- زاد إيران - المحرر
- 58 Views
كتب: الترجمان
يأتي يوم 18 أبريل/نيسان في كل عام ليمثل نقطة ارتكاز جوهرية في التاريخ العسكري والسياسي الإيراني، إلا أن احتفالات هذا العام اكتسبت ثقلا استثنائيا بالنظر إلى حجم التحديات الإقليمية والدولية المحيطة. لم تكن رسالة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، مجرد برقية تهنئة بروتوكولية، بل جاءت كوثيقة سياسية وعسكرية متكاملة ترسم ملامح المرحلة المقبلة.
هذه المرحلة التي تتسم بالانتقال من استراتيجية الدفاع الساكن إلى “الردع الهجومي النشط”، وهو ما تجلى في نبرة الرسالة التي ربطت بين المنجزات التقنية وبين العقيدة الإيمانية الراسخة لمنتسبي الجيش. إن القراءة المتأنية لهذا الخطاب تكشف عن رغبة القيادة العليا في تثبيت مفهوم “الجيش الشعبي” الذي لا ينفصل عن تطلعات الأمة، مع التأكيد على أن القوة العسكرية هي الضمانة الوحيدة لسيادة القرار السياسي في وجه الضغوط الخارجية المستمرة.
الجيش الإيراني: من قيود التبعية إلى فضاء الاستقلال
ركز القائد الأعلى للقوات المسلحة في طيات رسالته على المقارنة التاريخية بين مرحلتين متناقضتين من حياة الجيش، معتبرا انتصار الثورة الإسلامية نقطة الفصل الجوهرية. إن هذه القراءة التاريخية ترى أن الجيش قبل الثورة كان يعيش “فترة الضعف المفروض”، حيث كانت قدراته وقراراته رهينة لإرادة القوى الدولية والخونة في الداخل، مما حوله إلى أداة لخدمة النظام الطاغوتي وليس لحماية الشعب.
وبحسب الرسالة، فإن العبقرية الحكيمة للإمام الخميني الراحل هي التي أعادت للجيش اعتباره من خلال تسمية هذا اليوم بـ”يوم الجيش”، فاتحة المجال أمام تحوله إلى مؤسسة تنبع من قلب بيوت الناس وتستقر في أحضان الشعب. هذا التحول لم يكن شكليا، بل كان إعادة صياغة للهوية الوطنية العسكرية، حيث وقف الجيش منذ الأيام الأولى للثورة ضد المخططات الأمريكية ومحاولات التقسيم، مما أثبت أن ولاءه الأول والأخير هو للأرض والمبادئ، وليس لشخص أو نظام فاسد.

إرث المرشد الشهيد: مدرسة البناء والتطوير
تضمنت الرسالة لفتة وجدانية وعملية هامة من خلال الربط بين يوم الجيش وذكرى ميلاد المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، واصفة إياه بـ”فريد عصره”. هذا الجزء من الخطاب يسلط الضوء على الدور المحوري الذي لعبه المرشد الأعلى الراحل منذ العقد الأول للثورة في حماية كيان الجيش من الأصوات التي كانت تنادي بحله أو دمجه بشكل يضعف قدراته.
لقد كانت رؤية المرشد الراحل تعتمد على تحويل الجيش إلى قوة تقنية متطورة موازية لقوته الإيمانية، وهو ما انعكس في برامج التطوير التي شملت كافة الصنوف. إن الإشارة إلى هذا الإرث تهدف إلى ترسيخ فكرة الاستمرارية في النهج، حيث أكد المرشد الأعلى مجتبى خامنئي أن خط الرقي والتقدم الذي بدأه المرشد الراحل يجب أن يستمر وتتضاعف وتيرته. هذه الاستمرارية هي التي منحت الجيش قدرته على الصمود أمام الحصار التقني والعسكري، محولةً التهديدات إلى فرص للإبداع والابتكار العسكري الذاتي.

سلاح المسيرات والقوة البحرية: ذراع الردع الطولى
انتقلت الرسالة من التنظير التاريخي إلى التوصيف الميداني الدقيق للقدرات الحالية، حيث برزت قوة الطائرات المسيرة والقوات البحرية كأدوات حاسمة في معادلة الصراع. وصف القائد الأعلى للقوات المسلحة دخول المسيرات في المعركة بأنه يشبه “الصواعق” التي تنقض على المعتدين، في إشارة واضحة إلى النجاحات الميدانية التي حققتها هذه التكنولوجيا في شل حركة الخصوم.
ولم يكتفِ الخطاب بالاشادة بالماضي، بل وجه تحذيرا صريحا لمستقبل الأعداء، مؤكداً أن القوات البحرية الباسلة مستعدة تماما لتجريد الخصوم “مرارة هزائم جديدة”. هذا النوع من التصريحات يعكس الثقة العالية في القدرات التكتيكية واللوجستية للجيش، ويؤكد أن مياه إيران الإقليمية ومصالحها في أعالي البحار باتت محمية بقوة لا تتردد في المواجهة.
إن التركيز على هذين الصنفين تحديدا (المسيرات والبحرية) يشير إلى إدراك القيادة لطبيعة الحروب الحديثة التي تعتمد على التكنولوجيا المتفوقة والانتشار الجغرافي الواسع بعيداً عن الحدود التقليدية.
تجديد الولاء: الجيش تحت راية القيادة الجديدة
جاء رد أمير حاتمي، القائد العام للجيش، ليعكس حالة من التلاحم المطلق بين هيئة الأركان والقيادة العليا. في رسالة تهنئته للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي، استخدم حاتمي لغة مفعمة بالولاء، واصفا توجيهات مجتبى خامنئي بأنها “نور الهداية” ومنبع للروح المعنوية المضاعفة للمقاتلين.
وأكد حاتمي أن قوات الجيش بكافة صنوفها الأربعة (البرية، والجوية، والبحرية، والدفاع الجوي) تعيش حالة من الجهوزية القصوى، واصفا إياهم بـ”فدائيي الإسلام وإيران”. اللافت في رد القائد العام للجيش هو استحضاره لنهج الإمام الخميني والإمام الخامنئي الشهيد، معتبرا أن الرسالة الحالية هي امتداد لذاك الفكر العظيم.
هذا الرد يقطع الطريق أمام أي محاولات للتشكيك في وحدة الصف العسكري، مؤكداً أن أبناء الجيش “أعينهم في أعين العدو، وأيديهم على الزناد”، بانتظار الأوامر النهائية للذود عن استقلال البلاد ونظام الجمهورية الإسلامية.

وحدة السلاح: التلاحم بين الجيش والحرس الثوري
لم تقتصر أصداء التهنئة على مؤسسة الجيش فحسب، بل امتدت لتشمل الحرس الثوري، مما يبرز مفهوم “الجيش الموحد” في إيران. في بيان صادر عن “فيلق الإمام الرضا” التابع للحرس الثوري، تم التأكيد على أن التنسيق والتآزر بين الجيش والحرس هما الضمانة الكبرى للأمن القومي الإيراني.
البيان شدد على أن هذه الوحدة هي التي تثير الرعب في قلوب الأعداء وتجعلهم يترددون في ارتكاب أي حماقة تجاه الوطن. ومن خلال استحضار ذكرى الشهداء المشتركين، يرسخ الحرس الثوري فكرة أن الدماء الإيرانية تتوحد في خندق الدفاع بغض النظر عن لون الزي العسكري.
إن هذا التكامل الوظيفي، حيث يتولى الجيش حماية الحدود والسيادة التقليدية بينما يركز الحرس على المهام الاستراتيجية وحماية الثورة، يخلق منظومة دفاعية متعددة الطبقات يصعب اختراقها، وهو ما وصفه البيان بـ”العامل الأقوى للردع”.

شهداء القادة: منارات في طريق السيادة
أولت رسالة المرشد الأعلى اهتماما خاصا بذكرى القادة العظام الذين تعاقبوا على قيادة الجيش خلال العقود الخمسة الماضية، معتبرة إياهم دروسا ملهمة للأجيال الصاعدة. قائمة الأسماء التي تضمنتها الرسالة، من قرني وفلاحي ونامجو وفكوري وستاري وصياد شيرازي، وصولا إلى الشهداء المعاصرين مثل عبد الرحيم موسوي وعزيز نصير زادة، لم تكن مجرد سرد تاريخي، بل هي تأكيد على أن منصب القيادة في الجيش هو مشروع استشهاد قبل أن يكون منصباً إدارياً.
هذه الشخصيات، بحسب المرشد الأعلى، هي التي نحتت الصخر لتحويل الجيش من مؤسسة مستهلكة للسلاح الغربي إلى مؤسسة منتجة للتكنولوجيا العسكرية المعقدة. إن تكريم هؤلاء الشهداء والثناء عليهم يهدف إلى غرس عقيدة التضحية في نفوس الضباط والجنود الشباب، والتأكيد على أن طريق المجد العسكري في إيران يمر دائماً عبر بوابة الإخلاص والارتباط العميق بالمبادئ الدينية والوطنية.
نحو آفاق جديدة من الاقتدار
ختاما، يمكن القول إن الرسائل المتبادلة في يوم الجيش لعام 2026 تؤسس لمرحلة جديدة من القوة العسكرية الإيرانية تحت قيادة المرشد الأعلى مجتبى حسيني خامنئي. إن الوعد بإصدار “التدابير اللازمة في أفق قريب” لتحقيق قفزة مضاعفة في القدرات، يشير إلى أن المؤسسة العسكرية مقبلة على ثورة في التسلح والتدريب تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والصواريخ الدقيقة، والقدرات السيبرانية.
الجيش الإيراني اليوم، كما ظهر في هذه النصوص، لم يعد يكتفي بالدفاع عن الحدود الجغرافية، بل بات ينظر إلى نفسه كقوة إقليمية كبرى قادرة على مواجهة “رأس جبهة الكفر والاستكبار” في أي نقطة تماس.
إن مزيج الإيمان بالحق الشعبي، والاعتزاز بالإرث القيادي، والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة، هو ما يصيغ اليوم ملامح “البنيان المرصوص” الذي تحدثت عنه القيادة العليا، مؤكدة أن أمن إيران واستقلالها هما خطان أحمران يحميهما جيش لا يعرف الهزيمة، وشعب لا ينضب عطاؤه.

