- زاد إيران - المحرر
- 13 Views
كتب: الترجمان
في دهاليز الدبلوماسية الدولية، الكلمة هي الرصاصة التي لا يمكن استردادها إذا أُطلقت. والمترجم في المؤتمرات والبيانات السياسية الرسمية ليس مجرد ناقل لسان، بل هو “رادار” يجب أن يلتقط الإشارات الاستراتيجية بدقة متناهية؛ لأن الخطأ هنا لا يُقاس بالدرجات اللغوية، إنما بمساحات الأراضي، وسيادة الدول، وخطوط النار.
ذات “تدقيق” في بيان صحفي مشترك يتعلق بملف ترسيم الحدود الشائك والمناطق المتنازع عليها بين دولتين جارتين، استوقفني تعريب لتقرير أعده أحد الزملاء المترجمين بطلب من قسم التحليلات السياسية. كان النص الفارسية يستعرض طبيعة المناطق التي تشهد توترا عسكريا، فكتب الزميل في ترجمته العربية بكل برود: “وأشار التقرير إلى وجود قوات مرابطة عند (المستنقعات الحدودية)…”.
استوقفتني العبارة.. فالمستنقع في القاموس العسكري يعني منطقة رخوة، ميتة تكتيكيا، ولا تشكل عمقا جيوسياسيا قابلا للبناء عليه. ناديتُ الزميل وسألته: “هل جفّت الخطوط الاستراتيجية فجأة حتى تحولت الجبهة إلى مستنقعات طينية؟”.
فتح الزميل شاشة حاسوبه بثقة وقال: النص الفارسي يقول حرفيا: (باتلاقهای مرزی)، وإذا فتحت أي معجم لغوي ستجد أن كلمة (باتلاق) تعني: مستنقع أو هور، فلماذا التعجب؟”.
وهنا، وضعتُ يدي على لغم سياسي من العيار الثقيل، حيث يسقط المترجم في فخ “الترجمة السطحية للمصطلح الجغرافي-السياسي”.
في العرف العسكري والدبلوماسي الإيراني، لاسيما عند الحديث عن الحدود الغربية أو الحدود المشتركة التي شهدت نزاعات تاريخية (مثل شط العرب ومحيطه)، لا تُستخدم كلمة “باتلاق” دائما بمعناها الجغرافي البحت (أي البركة الطينية). إنها إحالة واضحة إلى “الخطوط الأمامية المعقدة والمتداخلة”، أو ما يُعرف في الأدبيات العسكرية بـ “المناطق الرمادية الوعرة” أو “مستنقع الجبهة” كاستعارة مجازية عن “خط النار المستعر الذي يبتلع الجيوش”.
لكن الكارثة الأكبر تكمن في أن المترجم غفل عن مصطلح تاريخي وافد في ذات السياق؛ فبعض النصوص السياسية القديمة تستخدم عبارات مشابهة للإشارة إلى “الأراضي السبخة” التي تم الاتفاق على جعلها مناطق عازلة.
حين يقرأ صانع القرار أو المحلل السياسي العربي في تقريرك كلمة “مستنقعات حدودية” بشكل حرفي، سينصرف ذهنه فورا إلى طبيعة جغرافية تعيق الحركة، بينما النص الأصلي كان يرسل إشارة تحذيرية شديدة اللهجة بأن هذه النقاط هي “ثغور ملتهبة ومصيدة جيوسياسية” لا يمكن التنبؤ بها، وليست مجرد جغرافيا رطبة تنمو فيها الأعشاب!
جلستُ أوضح للزميل أن المصطلحات الحدودية في الصحافة السياسية يجب أن تمر بفلتر “السيادة والخطط العسكرية”. كلمة (باتلاق) هنا لم تأتِ لوصف الطبيعة، بل لوصف “الوضع الجبهوي المعقد”. كان يجب أن تُصاغ العبارة بـ “النقاط الحدودية الشائكة” أو “خطوط المواجهة المعقدة” لتمنح القارئ العربي الحس الحقيقي بـ “الصلابة والخطورة” التي يغلي بها الميدان.
هذا هو الفخ الدبلوماسي الذي ينصبه القاموس الجاف للمترجم الذي لا يقرأ ما بين السطور. المترجم “المحترف” هو من يدرك أن حدود الدول لا تُترجم بحروف المعاجم، بل بخرائط السياسة والتاريخ.
نصيحتي لكل مرابط في ثغور الترجمة السياسية: لا تجعل كلماتك “عائمة” أو “رخوة” كالمستنقعات فتضيع معها ثوابت الجغرافيا، بل اجعل خطوطك واضحة، حاسمة، وأصيلة، كأنين الناي الذي يعرف حدوده بدقة، ولا يخلط أبداً بين عمق الجذور وثبات الأرض، وبين عوارض الطريق.
وإلى اللقاء في لغم “سياسي” جديد نُفككه معا من نوادر المترجمين.

