- زاد إيران - المحرر
- أخبار إيران, إيران
- 579 Views

تتصاعد في إيران أزمة سياسية متشابكة على خلفية تطورات شهدتها الساحة الأكاديمية، حيث تحول الجدل من حدود الحرم الجامعي إلى مستوى أوسع من النقاش العام والرقابة السياسية. وبين خطاب رسمي يدعو إلى الانضباط والحوار، وضغوط متنامية من داخل البرلمان ووسائل الإعلام، تتكشف ملامح معادلة دقيقة تختبر قدرة المؤسسات على إدارة التوتر دون الانزلاق إلى مزيد من الاستقطاب.
تصريحات وزير العلوم… تفريق بين الاحتجاج والشغب وتشديد على قدسية الرموز الوطنيةعلى خلفية التوترات التي شهدتها الجامعات الإيرانية خلال الأيام الأخيرة، وجد وزير العلوم والبحوث والتكنولوجيا، حسين سيمائي صراف، نفسه في قلب عاصفة سياسية وإعلامية متصاعدة، فيما اختار أن يرد عبر رسالة متلفزة، الثلاثاء 24 فبراير/ شباط 2026 شدد فيها على ضرورة التمييز بين الاحتجاج المدني وأعمال الشغب، مؤكدا أن الجامعة فضاء للتعليم والبحث والابتكار، وليست ساحة للفوضى، وأوضح أن ما حدث في بعض الحرم الجامعية لا ينبغي أن يعمم على مجمل البيئة الأكاديمية التي تواصل نشاطها العلمي بصورة طبيعية.

وأكد الوزير في تصريحاته أن الرموز الوطنية، وفي مقدمتها العلم الإيراني، تمثل رأس مال رمزيا مشتركا لجميع أبناء الشعب، وأن أي إساءة إليها غير مقبولة من قبل المواطنين، وأضاف أن احترام العلم ليس موقفا سياسيا ظرفيا، بل يرتبط بالهوية الجماعية والذاكرة الوطنية. وشدد على أن إهانة العلم خط أحمر، وأن التفريق بين النقد المشروع والإساءة إلى الرموز الوطنية أمر جوهري في هذه المرحلة الحساسة.
وفيما يتعلق بالأحداث داخل الجامعات، قال سيمائي صراف إن آلاف الأساتذة والطلاب يواصلون حضورهم في القاعات الدراسية، وأن العملية التعليمية لم تتوقف، كما أشار إلى أن من وصفهم “قلة قليلة” هي التي تورطت في سلوكيات وصفها بأنها خارجة عن الأطر القانونية، معتبرا أن من غير المنصف تصوير الجامعة وكأنها تعيش حالة فوضى شاملة. وأكد أن الجامعة ما زالت تؤدي رسالتها الأكاديمية بصورة اعتيادية، وأن ما حدث يبقى في نطاق محدود.

وشدد سيمائي صراف على أن أي سلوك خارج الأطر القانونية سيحال إلى المجالس التأديبية المختصة داخل الجامعات، وأن هذه المجالس ستتعامل بجدية مع المخالفات. كما أوضح أنه إذا تبين وجود شق جنائي في بعض الحالات، فسيجري التعامل معها عبر القضاء وفقا للقوانين النافذة، وأكد أن الوزارة لن تتساهل مطلقا مع أعمال الشغب، لكنها في الوقت ذاته لا تنوي إغلاق أبواب الحوار أو التضييق على التعبير القانوني.
وختم وزير العلوم الإيراني أن الطلاب هم أبناء هذا الوطن، وأن الوزارة تنظر إليهم باعتبارهم رصيدا للمستقبل لا خصوما سياسيين، وأشار إلى أن الحفاظ على الهدوء داخل الجامعات مسؤولية مشتركة بين الإدارة والطلاب والأساتذة. كما دعا إلى ترسيخ ثقافة الحوار القانوني، بحيث تبقى الجامعة ساحة للنقاش العقلاني لا للتوتر والانفعال.
مشهد الجامعات… احتجاجات، توترات، وحراك رمزي حول العلم
هذا وكان عدد من الجامعات الإيرانية قد شهدت خلال الفترة الأخيرة تجمعات واحتجاجات على خلفية أجواء الحداد والتوتر التي سادت منذ مطلع شهر يناير/ كانون الثاني 2026، ومع إعادة فتح الجامعات وبدء الفصل الدراسي الجديد، ظهرت تحركات طلابية كان كثيرون يتوقعون حدوثها بالنظر إلى المناخ العام في البلاد، وقد تركزت بعض هذه التحركات في جامعات بارزة مثل جامعة طهران، وجامعة شريف، وجامعة أمير كبير، وجامعة أصفهان الصناعية، وجامعة الزهراء، وجامعة فردوسي مشهد.

بعض الاحتجاجات حمل طابعا سياسيا مباشرا، فيما ارتبطت أخرى بمسألة إهانة العلم الإيراني، وهو ما أثار ردود فعل واسعة داخل الأوساط الطلابية، حيث تجمع عدد من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس في بعض الجامعات للتعبير عن دعمهم للعلم والهوية الوطنية، معتبرين أن الإساءة إلى الرموز الوطنية لا يمكن أن تدرج ضمن خانة الاحتجاج المشروع، كما رفعت في بعض التجمعات شعارات دفاعا عن مبادئ الثورة الإسلامية ورفضا لما وُصف بالتدخلات الخارجية.
في المقابل، تحدثت تقارير عن وقوع اشتباكات محدودة وأعمال توتر داخل بعض الحرم الجامعية، ما دفع إدارات الجامعات إلى تعزيز إجراءات الانضباط. وجرى تداول مقاطع وصور على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت مشاهد من الهتافات والتجمعات، الأمر الذي ساهم في تصعيد النقاش العام حول حدود الاحتجاج داخل الجامعة. كما أثيرت تساؤلات حول احتمال دخول عناصر من خارج الجامعة إلى بعض التجمعات، وهو ما دفع إلى الدعوة لتشديد الرقابة على بوابات الدخول والخروج.

ورغم هذه الأحداث، أكدت وزارة العلوم أن غالبية الطلاب والأساتذة يواصلون نشاطهم الأكاديمي بصورة طبيعية. وقد شدد الوزير على أن المشهد العام لا يعكس حالة انهيار أو تعطيل شامل، بل توترات محدودة في سياق سياسي واجتماعي أوسع، وبدا واضحا أن الحكومة تسعى إلى احتواء الوضع عبر أدوات إدارية وقانونية بدلًا من اللجوء إلى إجراءات استثنائية واسعة النطاق.
الهجوم الأصولي والبرلماني… تهديد بالاستجواب وضغوط متصاعدة
لم تظل التطورات التي شهدتها الجامعات الإيرانية في إطارها الأكاديمي أو الإداري، بل سرعان ما انتقلت إلى ساحة السجال السياسي، حيث تصدر التيار الأصولي وبعض أعضاء البرلمان مشهد الانتقاد والمساءلة، فقد اعتبر عدد من النواب أن ما جرى داخل بعض الحرم الجامعية لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد توتر طلابي محدود، بل يمثل، من وجهة نظرهم، مؤشرا على تراخ إداري يستدعي موقفا أكثر صرامة، وانطلقت هذه الانتقادات من فرضية أن وزارة العلوم لم تظهر الحزم الكافي في مواجهة ما وصفوه بأعمال شغب وإهانات للرموز الوطنية، وعلى رأسها العلم الإيراني.أبرز تجليات هذا الضغط تمثل في التلويح بإجراء الاستجواب البرلماني، وهو أحد أقوى أدوات الرقابة السياسية، فقد كان النائب عن مدينة طهران، أمير حسين ثابتي، في طليعة من لوحوا بهذه الورقة، حيث خاطب وزير العلوم بشكل مباشر قائلا” إذا لم يجمع هذا الوضع، فستبدأ عملية استجوابكم في البرلمان”، هذا التصريح لم يكن مجرد انتقاد إعلامي، بل حمل طابع الإنذار السياسي الصريح، واضعا الوزير أمام معادلة دقيقة بين إظهار مزيد من التشدد أو مواجهة مساءلة قد تتطور إلى مسار دستوري كامل داخل المجلس.

إلى جانب ثابتي، برز اسم النائب مجتبى زارعي الذي سبق أن وجه تحذيرات علنية إلى الوزير في سياق حديثه عن مسؤولية الحرية الأكاديمية. زارعي شدد في تصريحاته على أن الحرية داخل الجامعة ليست بلا ضوابط، ولوح بإمكانية تحرك قوى اجتماعية إذا شعرت بأن أمن الطلاب أو استقرار الجامعات مهدد. وقد حملت تصريحاته لهجة أمنية واضحة، إذ ربط بين ما يجري داخل الحرم الجامعي وبين تهديدات خارجية ومحاولات اختراق، وهو خطاب يعكس مقاربة أكثر تشددا في إدارة الملف.

ورغم حدة هذه المواقف، فإن بعض النواب المحسوبين على التيار نفسه أبدوا تحفظا على توقيت الاستجواب، معتبرين أن إثارة الملف في هذه المرحلة قد لا تخدم الاستقرار العام. إلا أن مجرد طرح الاستجواب في العلن كشف حجم الضغط السياسي الواقع على وزير العلوم، وأظهر أن الملف الجامعي تحوّل إلى نقطة اختبار لتوازنات أوسع داخل البرلمان، وليس مجرد قضية إدارية محدودة.في خضم هذا التصعيد، فقد عقد اجتماع مهم داخل لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، برئاسة النائب إبراهيم عزيزي، وبحضور وزير العلوم ونوابه وممثلين عن الأجهزة المعنية. الاجتماع لم يكن شكليا حسب وصف المصادر الإعلامية، بل خصص لمناقشة تفاصيل الأحداث الأخيرة في الجامعات، والاستماع إلى تقارير الجهات المختصة حول طبيعة التوترات وأسبابها، إضافة إلى تقييم مستوى التنسيق بين الوزارة وسائر المؤسسات ذات الصلة.

شدد عزيزي في تصريحاته عقب الاجتماع على أن الجامعة كانت منطلقا لتحولات كبرى في النظام الإسلامي، وأن الإنجازات الدفاعية والعلمية التي حققتها الجمهورية الإسلامية هي ثمرة جهود الطلاب والأساتذة والمؤسسات الأكاديمية، وأكد أن ساحة الجامعة تعد ساحة مقدسة ينبغي حمايتها من أي أذى أو اختراق، وأن الوزارة مطالبة باتخاذ تمهيدات خاصة لضمان استمرار النشاط العلمي في ظل الانضباط والأمن العام.
كما أشار عزيزي إلى ضرورة تعزيز التعاون بين وزارة العلوم وسائر الأجهزة التنفيذية، حتى تتمكن الجامعات من أداء مهامها دون اضطراب، مؤكدا أن القرارات المتخذة في اللجنة ستحظى بدعم بقية اللجان التخصصية في البرلمان، هذا الخطاب حمل في طياته رسالة مزدوجة، دعم مبدئي للوزارة من حيث استمرار عملها، لكنه في الوقت نفسه وضعها تحت رقابة سياسية مشددة، مع مطالبة واضحة بإجراءات ملموسة.

بالتوازي مع المسار البرلماني، تصاعد الخطاب الإعلامي القريب من التيار الأصولي، حيث نشرت بعض المنصات مقالات تحذيرية تتساءل عن أسباب جرأة العدو في هذه المرحلة، وتدعو إلى اليقظة وعدم التراخي. هذا المناخ الإعلامي زاد من الضغط السياسي على وزير العلوم، إذ بات مطالبًا بإقناع الرأي العام المحافظ بأن الوضع تحت السيطرة، وأن الوزارة قادرة على ضبط الإيقاع داخل الجامعات دون السماح بانزلاقها إلى الفوضى.

نقد للاستجواب ودعوة إلى رفع سقف التحمل
في مقابل هذا الهجوم البرلماني، برزت أصوات دعت إلى مقاربة أكثر هدوءا، من بينها البرلماني السابق محمود صادقي، والذي تساءل عن العلاقة المباشرة بين الأحداث الأخيرة ووزير العلوم، قائلا “لا أعلم ما علاقة الوقائع الأخيرة بوزير العلوم، هل يتوقعون أن يصدر الوزير أمرا بإغلاق الجامعات أو بالقمع؟ وهل أثبتت مثل هذه الحلول في الماضي جدواها أم أنها أدت إلى مزيد من التوتر؟”.
واعتبر صادقي أن الاستجواب لأسباب كهذه يعكس نوعا من قصر النظر، وإن كان أقر بحق النواب في المساءلة. وأوضح أن الجامعة جزء من المجتمع، وأن ما يحدث فيها يعكس الاحتقان العام في البلاد، لا سياسات وزير بعينه، وأضاف أن الاحتجاجات جاءت نتيجة تراكم مشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية لم تحل، وأن انفجارها في هذه المرحلة كان متوقعا.

كما دعا صادقي إلى تجنب استخدام تعابير تزيد الجرح، مؤكدا أن حساسية المرحلة تفرض على المسؤولين التحلي بالحذر في خطابهم. وشدد على ضرورة الاعتراف بحق الاحتجاج في إطار القانون، ورفع مستوى التحمل داخل المؤسسات الجامعية. وحذر من أن أي مقاربة أمنية مفرطة قد تؤدي إلى اتساع رقعة الاحتجاجات بدلًا من احتوائها.
وختم صادقي بالإشارة إلى أن المشكلة أعمق من شخص الوزير، وأنها تتعلق ببنية الحوكمة وتداخل الصلاحيات، وتساءل عن مدى حرية حركة الوزراء أنفسهم في ظل وجود مراكز قرار متعددة، معتبرا أن تحميل وزير العلوم المسؤولية الكاملة عن المشهد الجامعي تبسيط مخل للواقع. وبذلك، يعكس الجدل الدائر حول الوزير صورة أوسع لصراع سياسي حول كيفية إدارة الجامعة في لحظة وطنية دقيقة، تتقاطع فيها اعتبارات الأمن، والحرية الأكاديمية، والرموز الوطنية، وضغوط البرلمان.
