- زاد إيران - المحرر
- 214 Views
لم يعد الجدل الدائر في إيران حول الاتفاق المرتقب مع الولايات المتحدة مجرد نقاش تقليدي بين الأصوليين والإصلاحيين، كما كان الحال خلال مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015، بل تحول إلى خلاف داخلي متصاعد داخل التيار الأصولي نفسه، الذي بات يشهد تباينا واضحا في مقاربته لملف التفاوض، وحدود الانفتاح على واشنطن، وكيفية إدارة مرحلة ما بعد الحرب الأخيرة. فبينما يتمسك تيار متشدد برفض أي مرونة في التعامل مع الولايات المتحدة، برزت في المقابل أصوات محسوبة على المعسكر الأصولي تدعو إلى استثمار الظرف الحالي وعدم إهدار ما تصفه بالفرصة التاريخية، معتبرة أن المفاوضات أصبحت ضرورة سياسية واقتصادية وأمنية، وأن الخطر الأكبر لم يعد في الحوار مع واشنطن، وإنما في الانقسامات الداخلية التي قد تؤدي إلى إفشال أي تفاهم محتمل.
وفي هذا السياق، عكست المقالات الأخيرة التي نشرتها صحيفة جمهوري إسلامي جانبا من هذا التحول في الخطاب الأصولي، فيما كشفت السجالات الإعلامية والبرلمانية عن انقسام متزايد داخل التيار نفسه حول مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، وهو ما جعل ملف التفاوض أحد أبرز عناوين الصراع السياسي داخل النظام الإيراني.
دعوات لاغتنام الفرصة التاريخية وعدم إسقاط الاتفاق من الداخل
برز هذا الاتجاه بصورة واضحة في المقال الأخير للصحيفة، والذي نشر بتاريخ 27 يونيو/ حزيران 2026، الذي حمل عنوان “لا ينبغي أن نفشل الاتفاق… يجب ألا تضيع هذه الفرصة التاريخية”، والذي قدم رؤية سياسية تدعو إلى التعامل مع الاتفاق المرتقب بوصفه فرصة ينبغي استثمارها، وليس معركة جديدة داخل الساحة الإيرانية.

وينطلق هذا الطرح من أن توقف الحرب الأخيرة خلق واقعا سياسيا جديدا يختلف عن المراحل السابقة، وأن استمرار الصراع لا يعني بالضرورة استمرار القطيعة الدبلوماسية. فبحسب هذا المنظور، قد لا ينهي الاتفاق حالة العداء بين إيران والولايات المتحدة، لكنه يمكن أن يفتح مرحلة جديدة على مستوى الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية، إذا ما توافرت الإرادة الداخلية لحمايته.
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن أخطر ما يواجه الاتفاق ليس الموقف الأمريكي، وإنما احتمال سقوطه نتيجة الانقسامات داخل إيران، ولذلك يركزون على ضرورة بناء إجماع سياسي ومؤسساتي حول أي تفاهم يتم التوصل إليه. ويشيرون إلى أن المرحلة الحالية تشهد، لأول مرة منذ سنوات، درجة من التقارب بين مؤسسات الدولة المختلفة، بما في ذلك المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية، بشأن ضرورة خفض التوترات، وهو ما ينبغي الحفاظ عليه بدل تحويله إلى ساحة جديدة للصراعات الداخلية.

كما يحتل البعد الاقتصادي مساحة واسعة في هذا الطرح، إذ يجري التعامل مع الاتفاق باعتباره مدخلا لمعالجة الأزمات الاقتصادية المتراكمة، من خلال استعادة الأموال الإيرانية المجمدة، وتخفيف الضغوط الناجمة عن العقوبات، وتحريك عجلة الاستثمار، والحد من التضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية. ومن هذا المنطلق، لم يعد الاتفاق يقدم باعتباره خيارا سياسيا فحسب، وإنما بوصفه ضرورة اقتصادية ترتبط مباشرة بالأوضاع المعيشية للإيرانيين.
ويذهب هذا الاتجاه إلى أبعد من ذلك حين يؤكد أن أي اتفاق مستدام مع الولايات المتحدة لا يمكن أن يقوم على تجاهل مصالح الطرف الآخر، إذ إن نجاح المفاوضات يتطلب إدراك أن لكل طرف حساباته الاقتصادية والسياسية، وأن مهمة الدبلوماسية الإيرانية تتمثل في تعظيم المكاسب الوطنية ضمن هذه المعادلة، لا في رفضها من الأساس.

وفي المقابل، يحذر هذا الخطاب من تكرار تجربة الاتفاق النووي، ليس من زاوية عدم الثقة بواشنطن فقط، وإنما أيضا من زاوية الخلافات الداخلية التي صاحبت تنفيذ الاتفاق وأضعفت قدرة طهران على استثمار نتائجه. ولذلك تتكرر الدعوة إلى أن تتحمل جميع مؤسسات الدولة مسؤولية تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه، لأن تعدد المواقف والتراجع عن الالتزامات يضر بمصداقية الدولة ويبدد المكاسب السياسية والاقتصادية الممكنة.
ويعكس هذا الطرح تحولا ملحوظا في جزء من الخطاب، الذي لم يعد يناقش شرعية التفاوض في حد ذاته، بل يركز على كيفية حماية نتائجه من الانقسامات الداخلية.
الجمهورية الإسلامية… تبن صريح لخطاب أصولي جديد تجاه التفاوض
لم تكتف صحيفة جمهوري إسلامي الدفاع عن الاتفاق المحتمل مع الولايات المتحدة، بل ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، عبر تبني خطاب سياسي يسعى إلى إعادة صياغة النظرة التقليدية إلى التفاوض داخل التيار الأصولي. فبعد سنوات طويلة كان فيها الحديث عن الحوار مع واشنطن يقدم في الخطاب المحافظ باعتباره مرادفا للتراجع أو تقديم التنازلات، سعت الصحيفة إلى تفكيك هذه المقاربة، وتقديم التفاوض باعتباره أداة من أدوات القوة السياسية، وليس تعبيرا عن الضعف.
وقد ظهر هذا التوجه بوضوح في افتتاحيتها التي حملت عنوان “لنبتعد عن تحويل المفاوضات إلى تابو”، حيث دعت إلى إنهاء حالة التحريم السياسي التي أحاطت بملف التفاوض داخل الأوساط الأصولية. واعتبرت الصحيفة أن رفض الحوار مع الولايات المتحدة بوصفه مبدأ ثابتا لم يعد يتناسب مع طبيعة المرحلة الحالية، مؤكدة أن المفاوضات ليست وسيلة لبناء الثقة مع واشنطن، وإنما «ساحة من ساحات المعركة لانتزاع الحقوق من العدو وإحباطه». وبهذا الطرح، حاولت الصحيفة أن تقدم الدبلوماسية باعتبارها امتدادا لأدوات القوة العسكرية والسياسية، لا بديلا عنها.

كما سعت الصحيفة إلى تأصيل هذا المفهوم داخل الأدبيات الأصولية، عندما أكدت أن التفاوض لا يقتصر على فترات التهدئة، بل يمكن أن يكون جزءا من إدارة الصراع حتى في أوقات الحرب، بوصفه أحد خطوط المواجهة مع الخصم. ووفقا لهذا التصور، فإن اللجوء إلى المفاوضات لا يعكس تخليا عن نهج المقاومة، وإنما يمثل وسيلة سياسية لاستثمار عناصر القوة التي تمتلكها الدولة وتحويلها إلى مكاسب على طاولة التفاوض.
ولتعزيز هذا الطرح، ربطت الصحيفة بين التفاوض والظروف التي أعقبت الحرب الأخيرة، معتبرة أن إيران تدخل أي مفاوضات جديدة من موقع يختلف عن السابق، بعدما عززت، وفق رؤيتها، مكانتها العسكرية والإقليمية. ومن ثم، فإن الحوار مع الولايات المتحدة لا يقدم بوصفه استجابة لضغوط خارجية، بل باعتباره فرصة لتوظيف موازين القوى الجديدة في تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وهو ما يفسر تأكيدها أن رفض المفاوضات بصورة مطلقة يعني التخلي عن إحدى أدوات إدارة الصراع، وليس التمسك بالمبادئ الثورية.
ولم يقتصر التغيير في خطاب الصحيفة على الدفاع عن التفاوض، بل امتد إلى انتقاد البيئة السياسية التي قد تعرقل نجاحه. ففي افتتاحية أخرى بعنوان “يا ويلنا من إسلامنا”، وجهت الصحيفة انتقادات غير مسبوقة لحالة الاستقطاب داخل التيار الأصولي، معتبرة أن الانشغال بالخلافات الداخلية وحملات التخوين وتبادل الاتهامات بات يستهلك طاقات النظام أكثر مما يخدمه. وذهبت إلى القول إن الإيرانيين “تركوا عداوة الولايات المتحدة وإسرائيل، وأصبحوا يتخاصمون فيما بينهم”، في رسالة واضحة تدعو إلى توجيه الجهد السياسي نحو مواجهة التحديات الخارجية بدل الانخراط في صراعات داخلية.

كما دعت الصحيفة إلى إعادة الاعتبار للأخلاق السياسية في إدارة الخلافات، مؤكدة أن الاختلاف حول المفاوضات لا ينبغي أن يتحول إلى تشكيك في الوطنية أو الولاء، أو إلى وسيلة لتصفية الحسابات بين أجنحة التيار الأصولي. ومن هذا المنطلق، لم تعد الصحيفة تكتفي بالدفاع عن خيار التفاوض، بل أصبحت تدافع أيضا عن ضرورة تهيئة مناخ سياسي داخلي يسمح بإنجاحه، عبر الحد من الاستقطاب وبناء توافق داخل مؤسسات الدولة.
وتكشف مجمل افتتاحيات الصحيفة خلال الفترة الأخيرة عن انتقالها من مجرد تأييد المفاوضات إلى تبني خطاب أصولي أكثر براجماتية، يقوم على التمييز بين الثوابت الأيديولوجية وآليات إدارتها، ويعتبر أن الحفاظ على مبادئ الثورة لا يتعارض مع استخدام الدبلوماسية لتحقيق المصالح الوطنية. وبهذا المعنى، تبدو الصحيفة وكأنها تسعى إلى إقناع جزء من التيار الأصولي بأن التفاوض لم يعد يمثل خروجا على الخطاب الثوري، بل أصبح، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، أحد أدواته.
التفاوض يكشف الانقسام داخل التيار الأصولي
في المقابل، كشفت الأسابيع الأخيرة أن هذا التحول لم يحظ بإجماع داخل المعسكر الأصولي، بل أدى إلى انقسام متزايد بين تياراته المختلفة، حتى بات ملف التفاوض أحد أبرز عناوين الصراع داخل التيار الأصولي نفسه.
وقد تجلت هذه الانقسامات في السجالات الإعلامية بين وسائل إعلام أصولية، وفي الخلافات البرلمانية، وفي التصريحات المتبادلة بين شخصيات أصولية بارزة بشأن الموقف من المفاوضات ودور الحكومة في إدارتها.

وأظهرت تقارير إعلامية إيرانية أن الخلاف لم يعد يقتصر على تقييم السياسة الخارجية، بل امتد إلى تفسير صلاحيات مؤسسات الدولة، وحدود دور القيادة، وآليات اتخاذ القرارات الاستراتيجية. كما برزت خلافات واضحة بين تيارات ترى أن الحكومة تتحرك ضمن التوجيهات العليا للدولة، وأخرى تتهمها بتقديم تنازلات غير مبررة.
وتحولت تصريحات النائب الأصولي كامران غضنفري، التي اتهم فيها الرئيس مسعود بزشكيان بالموافقة على وقف إطلاق النار دون موافقة القيادة، إلى نقطة فاصلة في هذا الجدل، بعدما أثارت موجة انتقادات من شخصيات محافظة بارزة، بينها عباس سليمي نمين وعبد الله كنجي، اللذان اعتبرا أن مثل هذه الاتهامات لا تسيء إلى الحكومة فحسب، بل تمس أيضا بصورة مؤسسات الدولة وآليات اتخاذ القرار فيها.
وفي الاتجاه ذاته، تناول رئيس تحرير صحيفة كيهان، حسين شريعتمداري، هذا الجدل من زاوية مختلفة، فانتقد تيارين داخل المعسكر الأصولي؛ أحدهما يصور القيادة وكأنها فرضت عليها سياسات لا تريدها، والآخر ينسب كل قرارات المسؤولين إلى تنسيق كامل مع القيادة، معتبرا أن كلا الموقفين ينتهي، وإن بصورة غير مباشرة، إلى الإساءة لمكانة المرشد.

كما سلطت تقارير أخرى الضوء على اتساع رقعة الخلافات داخل الأوساط الأصولية، بدءا من السجال بين وسائل إعلام محسوبة على التيار الأصولي، مرورا بالخلافات داخل البرلمان حول إدارة محمد باقر قاليباف، ووصولا إلى الجدل الذي أعقب رسالة المرشد الأعلى التي دعا فيها إلى تجنب الخلافات السياسية، وهي الرسالة التي اعتبرها كثير من المراقبين محاولة لاحتواء التوتر المتصاعد داخل المعسكر الأصولي.
وتشير هذه التطورات إلى أن النقاش لم يعد يدور حول مبدأ التفاوض مع الولايات المتحدة بقدر ما أصبح يدور حول كيفية إدارة المرحلة الجديدة التي فرضتها الحرب، وحدود البراغماتية المقبولة داخل الخطاب الأصولي، ومدى قدرة النظام على الجمع بين الحفاظ على ثوابته الأيديولوجية والاستجابة لمتطلبات الواقع السياسي والاقتصادي.
في الأخير يبدو أن ملف الاتفاق الإيراني الأمريكي تجاوز كونه قضية مرتبطة بالعلاقات الخارجية، ليصبح اختبارا لتوازنات الداخل الإيراني نفسها. فالدعوات المتزايدة إلى عدم إضاعة فرصة الاتفاق تعكس إدراكا متناميا لدى جزء من النخبة الأصولية بأن الضغوط الاقتصادية والسياسية تفرض مقاربة أكثر مرونة، بينما يرى التيار الأكثر تشددا أن أي انفتاح على واشنطن ينطوي على مخاطر استراتيجية لا يمكن تجاهلها. وبين هذين الاتجاهين، تبدو القيادة الإيرانية حريصة على منع تحول الخلاف حول التفاوض إلى انقسام سياسي أوسع قد يؤثر في تماسك التيار الأصولي، وفي قدرة النظام على إدارة واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ سنوات.

