نقطة فاصلة بين الحرب والسلام.. ساعات حاسمة على انتهاء الهدنة تعيد رسم مستقبل المواجهة مع إيران

مع اقتراب انتهاء وقف إطلاق النار الهش، وعلى بُعد أقل من 48 ساعة من لحظة قد تعيد رسم ملامح التوازنات الإقليمية وربما الدولية، تدخل المنطقة المحيطة بإيران مرحلة شديدة الحساسية تتسم بعدم الاستقرار، حيث بات الخيار بين العودة إلى المواجهة العسكرية أو استئناف المسار التفاوضي أكثر ضبابية من أي وقت مضى.

وخلال الأسبوعين الماضيين منذ بدء الهدنة، تداخل مساران متناقضان؛ أحدهما يميل نحو التصعيد عبر تحركات عسكرية ومواقف سياسية متشددة وإجراءات ميدانية، والآخر يسعى للحفاظ على قنوات التواصل عبر رسائل دبلوماسية ووساطات ومحاولات لإبقاء باب التفاوض مفتوحا، ومع وصول هذه الاتجاهات إلى نقطة مفصلية، بات من الواضح أن الساعات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار الأزمة على المدى القريب.

ومع قرار إيران إغلاق مضيق هرمز مجددا مساء السبت 18 أبريل/ نيسان 2026، تصاعدت حدة التوتر بشكل ملحوظ، ما انعكس سريعا على الأسواق العالمية وأثار مخاوف من انزلاق الوضع نحو مواجهة أوسع، غير أن المشهد شهد يوم الأحد 19 أبريل/ نيسان 2026، إشارات تهدئة نسبية مع تراجع في حدة الخطاب وعودة الحديث عن إمكانية استئناف المفاوضات، خاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن نية عقد الجولة الثانية من المحادثات في إسلام آباد يوم الثلاثاء 21 أبريل/ نيسان 2026، في وقت لم تؤكد فيه طهران هذا الموعد رسميا حتى الآن.

وفي السياق الدبلوماسي، تحدثت تقارير إعلامية عن تحركات مكثفة خلف الكواليس بين واشنطن وطهران، مع جهود وساطة تقودها أطراف إقليمية، إلى جانب استعدادات أمنية غير مسبوقة في العاصمة الباكستانية، بما في ذلك إخلاء فنادق وتعزيز الإجراءات الأمنية وفرض قيود مشددة في بعض المناطق الحيوية، في مؤشر على جدية التحضير لجولة تفاوض محتملة، رغم بقاء التفاصيل غير محسومة.

Image

التركيز الإيراني على ما بعد الهدنة

داخليا، يزداد التركيز الإيراني على ما بعد الهدنة، حيث شدد الرئيس مسعود بزشكيان خلال زيارته لإحدى محطات الإطفاء يوم 20 أبريل/ نيسان 2026 على ضرورة إدارة المرحلة بعقلانية، مؤكدا أن البلاد تسعى إلى تجاوز التحديات الحالية عبر التخطيط لإعادة الإعمار وتجنب التصعيد، مع الاعتراف بأن المرحلة المقبلة ستفرض ضغوطا اقتصادية واجتماعية كبيرة تتطلب تعاونا شعبيا واسعا.

وأشار إلى ضرورة تجنب تصعيد التوترات، قائلا: “رغم الصمود في وجه الظلم والتعسف، يجب الانتباه إلى أن استمرار الصراع ليس في مصلحة أي طرف؛ لا لنا، ولا للطرف الآخر، ولا لمستقبل المنطقة والأجيال القادمة، وكلما أمكن إدارة القضايا بعقلانية وفي أجواء هادئة، كان ذلك أفضل للجميع”، مشددا في ظل ضرورة إدارة حكيمة للوضع، على أهمية الخروج من هذه المرحلة بكرامة، ووضع خطط لإعادة إعمار الخسائر بالتعاون مع الشعب.

وأشار بزشكيان إلى التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب، قائلا إن البلاد ستواجه بعد انتهاء النزاع تحديات في إعادة الإعمار وتأمين الموارد المالية وضبط السوق، وهي حقائق تتطلب إدارة دقيقة وتعاونا شعبيا، مؤكدا أن تجاوز هذه الظروف الصعبة لن يكون ممكنا دون مشاركة ودعم المجتمع.

وفي الإطار السياسي، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي،، في مؤتمر صحفي، يوم الاثنين 20 أبريل/ نيسان 2026، أن بلاده لا تقبل أي إنذارات زمنية أو ضغوط خارجية، مشددا على أن إيران ستواصل الدفاع عن مصالحها، وأن أي تصعيد جديد من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل سيقابل برد قوي وحازم.

كما عكست تصريحات داخل البرلمان الإيراني، عبر نائب لجنة الأمن القومي، محمود نبويان، استمرار حالة الحذر من نوايا التصعيد، مع دعوات لتعزيز الجاهزية الداخلية، وسط خطاب يعتبر أن المرحلة الحالية لا تخلو من احتمالات عسكرية رغم المسارات الدبلوماسية الجارية.

الأسواق الإيرانية خلال الحرب

اقتصاديا، تظهر بيانات رسمية ارتفاعا حادا في معدلات التضخم وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، ما يعكس ضغوطا متزايدة على الأسر الإيرانية وتغيرا جذريا في أنماط الاستهلاك لصالح السلع الأساسية على حساب الاحتياجات غير الضرورية، في ظل أزمة معيشية تتفاقم بالتوازي مع التوترات السياسية.

وأعلن المركز الإحصائي الإيراني، في تقرير يوم 13 أبريل/ نيسان 2026، أن معدل التضخم السنوي لشهر مارس/ آذار 2026 بلغ 71.8%، وبحسب التقرير، سجّل قطاع المواد الغذائية تضخما بلغ 112.5%، مقابل 56.9% في الملابس والأحذية، و60.8% في قطاع الترفيه، ما يشير إلى انتقال شبه كامل للطلب نحو السلع الأساسية، لافتا إلى أن الأسر الإيرانية، في ظل أعلى معدلات تضخم منذ عقود، باتت تخصص معظم دخلها لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية، فيما تراجعت حصة الترفيه والسفر وشراء الملابس إلى أدنى مستوياتها.

وأظهرت بيانات مارس/ آذار 2026 صورة دقيقة لتوزيع الضغوط التضخمية في الاقتصاد، فمعدل 71.8% يمثل متوسطا لتغيرات الأسعار بين مختلف المجموعات، لكن التفاصيل تكشف سلوك المستهلك بوضوح أكبر، وجاء قطاع التبغ في المرتبة الأولى بتضخم بلغ 125.1%، يليه قطاع المواد الغذائية بنسبة 112.5%، وهو ما يعكس الارتفاع الحاد في أسعار السلع اليومية الأساسية.

وفي المراتب المتوسطة، سجل قطاع الأثاث والأدوات المنزلية 72.8%، وقطاع الفنادق والمطاعم 70.9%، وهي نسب قريبة من المتوسط العام، أما في أدنى القائمة، فقد بلغ التضخم في قطاع الترفيه والصحة 60.8%، وفي قطاع الملابس والأحذية 56.9%، ويعكس الفارق الكبير الذي يقترب من 55% بين تضخم المواد الغذائية وتضخم الملابس، ليس مجرد اختلاف رقمي، بل تحولا واضحا في سلة إنفاق الأسرة الإيرانية تحت ضغط تضخم يتجاوز 70%.

وفي إشارة إلى نقص النفط بسبب ارتفاع الطلب ومشاكل النقل، أعلن شاهرخ شريفي، رئيس اتحاد منتجات السوبر ماركت والبروتين في طهران، في 13 أبريل/ نيسان 2026، انخفاض عرض الزيت في الأسواق، مشيرا إلى أن التوزيع كان قد تراجع سابقا بسبب زيادة الطلب وصعوبات النقل، ما أدى إلى نقص في الأسواق، لكن تم حل المشكلة بعد المتابعة، حيث ارتفع الإنتاج والتوزيع في المصانع حاليا.

وأشار شريفي إلى أن جميع المنتجات المعلبة شهدت ارتفاعا في الأسعار بسبب زيادة تكلفة العبوات المعدنية، وتم تطبيق هذه الزيادات بالفعل، وفيما يتعلق بالأرز، أوضح أن الأرز المحلي والمستورد متوفر بكميات كبيرة في الأسواق دون أي تغيير في الأسعار، أما بالنسبة للسكر، فقال إن أسعاره ما تزال وفق التسعيرة السابقة، دون أي قرار جديد للتسعير، حيث يُباع السكر بسعر 785,000 ريال إيراني للكيلوجرام بالجملة، و850,000 ريال إيراني للكيلوجرام المعبأ، وهو نفس سعر شهر مارس/ آذار 2026.

السيناريوهات المتوقعة بعد انتهاء الهدنة

فيما يتعلق بتحليل الوضع الراهن وآفاق التطورات، قال أبو القاسم دلفي، السفير الإيراني الأسبق لدى فرنسا، في حديثه لصحيفة «شرق» يوم الاثنين 20 أبريل/ نيسان 2026، أن المرحلة الحالية يجب اعتبارها “ما بعد الحرب”، قائلا: «تجاوزنا مرحلة الحرب، فمجرد إعلان وقف إطلاق النار يُعد بحد ذاته إنجازا مهما ينبغي أخذه بجدية والاستفادة منه، فالحرب بطبيعتها ظاهرة مدمرة ولا تحقق مكاسب مستدامة لأي طرف؛ لذلك يجب أن تتركز السياسات على منع اندلاع الحرب، ووقفها إذا بدأت، والحيلولة دون تكرارها».

وأضاف السفير الإيراني الأسبق لدى فرنسا: «ما يهم الآن هو استثمار مهلة اليومين المتبقية من وقف إطلاق النار لفتح باب حوارات جديدة، فهذا الوقف، مهما كانت أسبابه، يظل هشا، لكنه على أي حال أوجد فرصة لتبادل الآراء والتفاوض، والنقطة المهمة أن أهداف الطرف المقابل، وخاصة الولايات المتحدة، لم تتحقق بعد 40 يوما من القتال، وصحيح أن البلاد تكبدت خسائر كبيرة، لكن في النهاية توصل الطرف الآخر أيضا إلى أن استمرار الحرب غير مجد».

وفي رده على احتمال العودة إلى الحرب بعد انتهاء الهدنة يوم الأربعاء 22 أبريل/ نيسان 2026، قال: «الأمر يعتمد بالكامل على مسار المفاوضات، فإذا نجحت المحادثات في الوصول إلى نتائج تُلزم الطرفين بتجنب الحرب، فمن الطبيعي أن تنخفض احتمالات التصعيد، أما إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود أو بقيت الفجوة بين مطالب الطرفين كبيرة، فلا يمكن استبعاد عودة التوتر، وهنا تبرز أهمية دقة الدبلوماسية»، مضيفا «في الظروف الحالية، لا يمكن الجزم بوقوع حرب ولا بتحقق سلام دائم، لكن المؤكد أن باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحا، ويجب استثماره بأفضل شكل ممكن».

وتطرق إلى مضيق هرمز، معتبرا إياه «ورقة استراتيجية» لإيران، موضحا: «مضيق هرمز يمثل ميزة مهمة، لكن يجب التعامل معه بواقعية؛ فلا ينبغي المبالغة في الاعتماد عليه ولا التقليل من شأنه، والأهم هو توظيفه ضمن القواعد الدولية وبما يخدم المصالح الوطنية»، متابعا: «يجب تعريف مضيق هرمز كممر للسلام، أي طريق آمن لعبور الطاقة والتجارة العالمية، ويمكن لإيران أن تلعب دورا مهما في تأمين هذا المسار، لكن ذلك يتطلب تفاعلا وحوارا مع الدول الأخرى، خصوصا دول المنطقة والقوى الكبرى».

كما أشار إلى وجود فجوة بين الولايات المتحدة وأوروبا، معتبرا إياها فرصة لإيران، قائلا: «خلال الحرب، لم يكن الأوروبيون متوافقين بالكامل مع الولايات المتحدة، وهذا قد يفتح المجال لتعزيز العلاقات مع أوروبا، إن دبلوماسية نشطة مع الأوروبيين يمكن أن تسهم في تخفيف الضغوط وتحقيق توازن في العلاقات الدولية».

وشدد كذلك على أهمية العلاقات الإقليمية، قائلا: «دول الخليج هي المستفيد الأكبر من أمن المنطقة، ورغم التوترات الأخيرة، يجب العمل عبر دبلوماسية الجوار للوصول إلى فهم مشترك للمصالح»، وفي ختام حديثه، أشار إلى دور قوى مثل روسيا والصين، قائلا: «هذه الدول يمكن أن تسهم في تشكيل توافق دولي حول أمن المنطقة، وإذا أُحسن استخدام هذه الفرص، يمكن التقدم نحو إطار مستدام للسلام».

وبين احتمالات الحرب ومخارج التسوية، يبقى المشهد مفتوحا على جميع السيناريوهات، فيما تبدو الساعات المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو انفراجة سياسية أم تصعيد جديد يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.