بين دعم الحكومة وضوابط السيادة: جدل الـ 20 مليون برميل نفط يشعل الساحة الإيرانية

كتب: الترجمان

شهدت الساحة السياسية والإعلامية في إيران مؤخرا حالة من الجدل الواسع عقب تصريحات لافتة أدلى بها رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان بشأن تخصيص شحنة ضخمة من النفط لصالح القوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري الإيراني. هذه التصريحات لم تمر مرور الكرام، بل أحدثت ارتدادات فورية تجسدت في ردود فعل متباينة بين النفي الرسمي الصادر عن المتحدث باسم الحرس الثوري، والانتقادات الحادة التي وجهتها منصات دينية ومجتمعية. 

يعكس هذا السجال طبيعة العلاقة المعقدة بين مؤسسة الرئاسة التنفيذية والمؤسسات العسكرية والأمنية في البلاد، خاصة فيما يتعلق بآليات التمويل، وإدارة الأزمات، وحدود الشفافية في الطرح أمام الرأي العام الإيراني.

خلفية الأزمة: تصريحات بزشكيان تفتح باب التساؤلات

بدأت القضية عندما تحدث رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان علنا عن طبيعة الدعم المالي واللوجيستي الذي تقدمه الحكومة الإيرانية للقوات المسلحة. ووفقا للتقارير الإعلامية، أعلن بزشكيان أن الحكومة قامت بتسليم 20 مليون برميل من النفط المملوك للدولة إلى القوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري لتتمكن من تجهيز نفسها وتغطية نفقاتها العسكرية. 

وشدد الرئيس الإيراني في حديثه على أن المقاتلين والقوات المسلحة ما كان بمقدورهم الاستمرار في مواجهة التحديات العسكرية العنيفة في ساحات القتال لولا هذا الدعم المباشر، مشيرا إلى أن الحكومة قدمت أيضا العملة الصعبة المتاحة لديها لدعم هذه الجهود. 

بزشكيان أشار في سياق حديثه إلى المجلس الأعلى للأمن القومي باعتباره المظلة التي شهدت اتخاذ هذه القرارات الاستراتيجية بالإجماع وبموافقة كافة القادة العسكريين والأمنيين، مؤكدا على ضرورة الحفاظ على الوحدة والانسجام والابتعاد عن التفرقة والشعارات الجوفاء.

Image

الحرس الثوري يرد: “بعيد الاحتمال” ولا نمتلك الآلية

جاء الرد الرسمي من داخل المؤسسة العسكرية متحفظا في آن واحد؛ حيث علّق المتحدث باسم الحرس الثوري، حسين محبي، على تصريحات رئيس الجمهورية مبديا عدم علمه بتفاصيل هذه الواقعة. وفي تصريحات صحفية، أكد محبي أنه لا يمتلك أي معلومات تفيد بتسليم الحكومة 20 مليون برميل نفط للحرس الثوري من أجل الإنفاق على العمليات القتالية، بل ذهب إلى استبعاد صحة هذا الأمر مستندا إلى مبررات هيكلية. 

وأوضح المتحدث أن الحرس الثوري لا يمتلك بالأساس الآليات اللوجيستية أو الاقتصادية اللازمة للتعامل مع شحنات النفط الخام بهذا الحجم أو بيعها وتسييلها. ومع ذلك، حرص محبي على تأكيد القاعدة الاستراتيجية التي تحكم العلاقة بين الطرفين، مشيرا إلى أن واجب الحكومة الدستوري هو تأمين الميزانيات اللازمة للقوات المسلحة وتجهيزها بالأسلحة والمعدات، لا سيما في الأوقات التي تخوض فيها البلاد مواجهات ضد قوى كبرى.

Image

الغضب من فوق المنابر: نقد ديني واجتماعي حاد لأسلوب الرئيس

لم تقتصر ردود الفعل على المستويات السياسية والعسكرية الرسمية، بل امتدت لتصل إلى المنابر الدينية والاجتماعية المؤثرة في الشارع الإيراني. ومن أبرز المواقف المناهضة لتصريحات الرئيس، ما أطلقه المنشد الديني المعروف، رضا نريماني، خلال مراسم العزاء في ذكرى عاشوراء. 

وجه نريماني انتقادات لاذعة لأسلوب بزشكيان في الحديث أمام 90 مليون إيراني حول تسليم براميل النفط للقوات المسلحة لكي “تذهب وتحارب”. واعتبر نريماني أن هذا الطرح يحمل إهانة ضمنية لتاريخ وتضحيات القوة الجوفضائية، وتساءل مستنكرا عما إذا كان الحرس الثوري سيعجز عن الدفاع عن الوطن لو لم يتم منحه هذه الشحنة النفطية. 

وأضاف أن تمويل الجيش والشرطة والحرس الثوري هو واجب قانوني وتلقائي على عاتق الحكومة، وليس منة أو جِميلا يُذكر في المحافل العامة، مستذكرا التضحيات التاريخية لمؤسسين مثل القائد الراحل حسن طهراني مقدم والجهود الذاتية التي بذلتها هذه القوات للوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

Image

أبعاد التمويل العسكري ومأزق الشفافية في إيران

تطرح هذه الأزمة بوضوح معضلة مزمنة تتعلق بآليات تمويل المؤسسات الدفاعية في إيران وتأثيرها على الشفافية الاقتصادية والسياسية. فمن ناحية، تعاني الميزانية الرسمية للحكومة من ضغوط هائلة جراء العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على قطاعي المصارف والطاقة، مما يدفع صناع القرار في كثير من الأحيان إلى ابتكار حلول تمويلية بديلة خارج الأطر التقليدية للموازنة، مثل مقايضة النفط الخام مباشرة مقابل الخدمات أو التجهيزات العسكرية. 

غير أن الإعلان عن مثل هذه الصفقات الضخمة – التي تقدر بملايين البراميل – من قبل أعلى سلطة تنفيذية يضع الحكومة والمؤسسة العسكرية في موقف حرج أمام الرأي العام. فالجمهور يطالب بوضوح أكبر حول كيفية إدارة الموارد الوطنية، في حين تفضل المؤسسات الأمنية إبقاء هذه العمليات بعيدة عن التداول العلني لحمايتها من الملاحقة العقابية الدولية وللحفاظ على هيبتها السيادية.

Image

الخلاف حول المفاوضات الاستراتيجية وتماسك الجبهة الداخلية

خلف السجال الدائر حول براميل النفط، برزت في الأفق ملامح خلاف أعمق يتعلق بالتوجهات الإستراتيجية الخارجية للدولة الإيرانية، ولا سيما ملف المفاوضات والاتفاقيات الدولية. وفي هذا السياق، استغل نريماني منصته لتذكير الجمهور بمواقف المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي الرافضة للمفاوضات والاتفاقيات التي لا تضمن مصالح البلاد بالكامل، مشيراً إلى أن الرسائل الصادرة تؤكد أن الموقف بات ينحصر في مواجهة مباشرة بين الرئاسة الإيرانية والإدارة الأمريكية دون جدوى حقيقية من المسارات الدبلوماسية الضعيفة. 

هذا الربط بين الدعم المالي الداخلي والسياسة الخارجية يوضح كيف يرى التيار المحافظ في إيران أن الاعتماد على القدرات الذاتية العسكرية، مثل القوة الجوفضائية برئاسة قادة بارزين مثل مجيد موسوي، هو الضمانة الوحيدة للأمن القومي، وليس الرهان على تسويات سياسية مع الغرب. وتؤكد هذه الرؤية أن التماسك في الجبهة يجب أن يبنى على القوة الميدانية والاقتصاد المقاوم وليس على التنازلات.

آفاق العلاقة المستقبلية بين الرئاسة والحرس الثوري

إن التناقض الواضح والمباشر بين إعلان رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان ونفي المتحدث باسم الحرس الثوري يعكس حاجة ملحة ومصيرية لإعادة ضبط الخطاب الإعلامي والسياسي الرسمي في إيران، وتحديدا في الملفات الاستراتيجية ذات الحساسية الأمنية والاقتصادية العالية، لتجنب إرسال رسائل متضاربة قد تُستغل خارجياً أو تثير البلبلة في الداخل. 

ورغم هذا التباين الظاهري في التصريحات، والجدل الذي أحدثته هذه المكاشفة، فإن الواقع العملي والتاريخي يشير إلى أن الطرفين محكومان بصيغة راسخة من التعايش الإجباري والتعاون العضوي الوثيق، تفرضها طبيعة النظام السياسي وحجم التهديدات الخارجية والضغوط الدولية المشتركة. فالحكومة، بصفتها السلطة التنفيذية، بحاجة دائما لسطوة الحرس الثوري وقدراته العسكرية والتكنولوجية الفائقة لتأمين المصالح الحيوية والحدود الإقليمية، بينما لا غنى للحرس الثوري عن الغطاء القانوني والدبلوماسي والمالي الذي توفره الدولة عبر موازناتها ومؤسساتها الرسمية وفي مقدمتها مجلس الأمن القومي.

بناء على ذلك، فإن هذه الأزمة لن تؤدي إلى قطيعة، بل ستدفع باتجاه مساع حثيثة وجادة من وراء الستار لترميم هذا الشرخ الإعلامي، والاتفاق على محددات صارمة تمنع تكرار مثل هذه السجالات العلنية التي قد تكشف عن آليات الالتفاف على العقوبات أو تكلفتها. وستظل العلاقة بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية محكومة بمبدأ التكامل الاستراتيجي، حيث يستمر تقديم الدعم المالي واللوجيستي بكافة أشكاله المتاحة -سواء عبر الموازنة أو مقايضة الموارد- لضمان جاهزية القوات المسلحة، ولكن مع إبقائها بعيدا عن أضواء الصحافة والخطابات العامة والمنابر المجتمعية، حفاظاً على التماسك وصورة الدولة الموحدة في مواجهة الأعداء.