- زاد إيران - المحرر
- 26 Views
منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، ظل يؤكد أن الاتفاق الذي توصلت إليه إدارة سلفه باراك أوباما لم يكن سوى صفقة كارثية منحت طهران مليارات الدولارات، وأبقت لها القدرة على استئناف برنامجها النووي بعد انتهاء القيود الزمنية، من دون أن تتطرق إلى برنامجها الصاروخي أو نفوذها الإقليمي. وكان الوعد المركزي لترامب أن سياسة الضغط الأقصى التي تبناها، والمزج بين العقوبات الاقتصادية والتهديد العسكري، ستقود في النهاية إلى اتفاق أفضل بكثير من اتفاق عام 2015.
اليوم، وبعد سنوات من العقوبات، وانهيار الاتفاق النووي، واندلاع مواجهات عسكرية مباشرة وغير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، ثم الحرب التي شهدتها المنطقة وما رافقها من ضربات إسرائيلية وأمريكية، وجدت واشنطن وطهران نفسيهما مجددا على طاولة التفاوض، ولكن في بيئة تختلف جذريا عن تلك التي أبرم فيها الاتفاق النووي قبل أكثر من عقد. وقد توجت هذه العودة بتوقيع مذكرة تفاهم تمهد لمفاوضات تمتد ستين يوما، وسط إعلان أمريكي بأنها تمثل بداية مرحلة جديدة، فيما اعتبرتها إيران دليلا على قدرتها على الصمود رغم أقصى درجات الضغط.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة لا يتعلق فقط بمضمون هذه المذكرة، وإنما بما إذا كان ترامب قد نجح فعلا في تحقيق ما عجز عنه أوباما، أم أن واشنطن انتهت، بعد سنوات من سياسة الضغط الأقصى والحرب، إلى نسخة معدلة من الاتفاق الذي سبق أن رفضته؟
من الاتفاق النووي إلى تفاهم ترامب… كيف تغيرت بيئة التفاوض بين واشنطن وطهران؟
تكاد المقارنة بين الاتفاق النووي الذي أبرم عام 2015 ومذكرة التفاهم الجديدة تكون مقارنة بين مرحلتين مختلفتين تماما في تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية، فالاتفاق الذي قادته إدارة أوباما جاء بعد سنوات من المفاوضات الدبلوماسية المكثفة، وشارك فيه إلى جانب الولايات المتحدة كل من روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، وانتهى إلى وثيقة تقنية معقدة تضم مئات الصفحات، تحدد بدقة نسب تخصيب اليورانيوم، وأعداد أجهزة الطرد المركزي، وآليات التفتيش الدولية، وخطوات رفع العقوبات بصورة تدريجية مقابل التزام إيران بقيود نووية صارمة.

أما التفاهم الذي جرى التوصل إليه في عهد ترامب، فهو ليس اتفاقا نهائيا، بل مذكرة من أربعة عشر بندا فقط، ولدت في أعقاب مواجهة عسكرية مباشرة وغير مسبوقة، وبعد أشهر من التوتر الأمني والاقتصادي الذي شمل إغلاق مضيق هرمز، وتهديد إمدادات الطاقة العالمية، وضرب منشآت عسكرية ونووية داخل إيران. لذلك فإن البيئة التي جاءت فيها هذه المذكرة تختلف جذريا عن بيئة عام 2015، سواء من حيث موازين القوى أو طبيعة الملفات المطروحة أو حجم المخاطر المحيطة بالمفاوضات.
وخلال السنوات التي أعقبت انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، لم يتوقف البرنامج النووي الإيراني عند الحدود التي رسمها الاتفاق، بل شهد تطورا كبيرا. فإيران لم تعد تكتفي بتخصيب اليورانيوم بنسبة 3.67% كما نص الاتفاق السابق، وإنما رفعت نسبة التخصيب إلى نحو 60%، وهو مستوى يقترب كثيرا من النسبة المطلوبة لإنتاج سلاح نووي. كما راكمت مخزونا كبيرا من اليورانيوم عالي التخصيب، الأمر الذي دفع أجهزة الاستخبارات الأمريكية إلى التحذير من أن الزمن اللازم لإنتاج المواد الانشطارية الكافية لصنع قنبلة نووية أصبح أقصر بكثير مما كان عليه قبل سنوات.

وفي المقابل، لم تدخل إيران المفاوضات الجديدة من موقع القوة المطلقة. فقد تعرضت منشآتها العسكرية لضربات مؤلمة، وأصيبت منظومات الدفاع الجوي التي تحمي منشآتها النووية بأضرار كبيرة، كما تراجعت قدرات حلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله، بعد أشهر من المواجهات العسكرية. لذلك، فإن طهران دخلت المفاوضات وهي تحمل نقاط ضعف لم تكن موجودة أثناء مفاوضات برجام، لكنها في الوقت نفسه تمتلك أوراق ضغط لم تكن متوافرة سابقا، أبرزها امتلاكها برنامجا نوويا أكثر تقدما، وسيطرتها على مفاتيح أمن الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز.
ويبرز هنا اختلاف آخر لا يقل أهمية. ففي حين كان الاتفاق النووي لعام 2015 يقتصر بصورة شبه كاملة على الملف النووي، جاءت المفاوضات الجديدة وسط مطالب أمريكية أوسع بكثير. فقد سعت إدارة ترامب إلى إدراج برنامج الصواريخ الباليستية، وشبكة الحلفاء الإقليميين، والنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط ضمن أي اتفاق مستقبلي، بينما أصرت طهران على حصر التفاوض في الملف النووي ورفع العقوبات، معتبرة أن بقية الملفات تقع خارج نطاق التفاوض.

كما فرض عامل الزمن نفسه عنصرا جديدا لم يكن حاضرا بالحدة نفسها في عهد أوباما. فواشنطن باتت تتحدث عن ضرورة إنجاز اتفاق سريع، بينما ترى إيران أن أي تسوية يجب أن تأتي بعد ضمان رفع العقوبات واستبعاد الخيار العسكري. وبين هذين الموقفين، تحولت فترة الستين يوما المنصوص عليها في مذكرة التفاهم إلى اختبار حقيقي لقدرة الطرفين على الانتقال من وقف التصعيد إلى اتفاق دائم.
ولذلك، فإن المقارنة بين الاتفاقين لا يمكن أن تقوم على النصوص وحدها، لأن الظروف التي أنتجت كلا منهما مختلفة بصورة جذرية. ففي عام 2015 كان الهدف الأساسي منع إيران من تطوير برنامجها النووي، أما اليوم فإن الهدف يتمثل في إدارة أزمة أصبحت أكثر تعقيدا، بعدما أصبحت طهران تمتلك معرفة نووية متقدمة، وأصبحت المنطقة بأكملها تعيش تداعيات سنوات من المواجهة العسكرية والعقوبات المتبادلة.
ماذا حقق ترامب ولم يحققه أوباما؟ … بين الوعود والواقع
منذ حملته الانتخابية الأولى، لم يخف ترامب اعتقاده بأن إدارة أوباما قدمت تنازلات كبيرة لإيران دون أن تحصل في المقابل على اتفاق يضمن إنهاء التهديد النووي بصورة دائمة. وكان يؤكد باستمرار أن المفاوض الأمريكي كان ينبغي أن يغادر طاولة التفاوض أكثر من مرة، لأن الإيرانيين، بحسب تعبيره، كانوا سيعودون لتقديم تنازلات أكبر.

وبناء على هذه القناعة، انسحب ترامب من الاتفاق النووي، وفرض أشد منظومة عقوبات عرفتها إيران، ثم ربط أي اتفاق جديد بشروط أكثر تشددا، تشمل تفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية، وفرض قيود على برنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء دعم طهران لحلفائها في المنطقة، وهي ملفات لم يتناولها اتفاق أوباما.
لكن القراءة الدقيقة لمذكرة التفاهم الجديدة تكشف أن كثيرا من هذه الأهداف لم يتحقق حتى الآن، فعلى الرغم من أن إيران أعادت التأكيد على أنها لن تطور أو تمتلك سلاحا نوويا، فإن هذه الصيغة ليست جديدة، إذ ورد الالتزام نفسه في اتفاق عام 2015. كما أن المذكرة لم تنص على منع إيران نهائيا من تخصيب اليورانيوم، ولم تحدد نسبة التخصيب المسموح بها أو مدته، بل تركت هذه القضايا للمفاوضات الفنية خلال الستين يوما المقبلة.
وبالمثل، لم تتضمن المذكرة أي نص يلزم إيران بتفكيك منشآتها النووية، أو إزالة أجهزة الطرد المركزي، أو التخلي عن بنيتها التحتية النووية، وهي المطالب التي كانت إدارة ترامب تعتبرها شرطا أساسيا لأي اتفاق جديد.
وفي المقابل، حصلت الولايات المتحدة على مكاسب يمكن وصفها بأنها سياسية واستراتيجية أكثر منها تقنية، إذ نجحت في إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات بعد سنوات من القطيعة، كما تضمنت المذكرة التزاما بإعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء التهديد الذي تعرضت له حركة الملاحة الدولية، إضافة إلى تجميد التصعيد العسكري وفتح الباب أمام مفاوضات أشمل حول مستقبل البرنامج النووي والعقوبات.

غير أن الصورة لا تبدو أحادية الجانب. فكما استطاعت واشنطن أن تقدم إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات بوصفها نتيجة مباشرة لسياسة الضغط الأقصى، تمكنت طهران هي الأخرى من تقديم التفاهم باعتباره اعترافا أمريكيا بأن العقوبات والحرب لم تنجحا في فرض الاستسلام الذي كانت الإدارة الأمريكية تتحدث عنه منذ سنوات.
وتظهر المقارنة بين الاتفاق النووي ومذكرة التفاهم أن بعض البنود التي هاجمها ترامب سابقا عادت للظهور بصورة مختلفة. فالاتفاق الجديد يتحدث عن إنهاء العقوبات الأمريكية، وإلغاء الإجراءات المرتبطة بقرارات مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه في التسوية النهائية، كما ينص على الإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة، وهي قضايا كانت من أبرز أسباب انتقاد ترامب لاتفاق عام 2015، عندما اتهم إدارة أوباما بأنها منحت إيران موارد مالية ضخمة استخدمت، بحسب قوله آنذاك، في تطوير الصواريخ ودعم الجماعات المسلحة.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تضمن التفاهم مشروعا اقتصاديا واسعا لإعادة إعمار وتنمية الاقتصاد الإيراني بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، على أن يمول بمشاركة شركاء إقليميين، وليس من الخزانة الأمريكية. وبينما تصفه واشنطن بأنه حافز اقتصادي لتثبيت أي اتفاق مستقبلي، تنظر إليه طهران باعتباره تعويضا عن سنوات الحرب والعقوبات والخسائر الاقتصادية.
في المقابل، بقيت الملفات التي اعتبرها ترامب عيوبا قاتلة في برجام خارج إطار الحسم. فالبرنامج الصاروخي الإيراني لم يخضع لأي قيود واضحة، كما لم تفرض التزامات تتعلق بإنهاء دعم طهران لحلفائها الإقليميين، ولم تحسم قضية مستقبل التخصيب أو مصير البنية التحتية النووية، بل أرجئت جميعها إلى المفاوضات المقبلة.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية. فقد كان ترامب يؤكد، منذ انسحابه من الاتفاق النووي، أن أي اتفاق جديد يجب أن يكون مختلفا جذريا عن اتفاق أوباما، لكن الوثيقة الحالية لا تقدم، حتى الآن، اختلافا جوهريا في القضايا التي كانت موضع خلاف رئيسي. صحيح أنها جاءت بعد مواجهة عسكرية وضغوط اقتصادية غير مسبوقة، إلا أن مضمونها الأولي ما زال يقترب من الفلسفة نفسها التي قام عليها برجام، أي تجميد الأزمة مقابل تخفيف العقوبات، وتأجيل الملفات الأكثر تعقيدا إلى مراحل لاحقة.
ولهذا السبب، انقسمت التقييمات داخل الولايات المتحدة. فأنصار ترامب يرون أن مجرد إجبار إيران على العودة إلى التفاوض بعد سنوات من القطيعة يمثل نجاحا لم تستطع إدارة أوباما تحقيقه، وأن البيئة العسكرية الجديدة تمنح واشنطن أوراق ضغط أكبر مما كانت تمتلكه عام 2015. أما منتقدوه فيعتبرون أن الإدارة الأمريكية، بعد سنوات من التصعيد، عادت عمليا إلى التفاوض على المبادئ نفسها التي انسحبت من أجلها قبل أعوام، وهو ما يجعل الحديث عن «اتفاق أفضل» سابقا لأوانه.
هل تجاوز ترامب اتفاق أوباما النووي فعلا؟ .. بين رواية الانتصار الأمريكي وقراءة المأزق الاستراتيجي
السؤال الذي يفرض نفسه بعد توقيع مذكرة التفاهم ليس ما إذا كانت الحرب قد انتهت، بل ما إذا كانت الولايات المتحدة حققت بالفعل ما عجزت عنه إدارة أوباما. وحتى الآن، لا تبدو أن الإجابة حاسمة.
فالاتفاق النووي كان اتفاقا نهائيا ومفصلا، وضع قيودا واضحة وقابلة للتحقق على البرنامج النووي الإيراني، وخفض مخزون اليورانيوم المخصب، وأخضع المنشآت النووية لرقابة دولية مشددة، وأطال المدة التي تحتاجها إيران للوصول إلى القدرة على إنتاج سلاح نووي. أما مذكرة التفاهم الحالية فلا تزال إطارا سياسيا عاما، تترك معظم القضايا الجوهرية لمفاوضات الستين يوما المقبلة، من دون تحديد آليات التنفيذ أو الحدود النهائية للالتزامات.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الظروف التي أبرمت فيها المذكرة تختلف جذريا عن تلك التي أحاطت ببرجام. فإيران دخلت هذه الجولة بعد خسائر عسكرية واقتصادية كبيرة، بينما دخلتها الولايات المتحدة وهي تواجه واقعا جديدا يتمثل في برنامج نووي إيراني أكثر تقدما، وبيئة إقليمية أكثر اضطرابا، وتزايد المخاوف من تحول أي مواجهة جديدة إلى أزمة عالمية في أسواق الطاقة.
ومن هنا يرى عدد من المحللين أن التفاهم الحالي لا يمثل انتصارا كاملا لأي من الطرفين، بل يعكس إدراكا متبادلا بأن استمرار المواجهة لن يحقق الأهداف القصوى لأي منهما. فالولايات المتحدة لم تتمكن من فرض التفكيك الكامل للبرنامج النووي الإيراني أو إنهاء برنامج الصواريخ وشبكة الحلفاء الإقليميين، كما أن إيران لم تحصل بعد على رفع شامل ونهائي للعقوبات أو اعتراف غير مشروط بحقها في مواصلة برنامجها النووي.

ولهذا برز توصيف يعتبر أن المذكرة ليست إعلان انتصار، بل «اعترافا دبلوماسيا بوجود مأزق استراتيجي». فبعد سنوات من سياسة الضغط الأقصى، والعقوبات، والتصعيد العسكري، عاد الطرفان إلى النتيجة ذاتها التي فرضت نفسها قبل أكثر من عقد، وهي أن الملف النووي الإيراني لا يمكن حسمه بالقوة وحدها، وأن أي تسوية مستقرة ستتطلب تنازلات متبادلة، وضمانات، وآليات رقابة، وحوافز اقتصادية.
ويبقى الحكم النهائي مرهونا بما ستسفر عنه المفاوضات المقبلة. فإذا تمكنت إدارة ترامب من انتزاع تنازلات تتجاوز ما نص عليه اتفاق عام 2015، كتقييد دائم للتخصيب، أو فرض قيود على البرنامج الصاروخي، أو معالجة ملف النفوذ الإقليمي، فسيكون بإمكانها الادعاء بأنها حققت ما لم تحققه إدارة أوباما. أما إذا انتهت المفاوضات إلى اتفاق يقتصر على إدارة البرنامج النووي، وإعادة التفتيش الدولي، ورفع العقوبات مقابل قيود نووية محددة، فإن الفارق بين الاتفاقين سيكون في ظروف الوصول إليهما أكثر منه في مضمونهما.
وفي المحصلة، تبدو السنوات التي فصلت بين انسحاب ترامب من الاتفاق النووي لسابقه والعودة إلى التفاوض قد غيرت شكل الأزمة أكثر مما غيرت جوهرها. فالحرب رفعت كلفة الصراع على الطرفين، والعقوبات أرهقت الاقتصاد الإيراني دون أن تنهي برنامجه النووي، بينما أثبتت التجربة أن الضغوط القصوى، مهما بلغت، لا تغني عن التفاوض عندما يتعلق الأمر بملف بهذه الحساسية.

