الاقتصاد الإيراني في برزخ الـ 60 يوما.. سيناريوهات بين الإنفراجة ونفق التضخم الثلاثي

كتب: الترجمان

تعيش العاصمة الإيرانية طهران، وتحديدا في أروقة صالوناتها السياسية وأزقتها التجارية الضيقة المحيطة بميدان “الفردوسي” الشهير، واحدة من أكثر فتراتها الزمنية حرجا وغموضا. فبين عشية وضحاها، تحول المشهد الاقتصادي من حالة الانسداد الكامل والتحضير لسيناريوهات كارثية، إلى برزخ من الترقب الحذر والانتظار المشوب بالأمل والخوف معا. هذا التحول الدراماتيكي فرضه الحديث المتزايد عن مهلة ستين يوما وصفها الخبراء والمراقبون بأنها ستكون “المفصل التاريخي” الذي سيحدد ما إذا كان الاقتصاد الإيراني سيتنفس الصعداء عبر اتفاق دبلوماسي، أم أنه سيهوي إلى نفق مظلم من التضخم ثلاثي الأرقام الذي قد يلتهم ما تبقى من القوة الشرائية للمواطنين، مما يضع البلاد أمام اختبار قاسي لإدارة أزماتها المتراكمة تحت وطأة الضغوط الدولية.

الميدان يتنفس الصعداء: كواليس التراجع المفاجئ للدولار 

لم يكن هبوط أسعار الصرف في سوق طهران مجرد تغيير عابر في الأرقام، بل كان تجسيدا حيا لمدى ارتباط لقمة عيش الإيرانيين بصوت الدبلوماسية وسير المفاوضات خلف الكواليس. فبمجرد سريان أنباء عن التفاهم بين طهران وواشنطن، شهدت ساحة “الفردوسي” – التي تعد البوصلة الحقيقية لتسعير العملات الصعبة في البلاد – حركة هبوط حادة وغير متوقعة؛ إذ تراجع سعر الدولار من مستويات قياسية لامست مليون و700 ألف ريال ليقترب من عتبة مليون و600 ألف في غضون ساعات معدودة، بل وتحدث بعض المضاربين عن ملامسته لحاجز مليون و580 ألف ريال في كواليس التعاملات شبه الرسمية.

هذا التراجع الحاد تسبب في نشر حالة من الصمت المطبق والذهول في وسائل النقل العامة والمقاهي المحيطة بالسوق، حيث انكب المواطنون على شاشات هواتفهم المحمولة لمتابعة اللحظة باللحظة خوفا من ضياع مدخراتهم. ولم يكن هذا الهبوط ناتجاً عن تحسن في الإنتاجية أو تدفقات دولارية جديدة دخلت خزائن البنك المركزي، بل كان نتاجا خالصا لتبدل “الانتظارات النفسية” للمتعاملين الذين سارعوا لعرض ما يملكونه من نقد أجنبي خوفا من تكبد خسائر إضافية، بينما آثر المشترون الانكفاء التام والامتناع عن الشراء ترقبا لأسعار أكثر انخفاضا، مما خلق فائضا في العرض وشللا مؤقتا في حركة التداول الفعلي وسط تضارب التحليلات حول استدامة هذا الانخفاض.

Image

مسؤول مصرفي سابق: معضلة التضخم وسيناريو الـ 60 يوما الحاسمة

في خضم هذا الغليان، يطرح كمال سيد علي، نائب شؤون النقد الأجنبي الأسبق في البنك المركزي الإيراني، قراءة عميقة ومثيرة للقلق والرجاء في آن واحد حول طبيعة هذه المهلة الزمنية الحرجية. ويوضح المسؤول المصرفي السابق أن فترة الستين يوماً المقبلة تعد بمثابة “مفترق طرق وجودي” للاقتصاد الإيراني؛ والسبب في ذلك يعود إلى التعقيدات الميدانية الإقليمية، وتحديداً الدور الإسرائيلي الذي أظهر مراراً عدم رغبته في التهدئة وسعيه المستمر لتوسيع رقعة النزاع، مما يجعل هذه المرحلة مفتوحة على كافة الاحتمالات، بما في ذلك انهيار التفاهمات الشفوية وعودة الأمور إلى نقطة الصفر في أي لحظة دون سابق إنذار.

ويبني تحليله على فرضيتين متناقضتين تماما تحددان مستقبل الاستقرار المجتمعي؛ فالأولى تحذر من أن استمرار الحصار البحري وغياب أي أفق للحل الدبلوماسي سيدفع بمعدلات التضخم – التي تجاوزت بالفعل عتبة 83% وفقا لبعض البيانات النقطية – لتتخطى حاجز المئة بالمئة (تضخم ثلاثي الأرقام) بحلول منتصف الصيف، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات معيشية واسعة. أما الفرضية الثانية، فترى أن مجرد التوصل إلى اتفاق جزئي أو مؤقت)سيكون كافيا لفرملة هذا الاندفاع الجنوني، والبدء في استعادة السيطرة على الأسواق الموازية عبر تهدئة الروع الجماعي للمستثمرين والتجار.

Image

ما بعد الاتفاق: خارطة الإنقاذ عبر النفط والتحرير المالي الشامل

إذا ما نجحت الجهود الدبلوماسية وتجاوزت البلاد حقل الألغام السياسي الإقليمي، فإن الاقتصاد الإيراني سيكون على موعد مع إعادة صياغة جذرية لمعادلاته المالية وتوازناته النقدية. وتتوقف هذه الإنفراجة، بحسب القراءة المصرفية، على تلبية شروط اقتصادية محددة تبدأ بالرفع الفوري للحصار البحري الذي يخنق الصادرات وحركة الموانئ، يليه تمكين طهران من استعادة أجزاء حيوية من أرصدتها المالية الضخمة المجمدة في البنوك الأجنبية نتيجة العقوبات الصارمة التي فرضت عليها طوال السنوات الماضية.

الهدف الأسمى والركيزة الأساسية لخطة الإنقاذ هذه تتمثل في تمكين إيران من العودة إلى سوق الطاقة العالمي بكامل ثقلها التقليدي، وعبر سقف تصديري لا يقل عن 2.5 مليون برميل من النفط الخام يومياً، مدعوما بصادرات غير نفطية تقارب 35 مليار دولار لإنعاش الخزينة. هذه الوفرة من النقد الأجنبي لن تكتفي بخفض قيمة الدولار في السوق المحلية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 15% فحسب ليعود إلى مستويات تضمن استمرار تدفق الصادرات، بل ستمنح صانع القرار الاقتصادي الهامش المناسب للتخلي عن السياسات الانكماشية القسرية، وتوجيه السيولة نحو استيراد السلع الأساسية والأغذية التي سجلت معدلات تضخم مرعبة بلغت 130%، مما أضر بالطبقات الأكثر فقرا وزاد من رقعة الحرمان.

Image

الحزم المؤجل: ملف الديون الخارجية وعودة الأموال المهربة إلى الخزينة

من بين الزوايا الأكثر أهميةهي الطريقة الصارمة التي يجب أن تتعامل بها الحكومة الإيرانية مع ملف “أصحاب الدولارات” أو كبار المصدرين والمدينين بالعملة الأجنبية خلال فترة الأزمة الراهنة. فقد كشفت شهادة نائب البنك المركزي الأسبق أن ظروف الحرب غير المعلنة والتوترات العسكرية الإقليمية طوال العام الماضي دفعت السلطات إلى انتهاج سياسة حذرة للغاية وممتلئة بالتغاضي القضائي تجاه هؤلاء الممتنعين عن إعادة عوائد التصدير، وذلك خوفاً من تعميق تصدع الرأسمال الاجتماعي وتفادياً لإثارة قلاقل إضافية في وقت كانت فيه الجبهة الداخلية بحاجة إلى التماسك المطلق ضد التهديدات الخارجية.

ولكن مع الدخول في مرحلة ما بعد الاتفاق، يرى الخبراء أن هذا التسامح الرسمي يجب أن ينتهي فورا ودون أي مواربة؛ إذ لم يعد هناك مبرر اقتصادي أو سياسي لاستمرار بقاء هذه الموارد المالية الضخمة خارج الدورة الاقتصادية الرسمية للدولة. إن إجبار هؤلاء المدينين على إعادة أموال الدولة بالعملة الصعبة سيشكل حجر الزاوية في تمويل خطط إعادة الإعمار، وترميم سلاسل الإنتاج الصناعي المتضررة، فضلاً عن تعزيز البنية الدفاعية للبلاد لمواجهة أي طوارئ مستقبلية. ومن خلال هذه الأموال المستردة، تستطيع الحكومة التدخل المباشر في الأسواق عبر عمليات استيراد واسعة النطاق تؤدي إلى كسر الاحتكارات وخفض الأسعار بشكل ملموس للمستهلك النهائي.

آفاق المستقبل: بين الانخفاض الحاد والوقوف في غرفة الانتظار الكبرى

في نهاية المطاف، يتضح أن الاقتصاد الإيراني يقف الآن في مساحة رمادية حرجة تفصل بين سيناريو الإنفراجة وسيناريو الانفجار الهيكلي الشامل. وتشير التقديرات بعيدة المدى إلى أنه في حال تحول الوضعإلى سلام مستدام وتراجع حدة العقوبات الدولية، فإن معدل التضخم يمكن أن يستقر عند حدود 60% خلال العام الجاري، مع فتح مسار تنازلي طموح يهدف للوصول به إلى مستويات 20% بحلول عام 2027 وهي النسبة التي لم تشهدها البلاد منذ سنوات طويلة وضاعت بين موجات الغلاء المتلاحقة.

ورغم هذه القراءة المتفائلة، فإن المخضرمين في أسواق المال بطهران يطلقون تحذيرات صارمة من الوقوف على أرضية من الأوهام السياسية؛ فالتاريخ القريب مع الاتفاقيات الدولية، ولا سيما تجربة “البرجام” السابقة التي انهارت بانسحاب واشنطن، يثبت أن القرارات المبنية على الانفعالات اللحظية غالبا ما تكون باهظة الثمن وتؤدي إلى كوارث استثمارية. إن السياسة بطبيعتها متقلبة، وأي حدث أمني مفاجئ أو تغير في المواقف الدولية كفيل بقلب الطاولة وإعادة الأسعار إلى سيرتها الأولى بشكل أعنف. ولهذا السبب، يظل ميدان “الفردوسي” اليوم أشبه بغرفة انتظار ضخمة وممتلئة بالتوتر، حيث يمسك الجميع بأموالهم وقراراتهم، رافضين البيع الكامل أو الشراء الشامل، بانتظار ما ستسفر عنه برقيات الأخبار القادمة من خلف كواليس العواصم الكبرى التي تصنع القرار.