زلزال التفاهم الإيراني الأمريكي.. قراءة في خريطة الانقسام الداخلي ومسارات السياسة والدبلوماسية

كتب: الترجمان

شهدت الساحة السياسية والإعلامية الإيرانية مؤخرا حالة من الحراك العاصف والجدل المحتدم، وذلك على خلفية الإعلان عن توقيع تفاهم أولي بين طهران وواشنطن يمهد لمفاوضات نهائية. هذا التطور الدراماتيكي فتح الباب على مصراعيه أمام نقاشات حادة تعكس تباينا عميقا في الرؤى بين التيارات السياسية والصحفية الإيرانية؛ إذ يتأرجح المشهد بين التحذير من تجاوز الخطوط الحمراء، والدفاع عن سرية المفاوضات تحت إشراف القيادة العليا، والترحيب بالفرص الاقتصادية والعسكرية المتاحة، وصولا إلى توجيه اتهامات مباشرة لتيارات داخلية بالسعي وراء إشعال الحروب لتحقيق مصالح فئوية وضمان استمرار تجارة العقوبات.

دلالات الصمت الرئاسي والخطوط الحمراء في رؤية التيار المحافظ

تركز القراءة التحليلية لصحيفة “کیهان”، المحسوبة على التيار الأصولي المتشدد، على أبعاد استراتيجية ترتبط بصمت المرشد الأعلى، وهي عدم إشارته للملف النووي في رسائله الأخيرة منذ بداية زعامته وخلال آفاق نهاية الحرب الأخيرة.

وترى الصحيفة أن هذا الصمت ليس عفويا بل يحمل دلالة سياسية قاطعة تفيد بأن ملف المفاوضات النووية قد أُغلق تماما وبشكل نهائي بعد الاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت الأراضي الإيرانية، مما يعني عدم وجود أي نية أو مسعى لإعادة إحياء هذا المسار القديم. وتعتبر الصحيفة هذا الموقف بمثابة أذكى خط أحمر رسمته القيادة لضمان عدم العودة إلى المربع الأول أو الانزلاق نحو التنازلات.

وتضيف الصحيفة محذرة من أن تقليص حجم التحديات الحالية التي تواجهها البلاد وحصرها في قضايا اقتصادية محدودة مثل رفع العقوبات أو تحرير بضعة مليارات من الدولارات المجمدة، يمثل خطأ استراتيجيا في حسابات المسؤولين الحكوميين. فالصراع الراهن، بحسب وجهة نظرها، هو صراع وجودي عمد فيه العدو إلى استخدام كامل قوته لمحور إيران وإلغائها، وهو ما أدى إلى تقديم تضحيات جسيمة شملت آلاف الإيرانيين من نساء وأطفال وقادة عسكريين بارزين وعلماء ناهيك عن التضحيات القيادية الكبرى. 

وبناء على ذلك، تطالب الصحيفة بضرورة اليقظة التامة في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ غرب آسيا، مؤكدة أنه لا يحق لأي طرف، وتحت أي ظرف خلال المفاوضات النهائية الجارية، إضعاف الخطوط الحمراء للقيادة أو تخطيها، خاصة وأن إيران تخرج من هذه المواجهة بموقف القوي القادر على فرض نظم إقليمي جديد يطرد النفوذ الأمريكي من المنطقة.

Image

معركة الشفافية والسرية تحت مظلة الإشراف القيادي

في المقابل، برز موقف صحيفة “خراسان” ليعيد ترتيب الأوراق الدفاعية لصالح الفريق المفاوض والمؤسسات الحاكمة، حيث شددت الصحيفة على أن كافة تحركات المفاوضات تجري تحت الإشراف الكامل والمباشر من المرشد الأعلى الذي يمثل عين الرقيب الحكيم الحريص على منع وقوع المسؤولين في فخ الأخطاء الحسابية. 

ورغم هذا الإشراف، تنوه الصحيفة إلى أن ذلك لا يعني قيام القيادة بالمفاوضات بشكل مباشر، بل يتم عبر القنوات الدستورية والأجهزة المعنية مثل المجلس الأعلى للأمن القومي واللجان التخصصية التابعة له، مما يمنح الخطوات الدبلوماسية غطاءً شرعيا وسياديا كاملا.

وتوجه الصحيفة انتقادات لاذعة للمنتقدين الحاليين الذين يطالبون بالشفافية الكاملة وإعلان تفاصيل المحادثات عبر وسائل الإعلام. وتذكر الصحيفة بأن هؤلاء المنتقدين كانوا في الأمس القريب جزءاًمن الفرق المفاوضة السابقة، وتتساءل مستنكرة عما إذا كانت تفاصيل المفاوضات الفنية تبث بثا حيا على شاشات التلفزيون الرسمي الإيراني خلال فترات إدارة أسماء بارزة في التيار المحافظ مثل سعيد جليلي أو علي باقري كني. 

وتؤكد “خراسان” أن طبيعة هذه المفاوضات الحيوية تفرض بالضرورة مستويات عالية من السرية لحماية أسرار الدولة، معتبرة أن اتهام الفريق الحالي بالخيانة لمجرد سرية التفاصيل يعد خروجا صارخا عن جادة الإنصاف، وخاصة عند توجيه السهام لشخصيات وطنية مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف الذي يمتلك تاريخا حافلا في جبهات الحرب والمقاومة.

Image

موازين القوة والتكتيكات العسكرية والاقتصادية في الاتفاق الجديد

من جانبها، قدمت صحيفة “همشهري” قراءة متفائلة تدعم التوافق الأولي، معتبرة أن كفة الميزان تميل بشكل واضح لصالح الجمهورية الإسلامية في الوقت الراهن بناء على المعطيات الميدانية والسياسية. 

وتشير الصحيفة إلى أن الصيغة الأساسية للصفقة الحالية تتمحور حول قيام إيران بفتح الممرات المائية الحيوية وفي مقدمتها مضيق هرمز، مقابل قيام الولايات المتحدة برفع الحصار الاقتصادي المفروض على البلاد.

وترى الصحيفة أن هذا التوافق جاء بعد فشل واشنطن في فرض “اتفاق حد أقصى” يمس بالقدرات النووية أو النفوذ الإقليمي لإيران، مما أجبر الجانب الأمريكي على التراجع وقبول المعادلة الإيرانية كما هي.

وتشرح الصحيفة مكاسب طهران من هذا التفاهم، مؤكدة أن السيادة الإيرانية على المضيق أصبحت أكثر تثبيتا من أي وقت مضى، حيث تملك إيران القدرة على إغلاقه مجدداً أو فرض عوائد ورسوم على الخدمات الملاحية، ولم تعد الأوضاع إلى ما قبل الحرب. 

كما تعتبر الصحيفة أن فترة الشهرين القادمين المخصصة للمفاوضات النهائية تمثل “فرصة تنفس ذهبية” للاقتصاد والجيش الإيراني لإعادة البناء والتعافي بعد فترات طويلة من الحصار النفطي، وحتى لو فشلت المفاوضات اللاحقة فإن إيران ستكون قد استفادت من هذه المهلة الزمنية لترتيب أوراقها الداخلية. 

وفيما يخص المخاوف من تكرار سيناريو “الاتفاق النووي المنهار” تطمئن الصحيفة الرأي العام بأن نموذج الاتفاق الحالي مختلف جذريا؛ إذ لم تقدم إيران تنازلات نقدية مقابل وعود مؤجلة، بل إن هيكلية الاتفاق قابلة للعكس الفوري، وبإمكان طهران إعادة الأمور إلى نقطة الصفر وإغلاق الممرات المائية بسرعة إذا ما أخلت الولايات المتحدة بوعودها.

Image

تصنيف القوى الداخلية ومواجهة تجار الحروب والعقوبات

وفي تحليل يعد الأكثر جرأة وهجوما على الصعيد الداخلي، شنت صحيفة “اطلاعات” هجوما حادا على من وصفتهم بـ “دعاة الحرب” و”كاسبي العقوبات”، واضعة تقسيما ثلاثيا للقوى المتفاعلة مع الأزمة الراهنة في المنطقة. 

وتوضح الصحيفة أن الفئة الأولى هي فئة “المحاربين والمدافعين” المتمثلة في القوات المسلحة الإيرانية الباسلة التي تدافع عن أمن الوطن ونواميس المواطنين وتلتزم التزاما كاملا بالقرارات السيادية الصادرة عن القيادة ورئاسة الجمهورية، وهي الفئة التي لا تسعى وراء الدعاية الفجة أو المحاصصة السياسية بل ترى الحرب وسيلة لفرض السلام وحماية الحلفاء.

أما الفئة الثانية، فهم “دعاة الحرب” الذين تقسمهم الصحيفة إلى قسمين؛ الأول يضم بعض الغاضبين والموجوعين من وطأة الضربات واغتيال القادة والشهداء، والذين يطالبون باستمرار الحرب بدافع العاطفة، وتدعوهم الصحيفة إلى الثقة التامة بحكمة القيادة الشابة ورئاسة الجمهورية والمسؤولين الذين يمتلكون المعطيات الشاملة وأمضوا أشهرا في دراسة التفاهم الحالي مع أمريكا دون ذرة ثقة في نواياها. 

والقسم الثاني من دعاة الحرب، بحسب الصحيفة، هم رقباء الحكومة السياسيون وتجار العقوبات والحروب الذين يرون في استمرار النزاعات المسلحة وحالة اللا-سلم واللا-حرب بيئة خصبة لإقصاء الخصوم السياسيين، ومنع التنمية والحرية، ومواصلة جني الأرباح الطائلة عبر تجارة وسائل تجاوز الحجب وبيع الإنترنت بأسعار فلكية للأثرياء، معتبرة أن هذه الجماعة تضر بمصالح الشعب والدولة منذ سنوات طوال.

محرك الإشعال الإقليمي ومستقبل إدارة الأزمات بالتدبير والدبلوماسية

وتختتم “اطلاعات” تحليلها بالحديث عن الطرف الثالث في المعادلة وهم “مشعلو الحروب” الإقليميون، وتضع على رأسهم الكيان الإسرائيلي بقيادة رئيس وزرائه الملاحق دوليا بنيامين نتنياهو. 

وتؤكد الصحيفة أن هذا الكيان يعتاش على الدماء والدمار، وأنه يتحرك بشتى الطرق والوسائل التآمرية واغتيال القيادات وتفجير الأوضاع في لبنان والدول العربية لعرقلة أي جهود دولية أو إقليمية تهدف إلى تحقيق التهدئة وبناء تفاهمات سياسية، وذلك لضمان استمرار تدفق الأسلحة والمساعدات المليارية من الولايات المتحدة الأمريكية والحفاظ على هيمتنه العسكرية عبر نشر الفرقة والرعب في الشرق الأوسط.

Image

بين رهان الحكمة وتحديات الواقع

في الختام، يظل التفاهم الإيراني الأمريكي الأخير بمثابة حجر زاوية جديد في بناء التوازنات الإقليمية والدولية. وبينما يرى فيه البعض فرصة ذهبية لفك العزلة الاقتصادية وتعزيز القدرات العسكرية، ينظر إليه آخرون بعين الريبة والوجل من التنازل عن الخطوط الحمراء التي رسمتها القيادة العليا.

إن معركة الشفافية والسرية، وتكتيكات القوة، وتصنيف القوى الداخلية، ومواجهة تجار الحروب والعقوبات، كلها عناصر تتشابك في مشهد معقد يفرض على الجميع التحلي بالحكمة والتدبير الجيد للأزمات. وفي ظل التحركات الإقليمية والدولية المتسارعة، يبقى مستقبل هذا التفاهم مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية على الوفاء بالتزاماتها وتجاوز العقبات التي تفرضها الأجندات المختلفة.