- زاد إيران - المحرر
- 13 Views
تشكل العلاقات الاقتصادية بين إيران والصين إحدى الركائز الأساسية في السياسة الخارجية والاقتصادية الإيرانية، ولا سيما في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، واستمرار العقوبات الغربية على طهران، وسعي الأخيرة إلى تنويع شراكاتها الدولية. وخلال السنوات الماضية، انتقلت بكين إلى موقع الشريك التجاري الأول لإيران، مستندة إلى شبكة واسعة من المصالح المشتركة في مجالات الطاقة، والاستثمار، والبنية التحتية، والصناعة، والتكنولوجيا.
وفي ظل هذه المتغيرات، تتجه العلاقات الإيرانية الصينية نحو مرحلة جديدة تتجاوز مفهوم التبادل التجاري التقليدي، لتقوم على شراكة اقتصادية واستراتيجية أوسع، تستند إلى الاستثمار، والتصنيع المشترك، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التكامل في مجالات الطاقة والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، بما يفتح آفاقا جديدة للتعاون بين البلدين.
قاليباف والقطاع الخاص يرسمان مسار الشراكة مع الصين
فقد شكل الاجتماع التشاوري الذي عقده رئيس البرلمان الإيراني والممثل الخاص لإيران لشؤون الصين، محمد باقر قاليباف، مع ممثلي غرفة التجارة والصناعة والمناجم والزراعة الإيرانية، الأربعاء 17 يونيو/ حزيران 2026، محطة جديدة في مسار العلاقات الاقتصادية بين طهران وبكين، وذلك قبيل زيارته المرتقبة إلى الصين. فقد ضم الاجتماع أعضاء هيئة رئاسة غرفة التجارة، وممثلين عن الغرف التجارية واللجان التخصصية والاتحادات الاقتصادية والغرف التجارية المشتركة، إلى جانب عدد من كبار رجال الأعمال، بهدف بلورة رؤية مشتركة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، وتحويل التفاهمات السياسية إلى مشاريع استثمارية وتجارية أكثر فاعلية واستدامة.

وخلال الاجتماع أكد قاليباف أن الاقتصاد سيظل في صدارة العلاقات الإيرانية مع الصين، مشددا على أن بكين تمثل شريكا استراتيجيا لإيران، وليس مجرد سوق للصادرات أو مصدرا للواردات. ودعا إلى تطوير البنية المالية واللوجستية والتكنولوجية التي تحكم العلاقات بين البلدين، بما يتيح الانتقال من مرحلة التبادل التجاري إلى التكامل الاقتصادي، كما شدد على أهمية تمكين القطاع الخاص وإزالة العقبات التي تعترض نشاطه، معتبرا أن نجاح أي سياسة اقتصادية يرتبط بدور المواطنين ورجال الأعمال في قيادة عملية التنمية.
وفي مقابل هذه الرؤية، قدم ممثلو القطاع الخاص أكثر من ثلاثين مقترحا اعتبروها خارطة طريق لتطوير العلاقات الاقتصادية مع الصين، ركزت على الانتقال من العلاقات التجارية التقليدية إلى شراكة استثمارية وصناعية طويلة الأمد. ودعا المشاركون إلى إعداد وثيقة استراتيجية تنظم العلاقات الاقتصادية بين البلدين بما ينسجم مع الخطط التنموية الصينية حتى عامي 2035 و2050، مع مواءمة السياسات الصناعية والتجارية الإيرانية مع أولويات بكين في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المتقدمة، والسيارات الكهربائية، بما يضمن حضورا أكبر للشركات الإيرانية في سلاسل القيمة الصينية.

كما دعا المشاركون إلى تعزيز حضور إيران في مبادرة الحزام والطريق، والعمل على تحويلها إلى مركز إقليمي يربط الصين بغرب آسيا والخليج وأوراسيا، مستفيدين من الموقع الجغرافي الذي تتمتع به البلاد. وفي هذا السياق، طرحت مقترحات لإنشاء مناطق خاصة للتعاون الاقتصادي الإيراني–الصيني، وتأسيس صندوق استثماري مشترك، بما يسهم في زيادة الاستثمارات والصادرات، ويشجع الشركات الصينية على نقل جزء من أنشطتها الإنتاجية إلى إيران.
هذا وقد استحوذ ملف الاستثمار على جانب كبير من النقاشات، حيث رأى ممثلو القطاع الخاص أن الشركات الصينية لعبت خلال السنوات الماضية دور المقاول والمنفذ للمشاريع أكثر من دور المستثمر المباشر، داعين إلى توفير بيئة قانونية مستقرة ومحفزة لجذب رؤوس الأموال الصينية، ولا سيما من خلال ضمان استقرار التشريعات المتعلقة بالاستثمار الأجنبي، وتقديم حوافز تتيح انتقال التعاون من التمويل والمقاولات إلى الاستثمار طويل الأجل والإنتاج المشترك.
وأكد المشاركون أن الأولوية يجب أن تكون لنقل التكنولوجيا وليس الاكتفاء باستيراد السلع أو مكونات الإنتاج، مشيرين إلى استعداد المستثمرين الإيرانيين للدخول في مشاريع تصنيع مشتركة مع الشركات الصينية، بما يسمح بتحديث الصناعة المحلية، وإحلال التكنولوجيا الحديثة محل التقنيات القديمة، وزيادة القيمة المضافة للمنتجات الإيرانية. كما دعوا إلى إنشاء مصانع مشتركة وتطوير سلاسل التوريد المحلية، بما يعزز قدرة إيران على التحول من مصدر للمواد الخام وشبه الخام إلى مصدر للمنتجات الصناعية ذات القيمة المضافة.

وحظيت قطاعات التعدين والصناعات المعدنية باهتمام خاص، إذ طرحت مجموعة من المشاريع الهادفة إلى استقطاب الاستثمارات الصينية، شملت تطوير ميناء تشابهار ليصبح مركزا إقليميا للتصدير والخدمات اللوجستية، والاستثمار في استخراج العناصر الأرضية النادرة، وتطوير المناجم العميقة، وتحديث أسطول المعدات التعدينية. كما اقترح ممثلو قطاع النحاس توسيع التعاون مع الصين، باعتبارها أكبر مستهلك عالمي للنحاس، من خلال الاستثمار المشترك في تطوير المناجم، وإنشاء مجمعات للصناعات التحويلية، والتعاون في تصنيع المعدات اللازمة لهذا القطاع.
ولم تغب قضايا البنية التحتية عن جدول الأعمال، حيث دعا المشاركون إلى إنشاء مدن ومناطق لوجستية متخصصة لتسهيل الإجراءات الجمركية وحركة النقل والتبادل المالي، بما يشجع الشركات الصينية على توطين جزء من عملياتها داخل إيران. كما أكدوا أهمية تطوير شبكات النقل البحري والسككي والجوي، وزيادة الطاقة الاستيعابية لخط السكك الحديدية بين إيران والصين، ورفع عدد الرحلات الجوية المباشرة، بما يتناسب مع النمو المتوقع في حجم التجارة والاستثمار.
وفي الجانب المالي، ركزت المقترحات على تطوير آليات التمويل المشترك، وإنشاء مؤسسات مالية وصناديق استثمار مشتركة، وتعزيز استخدام العملات المحلية في المبادلات التجارية، بما يحد من تأثير العقوبات ويسهل تنفيذ المشاريع الثنائية. كما دعت إلى تشكيل لجان متخصصة بين القطاع الخاص في البلدين، تتولى متابعة تنفيذ الاتفاقيات، وتذليل العقبات التي تواجه المستثمرين، وتعزيز التواصل المباشر بين الشركات الإيرانية والصينية.
الصين… الشريك التجاري الأول لإيران ومسار العلاقات بالأرقام
لم يكن حديث قاليباف عن منح الصين أولوية في العلاقات الاقتصادية منفصلا عن الواقع الذي تشكل خلال العقدين الماضيين، إذ أصبحت بكين الشريك التجاري الأول لإيران، في وقت دفعت فيه العقوبات الغربية طهران إلى إعادة توجيه جزء كبير من تجارتها الخارجية نحو الأسواق الآسيوية. ومع صعود الصين إلى موقع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتزايد احتياجاتها من الطاقة، اتسعت المصالح المشتركة بين البلدين، لتشمل إلى جانب تجارة النفط والغاز، قطاعات الصناعة، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والاستثمار، والتكنولوجيا.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن الصين احتلت المرتبة الأولى بين مستوردي السلع الإيرانية، كما تصدرت قائمة الدول المصدرة إلى السوق الإيرانية، الأمر الذي جعلها الشريك التجاري الأكثر أهمية بالنسبة لطهران. فقد بلغت قيمة الصادرات الإيرانية إلى الصين خلال عام 2016 نحو 8.377 مليارات دولار، في حين تجاوزت قيمة الصادرات الصينية إلى إيران 10.7 مليارات دولار، بما يعكس حجم التشابك التجاري بين البلدين، والذي شهد نموا ملحوظا خلال السنوات التي أعقبت تشديد العقوبات الغربية، قبل أن يكتسب زخما إضافيا عقب توقيع الاتفاق النووي>

وتظهر المؤشرات التجارية أن العلاقات بين البلدين لم تعد قائمة على تجارة الطاقة وحدها، وإن كانت صادرات النفط والغاز ما تزال تمثل العمود الفقري للتبادل التجاري. فقد سجلت التجارة الخارجية الإيرانية في عام 2016 نحو 87.6 مليار دولار، بعدما بلغت قيمة الصادرات غير النفطية 43.93 مليار دولار مقابل واردات بقيمة 43.68 مليار دولار، محققة فائضا تجاريا للعام الثاني على التوالي. وفي تلك الفترة تصدرت الصين قائمة أكبر مستوردي السلع الإيرانية، متقدمة على الإمارات والعراق وتركيا وكوريا الجنوبية، كما احتلت المركز الأول بين الدول المصدرة إلى إيران، متقدمة على الإمارات، وكوريا الجنوبية وتركيا وألمانيا.
وتعكس طبيعة السلع المتبادلة حجم التكامل بين الاقتصادين. فمن الجانب الإيراني، تركزت الصادرات في المكثفات الغازية، والمنتجات البتروكيماوية، والغاز الطبيعي المسال، والبروبان، والمواد الخام المعدنية، إلى جانب النحاس والألمنيوم وبعض المنتجات الزراعية. وتشير الإحصاءات إلى أن النفط والوقود المعدني استحوذا وحدهما على نحو 70 في المئة من صادرات إيران إلى الصين، وهو ما يعكس استمرار اعتماد العلاقات التجارية على قطاع الطاقة، رغم توسعها في قطاعات أخرى.
في المقابل، تستورد إيران من الصين الآلات الصناعية، والمعدات الكهربائية، ووسائل النقل، وقطع غيار السيارات، والمنتجات الحديدية والصلبية، والبلاستيك، والمنتجات الخزفية، والأثاث، ومعدات الإنارة، إلى جانب العديد من السلع الرأسمالية اللازمة لتطوير القطاع الصناعي الإيراني. كما شهدت السنوات الأخيرة توسعا في حضور الشركات الصينية في السوق الإيرانية، خاصة في مجالات السيارات، والآلات الثقيلة، ومشروعات البنية التحتية.

ورغم اتساع حجم المبادلات، لا يزال المسؤولون الإيرانيون يرون أن مستوى التعاون الاقتصادي أقل من الإمكانات المتاحة. فقد أكد المشاركون في اجتماع غرفة التجارة أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تحتاج إلى الانتقال من مرحلة التجارة التقليدية إلى مرحلة الاستثمار والإنتاج المشترك، بما يسمح بتحقيق قيمة مضافة للاقتصادين، ويحد من الاعتماد على تصدير المواد الخام أو استيراد السلع النهائية.
من التجارة إلى الشراكة الاستراتيجية… آفاق المستقبل والتحديات
لا تقتصر الرؤية الإيرانية لمستقبل العلاقات مع الصين على زيادة حجم المبادلات التجارية، بل تتجه نحو بناء شراكة اقتصادية شاملة تستند إلى الاتفاقية الاستراتيجية الممتدة لـ25 عاما، والتي تضع إطارا طويل الأجل للتعاون في مجالات الطاقة، والاستثمار، والبنية التحتية، والنقل، والصناعة، والتكنولوجيا، والتعاون المالي.
وفي هذا السياق، يرى خبراء صينيون أن البلدين يمتلكان قاعدة قوية لتطوير علاقاتهما الاقتصادية، انطلاقا من تكامل احتياجاتهما الاقتصادية. فإيران تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، في حين تمثل الصين أكبر سوق للطاقة وأحد أكبر المستثمرين في مشروعات البنية التحتية عالميا. كما أن الموقع الجغرافي لإيران يمنحها أهمية خاصة باعتبارها حلقة وصل بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا، وهو ما يجعلها عنصرا مهما في مبادرة الحزام والطريق.

وتشير الرؤية الصينية إلى أن التعاون بين البلدين مرشح للتوسع في مجالات السكك الحديدية، والموانئ، والخدمات اللوجستية، والاقتصاد الرقمي، وشبكات الجيل الخامس، والمدن الذكية، إضافة إلى الطاقة النظيفة، في ظل ما تمتلكه إيران من إمكانات كبيرة في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وما تتمتع به الصين من خبرة صناعية وتقنية في هذه القطاعات.
ويعد التعاون المالي أحد أبرز الملفات المطروحة على أجندة البلدين، خاصة في ظل استمرار العقوبات الغربية. فالتوجه نحو استخدام اليوان والريال في تسوية المبادلات التجارية، وتطوير قنوات دفع بديلة، والاستفادة من عضوية إيران في منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة «بريكس»، يمثل، وفق الرؤية الإيرانية والصينية، وسيلة لتقليل الاعتماد على الدولار، والحد من تأثير القيود المفروضة على النظام المالي الإيراني.
وفي الوقت نفسه، تبرز فكرة إنشاء مصانع مشتركة داخل إيران باعتبارها أحد أهم المسارات المستقبلية للتعاون. فبدلا من الاكتفاء بتصدير السلع الصينية إلى السوق الإيرانية، تسعى بكين وطهران إلى نقل خطوط إنتاج وتجميع صناعي إلى داخل إيران، بما يسمح بتوطين الصناعات، ونقل التكنولوجيا، وتطوير سلاسل التوريد المحلية، وخلق فرص عمل جديدة، وتحويل إيران إلى مركز صناعي ولوجستي يخدم أسواق الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى.

غير أن تحقيق هذه الطموحات لا يخلو من تحديات. فالعقوبات الأمريكية، والقيود المفروضة على التحويلات المالية، والمخاطر المرتبطة بالاستثمار في السوق الإيرانية، ما تزال تمثل أبرز العقبات أمام الشركات الصينية، وهو ما دفع الجانبين إلى البحث عن آليات أكثر مرونة، مثل التسويات بالعملات المحلية، والمقايضة، ونماذج «النفط مقابل البنية التحتية»، إلى جانب تشجيع التعاون بين الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تكون أقل تعرضا للضغوط الخارجية.
كما يؤكد المسؤولون الإيرانيون أن نجاح هذه الشراكة يتطلب إصلاح البيئة الاقتصادية الداخلية، وتحديث البنية المالية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتوفير الاستقرار التشريعي، وهي عوامل اعتبرها المشاركون في اجتماع غرفة التجارة شرطا أساسيا لجذب الاستثمارات الصينية وتحويل الاتفاقات الموقعة إلى مشاريع تنفيذية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو العلاقات الاقتصادية الإيرانية الصينية مقبلة على مرحلة جديدة تتجاوز مفهوم التبادل التجاري التقليدي إلى بناء شراكة طويلة الأمد تقوم على الاستثمار والإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا والتكامل في سلاسل الإمداد. ورغم التحديات التي تفرضها البيئة الدولية، فإن المؤشرات الصادرة عن الجانبين توحي بأن الإرادة السياسية والاقتصادية تتجه نحو تعميق هذا التعاون، بما يجعل الصين شريكا محوريا في الاستراتيجية الاقتصادية الإيرانية خلال السنوات المقبلة، ويمنح طهران مساحة أوسع لتنويع علاقاتها الاقتصادية وتعزيز حضورها في المشهد الاقتصادي الإقليمي والدولي.

