فاتورة الحرب المؤجلة: هل تنجح واشنطن في تحويل أرصدة إيران إلى صندوق تعويضات خليجي؟

كتب: الترجمان

أثار تسريب المقترح الأميركي الجديد بشأن استخدام الأصول الإيرانية المجمدة لتعويض دول جنوب الخليج العربي عن خسائر الحرب الأخيرة، عاصفة من الردود الدبلوماسية والعسكرية في الأوساط السياسية الدولية. يعكس هذا المقترح، الذي طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تحولا جذريا في كيفية إدارة واشنطن لأزمات الشرق الأوسط؛ حيث تسعى الإدارة الأميركية إلى تحويل أصول الخصوم إلى أداة ضغط تفاوضية ومكافأة مالية للحلفاء الإقليميين في آن واحد. 

ولم يعد الأمر مجرد إجراء فني أو قانوني مرتبط بوزارة الخزانة الأميركية، بل تحول إلى استراتيجية جيوسياسية متكاملة تهدف إلى إعادة صياغة توازنات القوى ورسم ملامح جديدة لـ “اقتصاد الحرب” في المنطقة، مما يضع مسار المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن على حافة هاوية جديدة.

أبعاد المقترح الأميركي: فكرة ترامب ومهمة وزارة الخزانة

بدأت المبادرة تأخذ طابعا جادا حينما كشفت مصادر مطلعة أن سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركية، أصدر توجيهات صارمة لفريق عمل متخصص لتقييم وإحصاء الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية لدول الخليج، لاسيما السعودية والإمارات، جراء العمليات العسكرية. وتشير التقارير، ومنها ما نشرته وكالة “بلومبرغ”، إلى أن حجم الأضرار المباشرة التي أصابت منشآت الطاقة والنقل في هذه الدول يتراوح بين 8 إلى 12 مليار دولار، ناتجة عن الضربات المتبادلة واستهداف القواعد الأميركية في المنطقة. وتطمح واشنطن عبر هذا التوجه إلى استقطاع مبالغ تتراوح بين 6 إلى 8 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المحتجزة لديها وضخها مباشرة في صندوق إقليمي مخصص لإعادة الإعمار، تحت لافتة “جبر الضرر الإقليمي”.

وتتجاوز خطة وزارة الخزانة الأميركية حدود التعويض عن الخسائر الماضية؛ إذ كشفت التقارير الأمنية والاقتصادية أن الإدارة الأميركية تدرس جديا وضع آلية قانونية تتيح الاستمرار في استخدام هذه الأصول، بما في ذلك السفن والشحنات التي احتجزتها البحرية الأميركية، لتمويل أي إصلاحات مستجدة قد تنتج عن مواجهات مستقبلية. ويمثل هذا التوجه رغبة واشنطن في إعفاء نفسها وإسرائيل من التبعات المالية الباهظة للحرب، وإلقاء العبء المالي كاملاً على كاهل الاقتصاد الإيراني المثقل أساسا بالحصار البحري والعقوبات المشددة.

Image

أهداف واشنطن: عقلية ترامب التجارية وتقوية الجبهة المناهضة لطهران

تتحرك إدارة ترامب وفق فلسفة اقتصادية تعتمد على تقليل الإنفاق العسكري والأمني المباشر للولايات المتحدة في الخارج، مع الحفاظ على صورة “المفاوض القوي” أمام الناخب الأميركي والمجتمع الدولي. ويرى مراقبون أن ترامب يسعى من خلال هذا الطرح إلى ضرب عصفورين بحجر واحد: طمأنة الحلفاء الخليجيين وتأمين تكاليف إعادة إعمار بنيتهم التحتية دون تكبيد الموازنة الأميركية دولارا واحدا، ومواصلة الضغط الأقصى على طهران لإجبارها على تقديم تنازلات جوهرية في ملفات المنطقة. 

وتؤكد تقارير صحيفة “نيويورك تايمز” أن هذا المقترح يحظى بدعم وتأييد قويين من إسرائيل وبعض الأطراف الإقليمية، في حين يصفه الحزب الديمقراطي المعارض في واشنطن بأنه “سیاسة انتقامية” تعتمد على الاستعراض السياسي بدلا من الدبلوماسية الحقيقية المنتجة.

من جانب آخر، يحمل المقترح أبعادا استراتيجية ترتبط بتغيير ميزان القوى في منطقة الخليج؛ إذ تحاول الولايات المتحدة تعزيز الجبهة الإقليمية المناهضة لإيران وإظهار طهران في موقف الضعيف الذي يدفع غرامات الحرب انصياعا للإرادة الأميركية. إن إشراك دول الخليج في منظومة التعويضات من الأصول الإيرانية يهدف بالدرجة الأولى إلى تعميق الشرخ الدبلوماسي بين ضفتي الخليج، ومنع أي تقارب مستقبلي قد يفضي إلى ترتيبات أمنية مستقلة بعيدا عن المظلة الأميركية، مما يضمن استمرار حاجة المنطقة للدعم العسكري والأمني الوافد من واشنطن.

Image

الموقف الإيراني: رفض قاطع وتهديد بالرد العسكري الشامل

جاء الرد الإيراني على هذه التسريبات حاسما وفوريا؛ حيث وصف كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني، المقترح الأميركي بأنه “غير قابل للقبول جملة وتفصيلا”، مؤكدا أن الأصول الإيرانية في الخارج ليست غنائم حرب تابعة لواشنطن لتتصرف بها كيفما تشاء أو تمنحها لحلفائها. وأوضح غريب آبادي أنه إذا كان هناك حديث جدي عن غرامات الحرب والتعويضات، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل هما من يجب أن يتحملا المسؤولية القانونية والمالية الكاملة باعتبارهما الطرف البادئ بالعدوان العسكري والمحاسب على نتائجه الكارثية في المنطقة، مشيراً إلى أن الدول التي فتحت أراضيها وقواعدها الجوية لتسهيل العمليات ضد إيران لا تملك أي حق قانوني أو أخلاقي للمطالبة بتعويضات.

وفي السياق ذاته، حمل الموقف الإعلامي والسياسي المقرب من مراكز القرار في طهران نبرة تهديد عالية النبرة؛ حيث أكدت صحيفة “کیهان” وصحف رسمية أخرى أن إقدام واشنطن على تنفيذ هذه الخطوة سيعتبر بمثابة “سرقة علنية وقرصنة دولية”، مما يجعل كافة القواعد العسكرية والمنشآت الاقتصادية الأميركية في العالم أهدافا مشروعة للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية. 

كما هددت طهران بشكل مباشر بمصادرة السفن والناقلات النفطية التابعة لأي دولة خليجية تقبل استلام جزء من هذه الأموال المصادرة، معتبرة ذلك خطوة تقع ضمن بند استرداد الحقوق الشرعية، ومستندة إلى توجيهات المرشد الأعلى التي أكدت بوضوح أن إيران لن تتنازل عن حقوقها المالية وستنتزع غراماتها من الأعداء بكافة الوسائل المتاحة.

Image

مأزق المفاوضات: شروط طهران وعقدة ترامب التاريخية

يأتي هذا التصعيد الجدید في وقت حساس للغاية، حيث تخوض طهران وواشنطن منذ أسابيع مفاوضات شاقة ومعقدة عبر وسطاء دوليين للوصول إلى اتفاق أولي ينهي حالة الحرب ومحاصرة الشرايين الاقتصادية. وبحسب تسريبات نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن العقدة الأساسية التي تعيق التوقيع على الاتفاق تكمن في ملف الأموال المجمدة؛ إذ تشترط إيران الإفراج الفوري عن 12 مليار دولار كخطوة أولى لبناء الثقة، مع تأمين الوصول إلى 24 مليار دولار أخرى خلال فترة زمنية لا تتجاوز 60 يوما من بدء تنفيذ الاتفاق. 

ويرى محسن رضائي، مستشار المرشد الأعلى، أن هذه المبالغ هي ملك خالص للشعب الإيراني وليست منحة من واشنطن، وأن الإفراج عنها يمثل الاختبار الحقيقي لجدية أميركا في فتح صفحة دبلوماسية جديدة.

في المقابل، يجد الرئيس ترامب نفسه في مأزق سياسي داخلي معقد؛ فهو من جهة يرغب في إنهاء حرب إقليمية غير شعبية واستنزافية للموارد الأميركية، ومن جهة أخرى يواجه صعوبة بالغة في قبول الشروط الإيرانية المتعلقة بالإفراج المسبق عن المليارات. 

وتعود هذه الصعوبة إلى أن ترامب بنى جزءا كبيرا من رصيده السياسي وهجومه التاريخي ضد إدارة باراك أوباما على خلفية الإفراج عن الأموال الإيرانية عقب الاتفاق النووي عام 2015، مما يجعل موافقته الحالية على شروط طهران المالية بمثابة تراجع سياسي قد يستغله خصومه الديمقراطيون ضده، ولذلك تم ابتكار فكرة تحويل هذه الأموال للتعويضات الإقليمية مخرجاً سياسياً يحفظ ماء وجه الإدارة الأميركية.

Image

خيارات صعبة على طاولة الشرق الأوسط

يقف الشرق الأوسط في منتصف عام 2026 أمام مفترق طرق خطير؛ فالمقترح الأميركي بابتزاز إيران ماليا لصالح تعويض دول الخليج، برغم ما يحمله من ذكاء ومناورة سياسية تخدم العقلية التجارية لدونالد ترامب، يمثل مغامرة غير محسومة العواقب قد تفضي إلى إغلاق نافذة الدبلوماسية بشكل نهائي. 

إن الضغط على طهران عبر وضعها بين مطرقة خسارة أصولها المالية وسندان استمرار الحصار البحري الخانق قد يدفع متخذي القرار هناك إلى خيار “شمشون” وتفجير الأوضاع الأمنية برمتها في الممرات المائية، مما يثبت مجددا أن الحلول الأحادية المبنية على القوة ومصادرة الحقوق لا تخلق استقراراً مستداماً، بل تؤجل الانفجار الكبير وتجعل كلفة السلم أبهظ بكثير من كلفة الحرب لجميع الأطراف المعنية.