- زاد إيران - المحرر
- 509 Views
كتب: الترجمان
تشهد الساحة الدولية واحدة من أكثر اللحظات حرجا في تاريخ الصراع الإيراني الأمريكي، حيث تتشابك خيوط الحرب الميدانية مع ضجيج المبادرات الدبلوماسية التي يطلقها الرئيس دونالد ترامب من البيت الأبيض.
و يعد الصراع مجرد سجال سياسي، بل تحول إلى سباق مع الزمن لتفادي مواجهة شاملة قد تحرق أخضر المنطقة ويابسها.
وبينما يعلن ترامب عبر منصته “تروث سوشال” عن اقتراب التوصل إلى “اتفاق تاريخي” ينهي الحرب، تخرج التصريحات من طهران لترسم صورة مغايرة تماما، يسودها الشك العظيم في النوايا الأمريكية، وتستند إلى تاريخ طويل مما تصفه بـ”الخيانة الدبلوماسية”.
هذا التضارب ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، إنما هو انعكاس لأزمة ثقة بنيوية تجعل من الجلوس على طاولة المفاوضات مغامرة سياسية غير مأمونة العواقب لكلا الطرفين.
لغز المبعوثين: لماذا سقط كوشنر وصعد نجم “جي دي فانس”؟
في تطور دراماتيكي يعكس تعقيد قنوات الاتصال، كشفت تقارير إعلامية عن رفض إيراني قاطع للتعامل مع الأسماء التقليدية في دائرة ترامب الضيقة، وعلى رأسهم صهره جيرد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف.
يرى صانع القرار في طهران أن كوشنر وويتكوف يمثلان تيارا منحازا بشكل عضوي للمصالح الإسرائيلية، مما يجعلهما غير مؤهلين للعب دور الوسيط النزيه. في المقابل، برز اسم “جي دي فانس”، نائب الرئيس الأمريكي، كخيار تفضله طهران للتحاور معه.
هذا التفضيل لا ينبع من تقارب أيديولوجي، بل من قراءة براغماتية ترى في فانس ممثلا للتيار “الانعزالي الجديد” الذي يعارض الحروب الخارجية المكلفة ويسعى لإعادة صياغة دور أمريكا العالمي بعيدا عن التدخلات العسكرية.
طهران تعتقد أن فانس قد يكون أكثر جدية في إنهاء الصراع وتحقيق استقرار يخدم المصالح الاقتصادية، وهو ما يفسر إشارة واشنطن إلى احتمال انخراطه المباشر لطمأنة الإيرانيين بأن هذه المفاوضات ليست مجرد “فخ” أو تكتيك لشراء الوقت.

المبادرة ذات الـ 15 بندا: مقايضة السيادة بالازدهار الاقتصادي
تتمحور المبادرة التي قدمها ترامب حول 15 بندا تم تسريبها عبر قنوات إسرائيلية وأمريكية، وهي بنود تخلط السم بالدسم من وجهة النظر الإيرانية. تفتح المبادرة الباب أمام رفع كامل للعقوبات، ودمج إيران في النظام المالي العالمي، بل ومساعدتها في تطوير مفاعلات نووية للأغراض المدنية وتوليد الطاقة.
لكن الثمن المطلوب هو تنازلات استراتيجية تمس صلب العقيدة الأمنية الإيرانية، إذ تشترط المبادرة وقفاً كاملا لتخصيب اليورانيوم، وتسليم المخزون عالي التخصيب للوكالة الدولية، وتفكيك منشآت حيوية مثل “فوردو” و”نطنز”.
الأخطر من ذلك هو البند الذي يطالب بوضع قيود على المدى والقدرة التدميرية للصواريخ البالستية، وهو ما تعتبره طهران “انتحارا استراتيجيا” يحرمها من ذراعها الردعية الوحيدة في منطقة تعج بالقواعد الأمريكية والقدرات العسكرية الإسرائيلية. هذه المقايضة تضع القيادة الإيرانية أمام خيارين أحلاهما مر: إما القبول بالازدهار تحت مظلة الوصاية الأمريكية، أو التمسك بالسيادة تحت وطأة الحصار والحرب.
تكتيكات الرد الإيراني: “لا مفاوضات تحت النار”
ردا على هذه الضغوط، اعتمدت طهران استراتيجية متعددة المستويات يقودها الثنائي عباس عراقجي في الخارجية ومحمد باقر قاليباف في البرلمان. المتحدث باسم الخارجية، إسماعيل بقائي، كان حازما في نفي وجود أي مفاوضات مباشرة، واصفا إياها بـ”الأكاذيب” التي يروجها ترامب للتلاعب بالأسواق.
طهران ترفض مبدأ “المفاوضات في ظل الهجمات”، حيث تؤكد أن القوات المسلحة هي من تدير المشهد حاليا تحت المادة 51 من منشور الأمم المتحدة (حق الدفاع المشروع). هذا الموقف يعززه رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، الذي يتبنى خطابا أكثر حدة، محذرا واشنطن من اختبار عزم إيران، ومشيرا إلى أن ما دمره “الجنرالات” لا يمكن لـ”الجنود” إصلاحه.
هذا التنسيق الإيراني يهدف لبعث رسالة واضحة: إيران لن تتفاوض من موقع الضعف، وأي اتفاق يجب أن يبدأ بوقف فوري للعدوان وتقديم ضمانات قانونية ملزمة لا تتبخر برحيل إدارة أو قدوم أخرى.

مطالب طهران المضادة: مضيق هرمز كأداة للضغط العالمي
لم تكتف إيران بالرفض، بل حددت شروطها الخاصة لإنهاء الحرب، وهي شروط قلبت الطاولة على واشنطن. تطالب طهران ليس فقط برفع العقوبات، بل بدفع تعويضات مالية هائلة عن الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية الطاقية والمدنية نتيجة الغارات الأخيرة.
كما برز مطلب استراتيجي جديد يتمثل في فرض “نظام رسوم” على السفن العابرة لمضيق هرمز، على غرار رسوم قناة السويس، مما يمنح طهران سيادة قانونية ومالية على أهم ممر ملاحي في العالم.
هذه المطالب، إلى جانب اشتراط إغلاق كافة القواعد الأمريكية في الخليج ووقف الهجمات على حزب الله في لبنان، تعكس طموحا إيرانيا لإعادة رسم النظام الأمني الإقليمي بالكامل، وهو ما تصفه واشنطن بـ”المطالب المضحكة وغير الواقعية”، مما يؤكد أن الهوة بين الطرفين لا تزال شاسعة رغم الحديث عن الوساطات.
الوساطة الباكستانية وغبار المعارك في إسلام آباد
في خضم هذا الانسداد، برزت مدينة إسلام آباد كمنصة محتملة لاستضافة لقاءات “جس نبض” بين الطرفين، وهو ما أكده رافائيل غروسي، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. تسعى باكستان، بدعم من تركيا ومصر، للعب دور “الرئة الدبلوماسية” التي تمنع الاختناق الكامل للقنوات السياسية.
إلا أن التحدي الأكبر يكمن في أن ترامب يفضل التفاوض “تحت النار” للحفاظ على أوراق ضغطه، بينما ترى طهران أن أي جلوس على الطاولة في ظل القصف هو استسلام مقنع. استمرار الغارات الجوية على مناطق حيوية مثل “أندرزكو” في قلب طهران يزيد من تعقيد مهمة الوسطاء، حيث يتحول كل صاروخ يسقط إلى عائق إضافي أمام الدبلوماسية، مما يجعل لقاء إسلام آباد -إن حدث- مجرد محاولة لإدارة الصراع لا لحله بشكل جذري.
الشارع الإيراني: حياة في مهب الريح وأحلام مؤجلة
على الجانب الآخر من المشهد السياسي، يعيش المواطن الإيراني واقعا يوميا مريرا، حيث يمتزج الخوف من الغارات الجوية بالقلق من المستقبل المجهول. في طهران وكرج، يتداول المواطنون الإيرانيون مشاعر متناقضة، فهناك من يرى في ترامب تاجرا يسعى لعقد صفقة تعيد الاستقرار الاقتصادي، وهناك من يخشى أن تؤدي أي صفقة إلى إطالة أمد المعاناة تحت نظام قد يخرج من الحرب أكثر شراسة تجاه الداخل.
الروايات الشخصية تتحدث عن “روح انكسار” في مواجهة التهديدات الوجودية، حيث تحول روتين الحياة إلى مراقبة أخبار الغارات والقلق الدائم من القصف على المدن الإيرانية.
هذا الضغط الشعبي يمثل ورقة ضغط صامتة على القيادة الإيرانية، لكنها ورقة ذات حدين؛ فهي قد تدفع نحو التهدئة، أو قد تزيد من صلابة الموقف الرسمي لرفض ما يعتبرونه “إذلالاً” وطنياً.

الدور الإسرائيلي: القلق من “تراجع” ترامب المفاجئ
لا يمكن فهم المشهد التفاوضي بمعزل عن الموقف الإسرائيلي المتشكك، فحكومة بنيامين نتنياهو تراقب بحذر شديد تحركات ترامب، وتخشى أن يبرم الرئيس الأمريكي “صفقة سريعة” تمنح طهران اعترافا دوليا وتترك لإسرائيل تهديدا وجوديا على حدودها.
التقارير تشير إلى أن إسرائيل لا تزال غير مقتنعة بأن إيران مستعدة فعلاً لتقديم تنازلات حقيقية في ملف التخصيب أو الصواريخ، وهي تحاول عبر قنواتها في واشنطن ضمان ألا يقل سقف أي اتفاق عن التفكيك الكامل للقدرات النووية الإيرانية. هذا “الفيتو” الإسرائيلي الضمني يمثل عقبة كبرى أمام طموحات ترامب الدبلوماسية، حيث يجد الرئيس نفسه ممزقا بين رغبته في إنهاء “الحروب الأبدية” والتزامه الصارم بأمن حليفه الأبرز في المنطقة.
بين السيناريو الصخري والانفراج الهش
إن المشهد الحالي يشير إلى أننا أمام سيناريوهين لا ثالث لهما: الأول هو استمرار حالة “اللاتفاوض واللاحرب الشاملة”، حيث تستمر الضربات المتبادلة والرسائل غير المباشرة حتى ينهك أحد الطرفين ويقبل بشروط الآخر، وهو سيناريو صخري قد يؤدي إلى انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية واسعة.
أما السيناريو الثاني، فهو نجاح “دبلوماسية الظل” التي يقودها فانس وعراقجي في التوصل إلى “اتفاق إطار” مؤقت يسمح بتبريد الجبهات وفتح مسار مفاوضات طويل الأمد، مقابل تخفيف جزئي للعقوبات وتجميد للأنشطة النووية الحساسة. هذا الخيار، رغم هشاشته، يظل المخرج الوحيد المتاح أمام إدارة ترامب لإثبات نجاعة منهجها الصدامي في تحقيق نتائج سلمية.
مأزق “الصفقة الكبرى” وتوازن الرعب
في نهاية المطاف، يبدو أن ما يطمح إليه دونالد ترامب ليس مجرد اتفاق نووي جديد، بل هو “إعادة هندسة” كاملة لمكانة إيران في النظام الدولي. ترامب، بعقليته التجارية، يريد تحويل إيران من “دولة ثورية” تعادي المصالح الأمريكية إلى “دولة وظيفية” تندمج في الاقتصاد العالمي وتكف عن تهديد حلفائه. لكن هذه الرؤية تصطدم بصخرة “الهوية الوطنية” الإيرانية التي ترى في نفوذها الإقليمي وبرنامجها الصاروخي أدوات بقاء لا يمكن المقايضة عليها.
الخاتمة المنطقية لهذا الحراك الدبلوماسي العنيف تشير إلى أن المفاوضات القادمة -إن قُدر لها النجاح- لن تكون مبنية على الثقة، بل على توازن الرعب. فإيران أثبتت أن لديها القدرة على تهديد إمدادات الطاقة العالمية وضرب القواعد الأمريكية، وواشنطن أثبتت أن لديها القدرة على خنق الاقتصاد الإيراني واستهداف العمق الاستراتيجي لطهران.
هذا التوازن هو ما قد يفرض في النهاية “سلاما باردا” واتفاقا تقنيا هشا، ينهي الحرب المباشرة لكنه يبقي جذور الصراع مشتعلة تحت الرماد. إن نجاح جي دي فانس في المهمة سيعتمد بالدرجة الأولى على قدرته على إقناع طهران بأن أمريكا “ترامب 2026” مستعدة لتقاسم النفوذ في المنطقة بدلا من الاستمرار في استراتيجية “تغيير النظام” التي لم تجلب لواشنطن سوى استنزاف الموارد وضياع الفرص.

