال الفترة الماضية من التحقق من كميات من اليورانيوم عالي التخصيب، الأمر الذي تعتبره الدول الغربية مصدر قلق من زاوية الانتشار النووي.

وتطالب واشنطن، عبر مشروع القرار، بأن تقدم إيران دون تأخير معلومات دقيقة بشأن المواد والمنشآت النووية الخاضعة للضمانات، وأن توفر جميع أشكال الوصول المطلوبة للوكالة الدولية للطاقة الذرية من أجل التحقق من هذه المعلومات، ويشدد النص على أن هذه الخطوات ضرورية وعاجلة، كما يؤكد أن اتفاقية الضمانات الإيرانية لا يمكن تعديلها أو تعليقها بصورة أحادية.

ويتضمن المشروع أيضا تأكيدا على ضرورة التزام إيران بالكود المعدل 3.1 المتعلق بإبلاغ الوكالة مسبقا بأي منشآت نووية جديدة أو تعديلات تطرأ عليها، مع مطالبة طهران بتنفيذ جميع الإجراءات التي تعتبرها الوكالة ومجلس المحافظين ضرورية لتسوية الملفات العالقة.

Image

ورغم أن مشروع القرار لا يتضمن، حتى الآن، إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، فإن الصياغة الواردة فيه تحمل إشارات واضحة إلى إمكانية اتخاذ خطوات لاحقة في هذا الاتجاه. إذ يؤكد النص أن مجلس المحافظين مستعد لاتخاذ إجراءات إضافية وفقا للفقرة (ج) من المادة الثانية عشرة من النظام الأساسي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو بند يرتبط بحالات عدم الامتثال التي قد ترفع إلى مجلس الأمن.

وتشير التسريبات الواردة من مصادر مطلعة إلى أن الولايات المتحدة تعمل على حشد تأييد واسع داخل مجلس المحافظين لضمان تمرير القرار بأغلبية مريحة، في حين يتوقع أن تمتنع بعض الدول عن التصويت بدلا من معارضة القرار بشكل مباشر، في ظل الضغوط السياسية الغربية.

Image

فيما يصرح خبراء أن الهدف الأمريكي لا يقتصر على ممارسة ضغوط تقنية مرتبطة بالتفتيش والرقابة، بل يتعداه إلى استخدام الوكالة الدولية للطاقة الذرية كورقة ضغط سياسية في سياق التفاوض الأوسع مع إيران، خصوصا بعد تعثر المحادثات غير المباشرة بين الطرفين وتصاعد التوترات العسكرية في المنطقة.

الوكالة الدولية للطاقة الذرية… بين الضغوط الغربية والرد الإيراني

أعاد مشروع القرار الأمريكي تسليط الضوء على الدور الذي تؤديه الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها العام رافائيل جروسي في الملف الإيراني، وهو دور بات محل جدل واسع بين طهران والدول الغربية، خصوصا في ظل الاتهامات الإيرانية المتكررة للوكالة بالانحياز السياسي والخضوع للضغوط الأمريكية والأوروبية.

وفي هذا السياق، أثارت تصريحات جروسي الأخيرة بشأن مخزونات اليورانيوم المخصب الإيراني الكثير من الجدل، بعدما قال إن الوكالة تعلم مكان وجود تلك المخزونات التي تعرضت منشآتها لهجمات خلال الحرب الأخيرة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الوصول إليها أصبح صعبا بسبب الأضرار المادية التي لحقت بالمواقع النووية.

Image

كذلك، صرح المدير العام للوكالة أن الأنشطة المتعلقة باستخراج وتخصيب اليورانيوم في إيران باتت محدودة جدا أو شبه معدومة، في إشارة إلى تأثير العمليات العسكرية الأخيرة على البرنامج النووي الإيراني. غير أن هذه التصريحات قوبلت بتحفظات إيرانية، إذ تؤكد طهران باستمرار أن برنامجها النووي ما يزال قائما وأن أنشطته تندرج ضمن الاستخدامات السلمية المشروعة. وفي موازاة ذلك، تحدث جروسي عن وجود خيارات متعددة كانت مطروحة خلال المفاوضات السابقة مع إيران، من بينها وقف أو تقليص عمليات التخصيب، موضحا أن المفاوضات تعطلت بسبب الحرب الأخيرة، وأن مستقبل أي تفاهم لا يزال غير واضح حتى الآن.

كما كشف المدير العام للوكالة أن المؤسسة الدولية تشارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في بعض المشاورات الجارية بين الأطراف، معتبرا أن الحل الوحيد للملف النووي الإيراني يبقى الحل الدبلوماسي. وذهب جروسي أبعد من ذلك عندما قال إن تقديرات الوكالة تشير إلى أن إيران والولايات المتحدة اقتربتا نسبيا من التوصل إلى اتفاق، وإن كان ذلك يتعلق أساسا بالشق النووي.

Image

في المقابل، ترفض إيران كثيرا من الاتهامات الغربية المتعلقة بعدم التعاون، وتؤكد أن الظروف الأمنية والحرب الأخيرة حالت دون تنفيذ بعض الالتزامات الفنية المرتبطة بالتفتيش والوصول إلى المنشآت النووية. كما يشدد المسؤولون الإيرانيون على أن التركيز الحالي ينصب على تثبيت وقف إطلاق النار ومعالجة التداعيات الأمنية للحرب، وليس الدخول في مفاوضات تفصيلية حول الملف النووي.

وفي هذا الإطار، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن بلاده لم تجر أي مفاوضات بشأن القضايا النووية خلال الفترة الماضية، مؤكدا أن الأولوية كانت لإنهاء الحرب وليس مناقشة الملفات التقنية مع الوكالة أو الولايات المتحدة.

Image

كما تعكس تصريحات وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، حجم التعقيدات المحيطة بالملف النووي، خصوصا فيما يتعلق بموضوع اليورانيوم المخصب، الذي وصفه بأنه معقد جدا ووصل إلى طريق مسدود، ما دفع طهران إلى تأجيل مناقشته إلى مراحل لاحقة من المفاوضات.

Image

وأشار عراقجي إلى أن إيران تعتزم إجراء مشاورات إضافية مع روسيا لبحث المقترحات المتعلقة بهذا الملف، في إشارة إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه موسكو في تقريب وجهات النظر أو تقديم صيغ تسوية محتملة.

وتكشف هذه التصريحات عن وجود فجوة واضحة بين الرؤية الغربية التي تسعى إلى فرض قيود صارمة وفورية على البرنامج النووي الإيراني، وبين المقاربة الإيرانية التي ترى أن أي تفاهم يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الاعتبارات الأمنية والسيادية والتوازنات الإقليمية الجديدة التي فرضتها الحرب الأخيرة.

المفاوضات الإيرانية الأمريكية… بين التفاؤل الحذر والتصعيد المتبادل

رغم أجواء التصعيد التي رافقت طرح مشروع القرار الأمريكي، فإن التصريحات الصادرة عن الجانبين الإيراني والأمريكي تعكس في الوقت نفسه وجود مسار تفاوضي لم يغلق بالكامل، وإن كان يمر بمرحلة شديدة الحساسية والتعقيد.

فمن جهة، تتحدث تقارير إعلامية وتسريبات دبلوماسية عن اقتراب الطرفين من تفاهمات معينة تتعلق بالشق النووي، فيما تشير مصادر أخرى إلى أن ملف اليورانيوم المخصب ما يزال يشكل العقدة الرئيسية في المفاوضات بين واشنطن وطهران.

Image

وفي هذا السياق، نقلت تقارير إعلامية عن مصادر مطلعة أن إيران طلبت مزيدا من الوقت لتقييم المطالب الأمريكية المتعلقة بالمفاوضات، وأن النقاشات الحالية تتركز بصورة أساسية حول مصير اليورانيوم المخصب وآليات الرقابة عليه.

أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد تبنى خطابا متناقضا يجمع بين التهديد العسكري وإبداء الاستعداد للتوصل إلى اتفاق. ففي مقابلات وتصريحات إعلامية، أكد أن الولايات المتحدة قريبة جدا من إبرام اتفاق مع إيران، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة اتخاذ خطوات إضافية لضمان عدم امتلاك طهران لسلاح نووي.

وذهب ترامب إلى حد الحديث عن تدمير مخزونات اليورانيوم المخصب الإيرانية سواء داخل المواقع النووية أو خارجها، ملوحا باستخدام القوة العسكرية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق. كما أشار إلى أن واشنطن تمتلك قدرات استخباراتية وتقنية متقدمة تمكنها من مراقبة الأنشطة النووية الإيرانية بشكل دقيق.

وفي المقابل، حاول الرئيس الأمريكي الإيحاء بأن القيادة الإيرانية الجديدة أكثر عقلانية وانفتاحا على التفاوض، مع تأكيده استعداده لإجراء حوار مباشر إذا أبدت طهران رغبة في ذلك.

غير أن الخطاب الأمريكي لم يخل من نبرة التصعيد والضغط، إذ تحدث ترامب عن الإبقاء على القوات الأمريكية في المنطقة حتى اكتمال المهمة على حد وصفه، معتبرا أن الوجود العسكري يشكل وسيلة ضغط لدفع إيران نحو طاولة المفاوضات، كما سعى إلى تحميل الإدارات الأمريكية السابقة مسؤولية تطور البرنامج النووي الإيراني، منتقدا الاتفاق النووي لعام 2015، رغم أن انسحابه منه خلال ولايته الأولى كان أحد الأسباب الرئيسية في انهيار التفاهمات السابقة وتصاعد الأزمة الحالية.

Image

وتبدو المفاوضات اليوم محكومة بمجموعة معقدة من العوامل السياسية والأمنية، أبرزها تداعيات الحرب الأخيرة، ومستقبل التوازنات الإقليمية، ومستوى الثقة المتبادل بين إيران والولايات المتحدة، إضافة إلى دور القوى الدولية الأخرى مثل روسيا والصين والدول الأوروبية.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن مشروع القرار الأمريكي داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ليس مجرد خطوة تقنية مرتبطة بعمليات التفتيش والرقابة، بل جزء من معركة سياسية ودبلوماسية أوسع تسعى من خلالها واشنطن إلى إعادة رسم حدود البرنامج النووي الإيراني وشروط التعامل معه في المرحلة المقبلة.

لكن في المقابل، تدرك طهران أن الضغوط الدولية المتزايدة قد تتحول إلى مسار تصعيدي أكثر خطورة إذا ما فشلت الجهود الدبلوماسية، وهو ما يفسر محاولاتها الإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة، حتى في ظل استمرار الخلافات العميقة حول أكثر الملفات حساسية، وفي مقدمتها ملف اليورانيوم المخصب ومستقبل أنشطة التخصيب داخل إيران.

وبين ضغوط الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والمواقف الأمريكية المتشددة، والحسابات الإيرانية المعقدة، يبقى الملف النووي الإيراني مفتوحا على جميع الاحتمالات، من التوصل إلى تسوية دبلوماسية جديدة، إلى العودة مجددا إلى دائرة التصعيد والمواجهة.

كلمات مفتاحية: