- زاد إيران - المحرر
- 673 Views
كتب: الترجمان
تشهد الساحة الدينية والإعلامية في إيران خلال الأيام الأخيرة موجة جدل واسعة عقب تصريحات أدلى بها رجل الدين عبد الرحيم سليماني الأردستاني في إحدى المناظرات الدينية، وما تبعها من ردود أفعال سياسية ودينية وصلت إلى حد إصدار فتوى مثيرة للجدل من رجل الدين سنجري الأراكي.
وبينما بدأ الجدل من تفسير حادثة تاريخية تتعلق بالسيدة فاطمة الزهراء ، سرعان ما امتدّ ليشمل قضايا أكبر تتعلق بالخطاب الديني ووحدة الأمة وموقع المؤسسة العلمية في المجتمع الإيراني.
خاتمي ينتقد التصعيد ويسأل: لماذا الآن؟
بحسب ما نقله السياسي الإصلاحي محمد علي أبطحي، اجتمع الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي هذا الأسبوع بعدد من رجال الدين التنويريين. وفي الاجتماع، عبّر خاتمي عن استيائه من الأسلوب الذي طرح به سليماني الأردستاني رؤيته حول أحداث ما بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وما نسبه إلى مقدسات الشيعة.
ووفقا لأبطحي، تساءل خاتمي عن أسباب إثارة مثل هذه القضايا الحساسة في توقيت يمر فيه البلد بتوترات اجتماعية وسياسية، محذرا من أن الخطاب المتشنج لا يخدم “التنوير الديني” الذي تسعى إليه بعض الأصوات الإصلاحية.
أبطحي كشف أيضا أن حتى بعض المقربين من الأردستاني رأوا أن تصريحاته قد تضر بجهود ترسيخ منهج بحثي هادئ داخل الحوزات العلمية، خصوصا أن الخطاب الديني بات في السنوات الأخيرة عرضة للتسييس والمزايدات الطائفية.

فتوى الأراكي: مناقشة عقائدية تتحول إلى أزمة طائفية
لم يتوقف الجدل عند هذه المرحلة؛ إذ أثارت فتوى أصدرها رجل الدين سنجري الأراكي موجة انتقادات جديدة. فقد أفتى الأراكي بأن من ينكر شهادة السيدة فاطمة الزهراء وفضائلها وولايتها “خارج عن أصول مذهب أهل البيت، ويصدق عليه حكم الكفر أو الخروج من الدين”.
هذه الفتوى فتحت بابا واسعا للانتقادات داخل الأوساط العلمية، إذ يرى معارضوها أنها تؤدي منطقيا إلى تكفير الغالبية العظمى من المسلمين الذين لا يتبنون أصول التشيع الخمسة.
ويرى هؤلاء أن موقف الأراكي يتعارض مع الخطاب الرسمي لإيران الداعي إلى الوحدة الإسلامية، ويضع المؤسسة الدينية أمام إشكالية تصاعد لغة “تحديد الإيمان والكفر” في مسائل تاريخية قابلة للاجتهاد.
كما لفت الباحثون إلى التناقض الواضح بين الفتوى الجديدة وبين ممارسات رسمية سابقة، إذ وردت كلمة «وفاة» في التقويم الإيراني الرسمي لمدة عشرين عاما قبل أن تُستبدل بكلمة «شهادة» خلال فترة رئاسة محمد خاتمي، بناء على طلب رجل الدين وحيد الخراساني.
حتى خطب الإمام الخميني نفسه لم تُدرج توصيفا واحدا ثابتا، بل جاءت فيها عبارة «الوفاة والشهادة» معا، ما يجعل من الصعب اعتبار الرواية التاريخية جزءا من “أصول المذهب”.
البحث التاريخي: روايتان مختلفتان وقراءات متعددة
يشير محللون إلى أن الجدل لا يتعلق فقط بالجانب العقدي، بل أيضا بمنهج قراءة التاريخ. فهناك من يستخدم كلمة «وفاة» استنادًا إلى تحليل فني–طبي للفترة الزمنية بين أحداث السقيفة ورحيل السيدة فاطمة، والتي تتراوح بين 70 و90 يوما. ويرى هؤلاء أن الأحداث التي جرت بعد وفاة الرسول كانت مؤلمة لكنها ليست بالضرورة سببا مباشرا لوفاتها.
هذه القراءة تاريخية في جوهرها، لكن إثارتها في الفضاء العام الإيراني جعلتها تأخذ طابعا سياسيا، في ظل حساسيات طائفية متصاعدة بالمنطقة.
الأردستاني يفتح جبهة أخرى: قضية شهادة الإمام الجواد
لم يتوقف الجدل عند موضوع السيدة الزهراء، إذ أعاد سليماني الأردستاني فتح ملف شهادة الإمام الجواد (عليه السلام) في مناظرته مع الشيخ حامد كاشاني، حيث طرح رواية مفادها أن سبب قتله كان “غيرة أمّ الفضل” من زواجه الثاني، معتبرًا أن هذا يلقي تساؤلات حول جدوى إقامة مراسم العزاء.
هذه الرواية اعتبرها باحثون “غير دقيقة” و “مخالفة للمصادر التاريخية”، وقدموا عدة أدلة على ذلك، أولا المجتمع العربي لم يعتبر تعدد الزوجات سببا للمشكلات وكان شائعا في ذلك العصر، ما يلغي فرضية الغيرة الزوجية كسبب للشهادة.
وثانيا، الزواج الثاني سبق الشهادة بعشر سنوات إذ تزوج الإمام من السيدة سمانة المغربية قبل نحو عقد من استشهاده، الأمر الذي يجعل الربط بين الزواج والقتل غير منطقي.
ثالثا، الروايات الراجحة تُحمّل العباسيين المسؤولية إذ تشير أغلب المصادر إلى أن الشهادة تمت إمّا بأمر مباشر من المعتصم العباسي، أو عبر أحد عماله، أو بواسطة أمّ الفضل نفسها لكن بتحريض سياسي من المعتصم وبعض الشخصيات العباسية.
وبالتالي، يندرج الحدث ضمن الصراع السياسي العباسي–العلوي وليس ضمن “خلاف أسري”.

الإعلام الإيراني ينقسم… وكيهان تتدخل
الصحافة الإيرانية بدورها دخلت على خط السجال، إذ خصصت صحيفة «كيهان» الأصولية مساحة واسعة لانتقاد تصريحات الأردستاني، معتبرة أن “طرح شبهات عقائدية مستفزة يخدم أعداء المذهب ويثير البلبلة بين الشباب”.
وفي المقابل، حذّر كتّاب إصلاحيون من “خطر توظيف التكفير داخل البيت الشيعي”، معتبرين أن الفتاوى المتشددة يمكن أن تُستخدم سياسيا ضد الخصوم، وتُضعف الحوار العلمي داخل الحوزة.
يرى مراقبون أن السجال الأخير كشف عن أزمة أعمق من مجرد خلاف فقهي؛ فهي تعكس صراعًا داخل المؤسسة الدينية حول حدود حرية البحث التاريخي، ومستقبل الخطاب الديني في المجال العام، والعلاقة بين المذهب والدولة، وكيفية التعامل مع التراث في مجتمع متحوّل.
وبرغم أن الأزمة اندلعت حول روايات تاريخية، فإن امتدادها إلى المجال السياسي والإعلامي يشير إلى أن النقاش الديني في إيران لم يعد شأنا حوزويا بحتا، بل قضية عامة تمس صورة الدولة وموقعها بين العالم الإسلامي.

