- زاد إيران - المحرر
- 23 Views
يمثل قطاع البتروكيماويات أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الإيراني، لما يوفره من موارد مالية ودور محوري في الصناعات التحويلية والتجارة الخارجية. غير أن هذا القطاع شهد خلال السنوات الماضية تحولات عميقة رافقتها نقاشات واسعة بشأن آليات إدارته، وجدوى برامج الخصخصة، وانعكاسات العقوبات الدولية على بنيته الاقتصادية والإدارية. ومع توالي التصريحات الرسمية، وظهور وثائق وتقارير إعلامية، وفتح ملفات قضائية مرتبطة بإدارة القطاع، عاد الجدل مجددا حول طبيعة السياسات التي حكمت هذه المرحلة، ومدى إسهامها في رسم واقع الصناعة البتروكيماوية وما ترتب عليه من تداعيات اقتصادية وسياسية وقضائية لا تزال محل نقاش داخل إيران حتى اليوم.
خاقاني… خصخصة مثيرة للجدل وسياسات يعتبرها أساس الأزمة
أعاد المدير العام السابق في وزارة النفط الإيرانية وخبير شؤون الطاقة، محمود خاقاني، خلال حديث له مع موقع اقتصاد نيوز 25 يونيو/ حزيران 2026، فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ قطاع النفط والبتروكيماويات الإيراني، عندما حمل حكومتي الرئيس الأسبق، محمود أحمدي نجاد، مسؤولية السياسات التي، بحسب وصفه، أفضت إلى اختلالات هيكلية عميقة في الصناعة البتروكيماوية، وأسهمت في نشوء شبكات من المستفيدين من العقوبات والتهريب، وأضعفت البنية الفنية والإدارية لقطاع النفط. وتأتي تصريحات خاقاني في وقت عاد فيه ملف شركة بازركانی للصناعات الكيماوية إلى الواجهة مجددا، سواء من خلال النقاشات المتعلقة بخصخصة القطاع أو عبر استحضار واحدة من أكبر قضايا الفساد المالي التي شهدتها إيران، والتي ارتبطت باتهامات باختلاس مليارات اليورو خلال سنوات العقوبات.

فيرى محمود خاقاني أن جذور الأزمة الحالية في قطاع البتروكيماويات تعود إلى السياسات التي اتبعت خلال الحكومتين التاسعة والعاشرة برئاسة محمود أحمدي نجاد، خلال أعوام 2005 إلى 2013، والتي قامت، بحسب قوله، على خصخصة أصول استراتيجية من دون تحقيق الأهداف المعلنة لتلك الخصخصة. ويوضح أن نقل ملكية شركات البتروكيماويات كان يفترض أن يفتح الباب أمام استثمارات جديدة وتحديث التكنولوجيا والتوجه نحو الصناعات البتروكيماوية ذات القيمة المضافة العالية، إلا أن ما حدث، وفق روايته، كان مختلفا تماما.
ويقول خاقاني إن الشركات التي آلت إليها ملكية هذه الأصول لم تضخ استثمارات جديدة في قطاعي التكرير والبتروكيماويات، بل اكتفت بالاستفادة من الأصول القائمة، وهو ما انعكس لاحقا على اتساع فجوة الإنتاج وظهور اختلالات هيكلية في الصناعة. ويستشهد بفارق القيمة السوقية بين المنتجات الإيرانية ونظيراتها في دول الخليج، موضحا أن بعض المنتجات الإيرانية كانت تباع بنحو 400 دولار للطن، بينما وصلت أسعار المنتجات ذات القيمة المضافة في السعودية والإمارات إلى نحو 23 ألف دولار للطن، في مؤشر، بحسب تقديره، إلى اتساع الفجوة التقنية والصناعية بين إيران ومنافسيها.

ولا يقف نقد خاقاني عند حدود الخصخصة، بل يربط بين تلك المرحلة وبين البيئة السياسية التي صاحبتها، مشيرا إلى أن السنوات نفسها شهدت صدور ست قرارات من مجلس الأمن الدولي ضد إيران، بينها قرارات حظيت بتأييد روسيا والصين. ويعتبر أن التقليل من أهمية تلك العقوبات، من خلال وصفها بأنها مجرد قصاصات ورق، ساهم في خلق اقتصاد مواز يقوم على الالتفاف على العقوبات، ونشوء شبكات من المستفيدين من العقوبات والتهريب ومافيات اقتصادية، وهو ما انعكس، بحسب رأيه، على إدارة قطاع الطاقة برمته.
ويذهب خاقاني إلى أن الضرر لم يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل امتد إلى الكوادر البشرية، إذ يقول إن قطاع النفط فقد عددا من خبراته الفنية والإدارية التي لعبت أدوارا محورية حتى خلال الحرب العراقية الإيرانية، عندما واصل العاملون تشغيل المصافي ومحطات الطاقة رغم الاستهداف العسكري. ويرى أن استبعاد هذه الكفاءات وإحلال أشخاص مرتبطين بشبكات مصالح محلها أدى إلى إضعاف المؤسسة النفطية وفتح المجال أمام أطراف خارج القطاع لتولي عمليات تصدير النفط تحت شعار الالتفاف على العقوبات.

وفي سياق متصل، انتقد خاقاني قرار وزارة الصناعة والمناجم والتجارة بالسماح باستيراد بعض المواد الخام البتروكيماوية عبر آليات الكولبري والملواني، نظامان خاصان للاستيراد عبر المناطق الحدودية في إيران، معتبرا أن هذه السياسة تعني عمليا إضفاء الشرعية على التهريب. ويطرح تساؤلات حول أسباب اللجوء إلى المسارات غير الرسمية إذا كان الاستيراد ممكنا عبر القنوات القانونية، معتبرا أن ذلك يعكس أزمة في إدارة العملة الأجنبية وعودة ظاهرة الاقتصاد غير الرسمي إلى واجهة السياسات الاقتصادية.
شركة بازركاني للصناعات البتروكيماوية… خصخصة تحولت إلى قضية فساد
تتقاطع تصريحات خاقاني مع ملف شركة بازركاني للصناعات البتروكيماوية، التي أصبحت لاحقا محور واحدة من أكبر قضايا الفساد الاقتصادي في إيران. فقد كانت الشركة، قبل خصخصتها، الذراع الرئيسية لتسويق المنتجات البتروكيماوية الإيرانية عالميا، كما لعبت دورا أساسيا في جذب التمويل الخارجي لمشروعات تطوير القطاع، بفضل شبكة مكاتبها الدولية وعلامتها التجارية المعروفة.

إلا أن عملية خصخصتها عام 2009 أثارت جدلا واسعا، فبحسب تقارير صحفية إيرانية، بيعت الحصة المسيطرة في الشركة، والبالغة 51 في المئة، مقابل نحو ما يعادل 1.01 تريليون ريال إيراني، أو نحو 102 مليون دولار وفق سعر الصرف الرسمي آنذاك، ونحو 735 ألف دولار وفق سعر الصرف الحالي، على أساس دفع 20 في المئة من قيمة الصفقة نقدا وتقسيط الباقي، رغم أن تقديرات عديدة أشارت آنذاك إلى أن قيمة أصول الشركة واستثماراتها وحصصها في عدد من شركات البتروكيماويات الكبرى كانت تتجاوز 20 تريليون ريال إيراني، أو نحو ملياري دولار وفق سعر الصرف الرسمي في عام 2009، ونحو 14.6 مليون دولار وفق سعر الصرف الحالي.

واعترضت وزارة النفط على تلك الصفقة منذ بدايتها، واعتبرت أن عملية البيع لم تراع القيمة الحقيقية للشركة، سواء من حيث علامتها التجارية أو شبكة مكاتبها الخارجية أو أصولها الاستثمارية، كما أشار محامو الوزارة لاحقا إلى أن عدم تقييم العلامة التجارية وإغفال الأصول الخارجية عند إعداد التقييم المالي للشركة شكلا سببين رئيسيين للطعن في إجراءات الخصخصة.
وتذهب تقارير أخرى إلى أن عملية البيع جرت في ظروف وصفت بأنها غامضة، مع الحديث عن غياب المنافسة الحقيقية وعدم مراعاة أهلية المشتري، وهو ما أبقى الملف مفتوحا أمام القضاء لسنوات طويلة. وتوسعت الاتهامات لاحقا لتشمل إدارة الشركة بعد خصخصتها، حيث أثيرت مزاعم بشأن تحويل عائدات الصادرات، وعدم إعادة الأموال المستحقة للشركات الحكومية، إضافة إلى استغلال فروق أسعار العملات الأجنبية، وعمليات مقايضة وتسويات مالية أثارت اعتراضات داخل قطاع النفط.

كما تحدثت تقارير عن ديون تجاوزت 700 مليون يورو مستحقة لصالح هولدينغ الخليج الفارسي، في حين قدرت جهات قضائية حجم الأموال التي أسيء استخدامها خلال بعض السنوات بما يتجاوز خمسة آلاف مليار تومان، في واحدة من أكبر القضايا المالية المرتبطة بقطاع الطاقة الإيراني.
وتشير التقارير كذلك إلى أن نشاط بعض الشركات المرتبطة بمالكي الشركة نفسها امتد إلى قطاعات أخرى، من بينها إنتاج المحفزات الصناعية والتعاملات المصرفية والاستثمارات البحرية، فيما طرحت اتهامات إضافية تتعلق بنقل أصول مالية، وصفقات تجارية، وتأسيس شركات داخل إيران وخارجها.
المحاكمات… من الالتفاف على العقوبات إلى اتهامات باختلاس مليارات اليوروهات
بلغ هذا الملف ذروته مع بدء جلسات محاكمة المتهمين في القضية التي عرفت إعلاميا باسم قضية فساد البتروكيماويات، ووجه الادعاء إلى أربعة عشر متهما، بينهم المدير التنفيذي السابق للشركة، وعدد من أعضاء مجلس الإدارة، اتهامات بالإخلال الجسيم بالنظام الاقتصادي والاستيلاء غير المشروع على الأموال من خلال التصرف بعائدات العملات الأجنبية الناتجة عن صادرات المنتجات البتروكيماوية وتحويلها إلى حسابات خاصة.

وقدرت السلطات القضائية الأموال محل القضية بأكثر من ست مليارات وستمائة مليون يورو، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن حجم المخالفات تجاوز سبع مليارات يورو، وهو رقم جعل القضية توصف بأنها واحدة من أكبر قضايا الفساد المالي في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
وخلال جلسات المحاكمة، دفع بعض المتهمين بأن الإجراءات التي اتخذوها جاءت في إطار محاولة الالتفاف على العقوبات الدولية وتأمين استمرار تصدير المنتجات الإيرانية، مؤكدين أنهم لم يسعوا إلى تحقيق مكاسب شخصية، بل كانوا يعملون، بحسب تعبيرهم، لمساعدة النظام في مواجهة العقوبات.

غير أن ممثل الادعاء عرض رواية مغايرة، اعتبر فيها أن تأسيس شركات في الخارج واستخدام العقوبات غطاء للمعاملات المالية أتاح لبعض المسؤولين والشركاء الاستحواذ على فروق أسعار العملات الأجنبية وتحويل مبالغ ضخمة إلى حساباتهم الخاصة.
وبرز في القضية اسم مرجان شيخ الإسلامي آل آقا باعتبارها الشريكة الرئيسية للمتهم الأول، وفق ما ورد في لائحة الاتهام. وكانت قد غادرت إيران قبل بدء المحاكمة، بينما أشارت النيابة إلى أنها حصلت بصورة غير مشروعة على ملايين اليوروهات والدولارات. كما تناولت التقارير القضائية والإعلامية شبكة الشركات التي ارتبط اسمها بها داخل إيران وخارجها، إضافة إلى نشاطها التجاري في تركيا وعلاقاتها بشركات كانت تعمل في مجالات الاستيراد والتصدير خلال سنوات العقوبات.

ولم تتوقف أصداء القضية عند حدود المحكمة، إذ ربطت تقارير صحفية بين الملف وبين عدد من المسؤولين والمديرين الذين شغلوا مناصب خلال الحكومة العاشرة، حيث أشارت بعض الصحف إلى وجود دور لثمانية من مديري تلك الحكومة وأفراد من عائلاتهم في القضية، مطالبة بتوسيع نطاق المساءلة وعدم الاكتفاء بمحاكمة المتهمين الأربعة عشر فقط.
في ضوء هذه الوقائع، تبدو تصريحات محمود خاقاني امتدادا للنقاش المستمر داخل إيران بشأن الإرث الاقتصادي لمرحلة العقوبات، ومدى تأثير سياسات الخصخصة والالتفاف على العقوبات في تشكيل بيئة سمحت، وفق منتقديها، بظهور شبكات مصالح اقتصادية واسعة، وبقضايا فساد لا تزال تداعياتها حاضرة حتى اليوم.
وبينما يؤكد خاقاني أن ما حدث أدى إلى إضعاف صناعة البتروكيماويات وإفقادها فرص التطور والاستثمار، يرى المتهمون في بعض تلك القضايا أنهم كانوا يعملون في ظروف استثنائية فرضتها العقوبات الدولية. وبين هاتين الروايتين، يبقى ملف البتروكيماويات واحدا من أكثر الملفات تعقيدا وحساسية في تاريخ الاقتصاد الإيراني الحديث، لما يجمعه من تداخل بين السياسات الاقتصادية، والخصخصة، والعقوبات، والفساد، والمحاكمات التي ما زالت تشكل مرجعا أساسيا في تقييم تلك المرحلة.
