- زاد إيران - المحرر
- 257 Views
كتب الترجمان
شهدت منابر صلاة الجمعة 19 يونيو/حزيران 2026 في مختلف المدن والحواضر الإيرانية حراكا سياسيا وفكريا استثنائيا، شكّل امتدادا جغرافيا وعقديا للتحولات الكبرى التي تعيشها البلاد. وجاءت خطب هذا الأسبوع لتضع “محددات الأمن الاستراتيجي” في صيغتها الجديدة عقب التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة، وفي مقدمتها صدور الرسالة والبيان التاريخي للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي بشأن التفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية.
فلسفة الصبر الجمعي وثلاثية القوة في طهران
من على منبر العاصمة “طهران”، قدم الخطيب محمد حسن أبو ترابي فرد قراءة تأصيلية معمقة ربطت بين معطيات مدرسة عاشوراء وبين هندسة القوة الحالية لمحور المقاومة. وأكد الخطيب أن القوة الراهنة التي تتمتع بها إيران ليست نتاج الصدفة، بل هي الثمرة المباشرة لمعادلة “الصبر الجمعي المتكامل” الذي تمازج فيه صبر الشارع والخيابان مع اقتدار المیدان وحنكة الدبلوماسية.
وأوضح أبوترابي فرد أن هذا الصبر الإيراني قد سبَق صبر الأعداء وضبط حساباتهم، مستشهدا باعترافات الإدارة الأمريكية ومقارنا بين وعود “النظام العالمي الجديد” الغربي في تسعينيات القرن الماضي التي تحولت إلى حروب دموية مدمرة في العراق وأفغانستان استنزفت تريليونات الدولارات، وبين الواقع الراهن الذي يثبت استئصال واشنطن وتراجع حضورها العسكرية في غرب آسيا أمام ضربات محور المقاومة في غزة، وبيروت، واليمن، وطهران.
وشدد خطيب طهران على أن نظام ولاية الفقیه هو الضمانة الدستورية والشرعية لعقلانية القرار وصون الجدارة، موضحا أن إذن المرشد الأعلى بالتفاوض -رغم رؤيته الخاصة- يعكس احترام الفكر الجماعي وتعهدات الحكومة المنتخبة، مع بقاء أصل “عدم الاعتماد المطلق على أمريكا” ثابتا لا يتزحزح.

روح المقاومة ومحددات التفاوض المشروط في “الوند وسيراف”
وفي قراءة متطابقة لأبعاد الموقف القيادي، تناول الخطيب مهدوي في مدينة “الوند” بمحافظة قزوين، ومحمد صادق عاشوري في مدينة “سیراف” بمحافظة بوشهر، الأبعاد المعرفية والسياسية لرسالة القيادة العليا. ومن منبر سيراف، رُبط بين الجانب العرفاني لملحمة كربلاء وبين الواقع السياسي، معتبرا أن دعاء عرفة هو “كربلاء النظرية” وأن عاشوراء هي “التطبيق العملي” لهذا التسليم المطلق.

وحذر الخطيبان من القراءة التجزيئية لرسالة المرشد الأعلى، مؤكدين أنها “حزمة كاملة” لا تقبل التفكيك وفق القاعدة القرآنية القائلة برفض سلوك “نؤمن ببعض ونكفر ببعض”. وأوضح خطيب الوند أن موافقة الولاية ليست مطلقة بل هي “مشروطة وتابعة للنتائج وتعهدات رئيس الجمهورية أمام المجلس الأعلى للأمن القومي”، نافياً بقوة ادعاءات “فرض القرار على القيادة” واصفاً إياها بالجفاء والخطأ المحاسبي.
فيما أكد خطيب سيراف أن التحرك نحو التفاوض ينطلق من موضع القوة والاستقلال، ويمثل فرصة لـ “سلب الحجة” من العدو المأزوم، مشددا على أن العمق السياسي للقاءات والمراسلات الدولية يظهر بوضوح حالة العجز الجيوسياسي لخصوم إيران.

حرب المئة يوم ومعادلة الردع العسكري من منبر رشت
وفي إقليم جیلان شمال إيران، أطلق رسول فلاحتی من على منبر مدينة “رشت” مواقف حاسمة وعالية النبرة تجاه التهديدات الإسرائيلية ومحاولات نقض التهدئة المستمرة لأكثر من مئة يوم في جبهات القتال. وأكد فلاحتي أن طهران لم تستخدم سوى ثلاثين بالمئة فقط من قدراتها العسكرية والصاروخية الرادعة، وأن القوات المسلحة من الحرس الثوري والجيش باتت اليوم في ذروة جاهزيتها التاريخية.
ووجه خطيب رشت تحذيرا شديدا ومباشرا للاحتلال الإسرائيلي، مؤكدا أنه في حال ارتكاب أي حماقة أو تجاوز للخطوط الحمراء بعد رفع المظلة الأمريكية عنه، فإن القوات الإيرانية ستمحو تل أبيب وحيفا من الوجود وتسويهما بالتراب.
وانتقد فلاحتي استمرار الخروقات والضربات في لبنان، مطالبا الحكومة الفريق المفاوض بالتمسك التام والقطعي بحقوق ومصالح شعوب جبهة المقاومة في فلسطين، ولبنان، واليمن، والعراق، باعتبارهم عمقا استراتيجيا وإخوة لا يمكن لإيران التخلي عنهم أو مساومتهم تحت أي ظرف.

معيارية مصلحة الإسلام وتفكيك الحسابات التاريخية في همدان وزاهدان
وفي غرب إيران، قدم حبيب الله شعباني موثق في “همدان” قراءة إسقاطية تاريخية مقارنة لتوضيح فلسفة “الصلح والجهاد” في الفكر الشيعي، مستشهدا بروايات من مصادر الفريقين حول شرعية ومعيارية مواقف الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام).
وأوضح أن صلح الإمام الحسن كان خطوة استراتيجية لحفظ بيضة الإسلام وحماية النواة الصلبة للمجتمع الشيعي من الفناء، بينما كان قيام الإمام الحسين ضرورة تاريخية لكسر الانحراف ومواجهة طغيان يزيد.

ومن هذه المعيارية، أكد شعباني موثق في خطبته السياسية، ومعه مصطفی محامي في “زاهدان”، أن تشخيص استراتيجيات الحرب والسلام في نظام الجمهورية الإسلامية يقع حصريا في دائرة مسؤولية ولي الفقیه الجامع للشروط، باعتباره الطبيب الخبير القادر على تشخيص المصلحة العليا للأمة ومواجهة “أشداء علی الکفار” وترسيخ “رحماء بینهم”.
وأوضح خطيب زاهدان أن الانصياع لهذا التشخيص القيادي هو الضامن الوحيد لإحباط الحرب التركيبية ومنع تشتت الجبهة الداخلية، مؤكداً أن الاستكبار العالمي يمر بمرحلة ضعف بنيوي، وأن ضغوطه الحالية نابعة من العجز لا من عناصر القوة الذاتية.

لغة الأرقام والممرات المائية والاستراتيجية الهجومية في أردبيل
ومن مصلّى مدينة “أردبيل”، استخدم حسن عاملي لغة الأرقام والتحليل الجيوسياسي لإثبات “الفشل الاستراتيجي” لمشروع الضغوط القصوى ومحاولات عزل إيران على مدى العقود الماضية.
وأكد عاملي أن الحرب الأخيرة فرضت معادلات اشتباك جديدة نقلت إيران إلى مصاف “القدرات الكبرى المؤثرة في المنظومة الدولية، وأجبرت الإدارة الأمريكية على التراجع والتماس التفاهم بعد تجميد وإعاقة مشاريع “الناتو العربي” وتقويض الأجندات التخريبية المعارضة الخارجية.
وكشف خطيب أردبيل عن أبعاد القوة الاقتصادية والجيوسياسية التي تمتلكها طهران، لافتا إلى أن أي نقض أو تنصل أمريكي مستقبلي من التعهدات سيواجه بـ “استراتيجية هجومية مضادة” تشمل التفعيل الفوري والشامل لعمليات التخصيب، والسيطرة المطلقة على خطوط الممرات المائية الحيوية وفي مقدمتها مضيق هرمز، مما يعني إدخال الاقتصاد العالمي في أزمة طاقة خانقة لا يمكن للغرب تحمل تبعاتها.

الخطوط الحمراء وقواعد النقد المنصف في بندرعباس واصفهان
وفي المحافظات الوسطى والجنوبية، ركز الخطيبان عبادي زادة في “بندر عباس” وأحمد محمودی في “أصفهان” على وضع ضوابط أخلاقية وسياسية صارمة لإدارة الحوار الداخلي ومنع انزلاق النخب والجماهير نحو القطبية الثنائية التي يسعى الإعلام المعادي لتغذيتها.
وطالب خطيب بندر عباس برفع المصالح الوطنية فوق الحسابات الحزبية والتنافس السياسي الضيق، داعياً المؤيدين للتفاهم إلى تجنب التفاؤل المفرط، والمعارضين إلى الابتعاد عن التخريب والتشكيك غير المستند إلى حقائق.

وفي ذات السياق، أكد خطيب أصفهان على ضرورة الالتزام بـ “الخطوط الحمراء” التي حددتها القيادة العليا، معتبراً أن نقد الأداء الحكومي حق مكفول بشرط توفر عناصر النقد المنصف المتمثلة في تجنب الاتهام والافتراء والحديث بلغة تبعث على الأمل والثقة بالقدرات الذاتية للدولة، مستلهماً من سيرة الرسول الأعظم في فتح مكة وإدارة العلاقات مع القوى الأخرى من موضع العزة والاستقلالية.

المقاومة الحضرية والمطالبة الشعبية بالحقوق العامة في زابل وأورومية ومحاورة أهواز
وفي الأقاليم الحدودية والجنوبية، تداخلت الأبعاد الاستراتيجية الكبرى مع الملفات الحياتية والميدانية المباشرة. ففي “زابل”، ركز مجید بور اندخت على التمييز الدقيق بين مفهومي “الإجازة” و”الرضا” في الحراك الدبلوماسي، مؤكدا أن الشعب الإيراني لن ينخدع وسيظل متمسكا بحقوقه عبر “المقاومة الحضرية والمطالبة النشطة”.

وربط بور اندخت بين الصمود السياسي وبين ضرورة حل الأزمات الداخلية مثل تنظيم قطاع النقل، وتطوير البنية التحتية للطاقة، ومكافحة الفساد والمحتكرين، وهو ما ثنّى عليه الخطيب موسو یفرد في “الأهواز” وعبدالسلام إمامي في منبر أهل السنة بـ “مهاباد” (أورومية)، الذين طالبوا الأجهزة القضائية بالضرب بيد من حديد على حواضن الاحتكار والغلاء.

كما شهد منبر تشابهار تأكيدا من موسوي على أن ثقافة “هیهات منا الذلة” الحسينية هي العاصم الأساسي للمجتمع من السقوط في فخ التحلل المعرفي والفساد الإداري. ودعا الخطباء في كافة هذه المناطق إلى استثمار تجمعات شهر محرم الحرام -مثل تجمع “يوم العطش” المرتقب في همدان والمجالس الحسينية المنزلية- لتعزيز التلاحم الطائفي والمذهبي بين الشيعة والسنة، وتوجيه البوصلة نحو إسناد القوات المسلحة وضمان الاستقرار المعيشي للمواطنين كركيزة لا تنفصل عن القدرة الدفاعية الشاملة.

تكامل الصبر والوعي كإستراتيجية عليا لإدارة المرحلة
في الختام، يُظهر التحليل المنهجي الشامل لخطب الجمعة عبر عموم الجغرافيا الإيرانية -من العاصمة طهران وأردبيل شمالا إلى بندر عباس وسيراف وزابل جنوبا وشرقا- وجود “هندسة خطابية موحدة” تدار بأعلى مستويات التنسيق الفكري والسياسي. حيث نجحت المؤسسة الدينية والسياسية في صياغة معادلة متكاملة العناصر؛ تتولى فيها المنابر المركزية تبيين أبعاد العمق السياسي لقرارات القيادة العليا وإبراز حالة العجز الراهنة لجبهة الأعداء، بينما تضطلع المنابر الإقليمية والحدودية بمهمة التعبئة الفكرية وحظر الانقسام الداخلي.
إن هذا الخطاب المتناغم يرسخ حقيقة أن إيران لا تتحرك في ملف المذاكرات والتفاهمات الدولية من موقع انفعالي أو تحت وطأة الضغوط، بل تدير المشهد بناء على فائض القوة المتراكم من “صبر الميدان” والاقتدار الصاروخي. ومع اقامتها للحجة السياسية عبر تلبية رغبة الحكومة المشروطة، فإنها تضع “المقاومة المستمرة” وحماية معيشة الجماهير ومنع القطبية الزائفة كخطوط حمراء غير قابلة للمساومة، مستلهمة من البصيرة الحسينية في شهر محرم وقوداً فكرياً لصيانة الأمن القومي الشامل وتعزيز مكانة الدولة كقوة إقليمية مهيمنة.

