- زاد إيران - المحرر
- 220 Views
كتب الترجمان
شهدت منابر صلاة الجمعة 26 يونيو/حزيران 2026، في مختلف المدن والحواضر الإيرانية، حراكا سياسيا وفكريا استثنائيا شكّل امتدادا جغرافيا وعقديا للتحولات الكبرى التي تعيشها البلاد. وجاءت خطب هذا الأسبوع لتضع “محددات الأمن الاستراتيجي” في صيغتها الجديدة عقب التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة، وفي مقدمتها صدور الموقف القيادي الحاسم للمرشد الأعلى بشأن التفاهم الأخير والهدنة المؤقتة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وتزامنت هذه الخطب مع حلول الأيام الأولى من شهر محرم، لتستلهم المؤسسة الدينية والسياسية من مدرسة عاشوراء ونموذج السيدة زينب التاريخي محركات للتعبئة العامة، وتأطير السياسة الخارجية، وضبط إيقاع الجبهة الداخلية ضد محاولات الاختراق التركيبي.
هندسة التفاهم المشروط وإدارة الاختلاف من منبر العاصمة طهران
من على منبر العاصمة “طهران”، قدم الخطيب المؤقت محمد جواد حاج علي أكبري قراءة بنيوية استراتيجية ركزت على رسم ملامح التعامل مع العدو التاريخي في ظل التفاهم الأخير. وأكد الخطيب أن التجارب التاريخية الطويلة أثبتت بالدليل القاطع أن الولايات المتحدة تتحرك دائماً في مسار بديهي من بد عهود ونقض الاتفاقات، مما يفرض على الفريق المفاوض أعلى درجات اليقظة.
ووجه خطيب طهران أربعة مطالبات حاسمة لجهاز القضاء تتعلق بصون العزة والأمن القومي، مشددا على ضرورة الضرب بيد من حديد على أيدي الجواسيس، وعناصر النفوذ، والأشرار، ومعالجة ملفاتهم بسرعات قياسية وقاطعة مع توفير الشفافية الإعلامية اللازمة لقطع الطريق على آلة الحرب النفسية المعادية.
وفي المقابل، رسم الخطيب ملامح إدارة الحراك الداخلي مبينا أن التفاهم الذي تمت هندسته ليس صكا على بياض، بل هو مناورة محكومة بالخطوط الحمراء للقيادة. وانتقد علي أكبري بشدة جبهات الاحتكار والمضاربة الاقتصادية، معتبرا أن غلاء الأسعار المتعمد واحتجاز معيشة المواطنين رهينة في ظروف المواجهة يعد تضييعا سافرا لحقوق الناس يرقى إلى مصاف الخيانة الوطنية، وهو ما يستدعي مصادرة الأموال غير المشروعة وإعادتها فورا إلى بيت المال لتثبيت الأمن المجتمعي.

معادلة الأيام الستين وفرز خنادق النقد في “كهكيلويه وبوير أحمد”
وفي غرب البلاد، وتحديدا في محافظات “كهكيلويه وبوير أحمد”، فكك الخطباء الأبعاد الإجرائية للتفاهم الأخير المشروط الذي أفضى إلى هدنة وتوقف للمعارك مدته ستون يوما. ومن على منبر “دهدشت”، انتقد الخطيب علي وحداني فر حالة الاستقطاب الحاد في الشارع الإيراني، مقسماً إياها بين فئة تندفع لاتهام المفاوضين بالخيانة وفئة أخرى تبدي بروداً استراتيجياً لا يدرك دقة المرحلة.
وأوضح الخطيب أن التفاهم المكون من أربعة عشر بندا يمثل إطارا كليا تجري المفاوضات على تفاصيله الدقيقة، محذرا من أن العدو يسعى عبر هذه الهدنة إلى تحقيق ثلاثة أهداف خبيثة تتمثل في خفض منسوب التسامح الشعبي، وتخريب الوحدة الوطنية، وإيقاع المسؤولين في خطأ قاتل.

ومن جهته، اعتبر خطيب “سرفاریاب” زارعي بور أن البيان والرسالة الأخيرة الصادرة عن المرشد الأعلى تمثل منشورا حكوميا متكاملا ودرسا للدبلوماسية الثورية الذكية التي تحسن مناورة العدو دون التفريط بالأصول. وأكد أن هذا الموقف القيادي يدير الاختلافات الداخلية بعبقرية تحمي المصالح العليا وتمنع تشتت الصف، محذراً المؤسسات التنفيذية والقضائية من مغبة إبداء أي مرونة أو مداراة مع الفاسدين الذين يقوضون مبدأ العدالة الاجتماعية ويمهدون للاختراق الثقافي والمعيشي.

صدمة “تاسوعاء” ومطالب الشوارع الحضرية في كاشان
ومن مصلّى مدينة “کاشان” بإقليم أصفهان، جرى المزج بين العرفان التاريخي ومتطلبات المقاومة المدنية المعاصرة. حيث انطلق الخطيب سعيد حسيني من رواية الإمام جعفرالصادق ليوضح أبعاد يوم “تاسوعاء” باعتباره يوم الحصار الجغرافي والعسكري المطلق لسبط الرسول، وحين استيقن معسكر البغي انقطاع المدد البشري عن الحسين من جهة العراق، ليمسي هذا اليوم رمزا للغربة الكربلائية الحزينة. وأسقط الخطيب هذا المفهوم على الواقع المعاصر معتبرا أن تضامن الشعب مع قيم الولاية يتطلب صمودا يرفض الإملاءات الغربية والحصار الاقتصادي المفروض على الجمهورية الإسلامية.
وفي سياق المطالب الميدانية المباشرة، وبحضور نائب محافظ أصفهان، رفع منبر كاشان أربعة مطالبات شعبية غير قابلة للتأجيل، وجاء في مقدمتها الإصرار الشديد على استمرار المسيرات والتجمعات الليلية الحاشدة في الشوارع طيلة شهري محرم وصفر تنفيذا لإرشادات قائد الثورة الإسلامية علي خامنئي. كما طالب الخطيب بعودة آليات الضبط الأخلاقي والشرعي الصارمة في ملف “الحجاب” بذات الزخم الإداري الناجح الذي ساد قبل اندلاع الحرب الأخيرة ذات الاثني عشر يوما، داعيا الأجهزة التنفيذية لإطلاق “قوافل الخدمة الشاملة” لحل مشكلات المدن والقرى ميدانياً، مع تشديد الرقابة على الأسواق عبر الاستعانة بـ “تعبئة الأصناف” لمواجهة الاحتكار والارتفاع غير المبرر للأسعار.
سلاح الردع ونفي فرضية الجوع من منبر أصفهان
وفي ذات الإطار التعبوي بأصفهان، وجه الخطيب سعيد حسيني تحذيرات نارية عابرة للحدود استهدفت التصريحات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة بشأن جبهة لبنان. وأكد الخطيب بكل حزم أن الولايات المتحدة لا تملك أي أهلية قانونية أو سياسية للتحدث عن شروط السلام والاتفاقات طالما أن شبرا واحدا من أرض لبنان يرزح تحت الاحتلال. وشدد على أن تلميحات الغرب حول إمكانية نزع سلاح حزب الله هي محض أوهام صبيانية، مبيناً أن الكيان الصهيوني سينسحب من جنوب لبنان ذليلاً صاغراً تحت ضربات المقاومة إذا لم يختر التراجع الطوعي فوراً.
ووجه خطيب كاشان عتبا شديد اللهجة لبعض المسؤولين الحكوميين في الداخل الإيراني، مطالبا إياهم باعتماد لغة سياسية ودبلوماسية متينة وعزيمة تعكس عظمة واقتدار الدولة وتتطابق مع سيرة الإمام الراحل والشهداء. وانتقد الخطيب بشدة استخدام أي مفردات أو أدبيات توحي بأن الشعب الإيراني يعاني من “الجوع” أو الضعف تحت وطأة العقوبات، واصفاً هذا الأسلوب بأنه تراجع مجاني، مؤكداً أن طهران لن تتخلى أبداً عن عهدها الاستراتيجي في الثأر لدماء قادة ومحور المقاومة الأبرار، سواء نجحت المسارات الدبلوماسية أم تعثرت.

الأطروحة الزينبية وتفكيك الهجمات الهوياتية في زنجان ویزد
وفي إقليم كيلان والحواضر الوسطى، تركز الخطاب الديني على تقديم السيدة زينب كأطروحة حضارية ونموذج تمدني متكامل لإنقاذ المرأة المسلمة والنخب الثقافية من مستنقع الهوية الغربية. فمن على منبر “زنجان”، أكد مصطفى حسيني أن واقعة عاشوراء ليست مجرد حدث غابر في التاريخ، بل هي هندسة حياة متكاملة صاغت معالمها عقيلة بني هاشم التي أثبتت تاريخيا أن المرأة المسلمة ليست عنصرا منزويا، بل هي قائدة استراتيجية ومديرة اضطرابات في أحلك الظروف. ودعا الخطيب وسائل الإعلام والفنانين إلى إحياء هذا الفكر الزينبي عالميا لمواجهة الاستخدام الأدواتي المبتذل للمرأة في الثقافة الغربية.
وعلى الصعيد السياسي، أشار خطيب زنجان إلى أن حضور الجماهير في الميادين هو إعلان مبايعة متجدد لخط المقاومة والاستقامة والاتحاد، موضحاً أنه لا يمكن في الوقت الراهن إصدار حكم فقهي قطعي بالوجوب أو التحريم المطلق للتفاهم مع واشنطن، بل إن المعيار يكمن في مدى التزام المسؤولين بشروط المرشد الأعلى وتحقيق نتائج ملموسة، محذراً من أي تخط متهور لتلك الشروط. وفي إطار الخدمة الداخلية، دعا الخطيب إلى ثورة قضائية وهيكلية تشمل تطوير المحاكم وتحديث القوانين، لافتاً إلى أن امتلاك إيران لسبعة بالمئة من الاحتياطي المعدني العالمي يستوجب قفزة صناعية كبرى تعزز الاكتفاء الذاتي في هذه المرحلة الدقيقة.

وفي ذات السياق الحضاري، ومن منبر “يزد”، شدد محمد رضا ناصري على الدور المصيري للسيدة زينب في تخليد الثورة الحسينية وتفكيك الدعاية الأموية، مستشهدا بكلماتها التاريخية الخالدة في وجه الطغاة “فكد كيدك.. فوالله لن تمحو ذكرنا”. ونبّه ناصري إلى خطورة الفضاء الإعلامي الدولي المعقد الذي يدير حربا تركيبية تهدف لبث التفرقة وتدجين العقول، مستشهداً بتفسير الإمام الصادق لآية “فلينظر الإنسان إلى طعامه” بأنها تشمل العلم والمعارف التي يتلقاها الإنسان؛ محذرا من استهلاك “الغذاء الروحي المسموم” الصادر عن المنصات الغربية والشيطانية.

وحدة الأمة وصيانة الموارد الطبيعية في روانسر وعسلویه
وفي المناطق الحدودية ومنابر أهل السنة، تجسدت معاني الوحدة الوطنية بوضوح من خلال التناغم بين البعدين الشرعي والبيئي. ففي مدينة “روانسر” بمحافظة كرمانشاه، أكد الحاج ملا محمد محمودي على قدسية شهر محرم الحرام باعتباره من الأشهر التي عظمها الله ورسوله وسماها “شهر الله”.
وبيّن الخطيب أن حب أهل بيت الرسول الأكرم يمثل أصلا عقائديا ثابتا وجامعا لدى مدرسة أهل السنة والجماعة، محذرا من أي سلوكيات أو دعوات تفرز الطائفية وتخدم أجندات الاستكبار. وضمن لفتة مجتمعية مسؤولة تزامن مع موسم الحصاد، وجه محمودی نداء حارا للمزارعين والمسافرين بضرورة حظر حرق بقايا المحاصيل الزراعية وحماية المراعي من الحرائق الناتجة عن موجات الحر، معتبرا صيانة البيئة وتنمية موارد الوطن جزءا لا يتجزأ من الأمانة الشرعية.

أما في قطب الطاقة “عسلویة”، فقد ربط الخطيب محمد محمدي بين الرسالة المعنوية لعاشوراء وبين جبهة الجهاد الاقتصادي التي تخوضها البلاد. وأوضح الخطيب أن مهار التضخم وضبط خطوط الأسعار وحفظ القدرة الشرائية للمواطنين يمثل خط الدفاع الأول والتماس المباشر في الحرب الاقتصادية المفروضة.
وأكد أن أي منجزات صناعية أو قفزات في الصادرات النفطية والتجارية لن تتحول إلى رأسمال اجتماعي صلب ما لم ينعكس أثرها بشكل ملموس على موائد الفقراء وعامة الجماهير. وأشاد منبر عسلویة بالمشاركة المليونية العارمة في عزاء العشر الأوائل من محرم، مؤكدا أن هذا الحماس الحسينى يجب أن يقترن بشعور واعٍ يدفع باتجاه صيانة المكتسبات الوطنية والالتفاف حول راية ولي الفقيه لمواجهة فتن الحصار والتجويع.

تكامل الخطاب الدبلوماسي والمجتمعي كاستراتيجية عليا
في الختام، يكشف الرصد التحليلي الشامل لمنابر الجمعة الإيرانية في هذا الأسبوع عن هندسة خطابية بالغة الدقة والتنسيق تدار بمستويات توجيهية عليا. حيث نجحت هذه المنابر في تقديم التفاهم الدولي الأخير مع الولايات المتحدة والهدنة المرتبطة به ليس كعلامة تراجع، بل كإجراء تكتيكي مشروط ومنضبط بخطوط القيادة الاستراتيجية ومحمي بخيارات الردع الميداني لمحور المقاومة.
وفي الوقت الذي تولت فيه المنابر المركزية في طهران والمدن الكبرى تفكيك أهداف الأعداء ووضع محددات اليقظة الأمنية، تكفلت المنابر الإقليمية ومنابر أهل السنة ببناء جدار حماية مجتمعي يركز على صيانة الهوية الثقافية والزينبية، وتفعيل قوافل الخدمة، ومحاربة جشع الاحتكار، بما يضمن صمود الجبهة الداخلية وتفويت الفرصة على أي خطأ محاسبي قد يستغله الخصوم في الحرب التركيبية الشاملة.

