أزمة المياه في طهران.. تحذيرات رسمية من صيف صعب وسدود تقترب من الخط الأحمر

تعيش العاصمة الإيرانية طهران واحدة من أكثر المراحل حساسية في ملف المياه منذ سنوات، مع تصاعد التحذيرات الرسمية بشأن تراجع مخزون السدود واستمرار الجفاف للعام السادس على التوالي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من دخول العاصمة مرحلة لإجهاد المائي الحاد خلال فصل الصيف. وبينما تؤكد الحكومة أنها لا تدرس حاليا خيار تقنين المياه، فإن تصريحات المسؤولين في قطاع الطاقة والمياه تعكس حجم القلق من مستقبل الموارد المائية، لا سيما مع استمرار انخفاض معدلات الأمطار، وتزايد الاستهلاك، واستنزاف المياه الجوفية، إلى جانب توسع عمراني وصناعي يقول خبراء إنه تجاوز القدرة البيئية للعاصمة والمناطق المحيطة بها.

تحذيرات وزير الطاقة.. طهران في قلب الأزمة المائية

حرص وزير الطاقة الإيراني، عباس علي آبادي، على إطلاق سلسلة من التصريحات التحذيرية التي عكست حجم القلق الرسمي من أوضاع المياه في العاصمة الإيرانية، حيث أكد آبادي أك مرارا أن الوضع المائي في طهران ليس مناسبا، مشيرا إلى أن العاصمة لا تزال من أكثر المناطق الإيرانية تعرضا للتوتر المائي رغم تحسن نسبي في الهطولات مقارنة بالعام الماضي.

فخلال اجتماع لجنة الإعمار التابعة للبرلمان الإيراني المخصص لمتابعة أوضاع قطاعي المياه والكهرباء، أوضح علي آبادي أن التوزيع غير المتوازن للأمطار أدى إلى بقاء عشر محافظات تضم أكثر من 35 مليون نسمة في ظروف دون المعدلات الطبيعية، مؤكدا أن طهران ومحافظة البرز تتصدران قائمة المناطق الأكثر تعرضا للأزمة.

Image

وأشار وزير الطاقة إلى أن بعض المحافظات شهدت أمطارا جيدة خلال العام الحالي، لكن الظروف في طهران ليست مطمئنة، مضيفا أن العاصمة تعاني حتى الآن تراجعا بنسبة تتجاوز 37% في معدلات الأمطار مقارنة بالمعدلات الطبيعية، نتيجة سنوات متواصلة من الجفاف. كما شدد على أن ست سنوات متتالية من الجفاف، إضافة إلى تراكم العجز في مخزون المياه السطحية والجوفية، جعلت أزمة المياه في البلاد أكثر تعقيدا.

وفيما يتعلق بالسدود، تحدث آبادي عن استمرار الضغوط على الموارد المائية رغم زيادة معدلات الأمطار بنسبة 4% مقارنة بالمعدل طويل الأمد، و66% مقارنة بالعام الماضي، فيما تزامنت تصريحاته مع إعلان المتحدث باسم قطاع المياه الإيراني أن نسبة امتلاء سدود طهران لا تتجاوز 23% فقط، بينما تراجع امتلاء سد دوستي إلى نحو 5%، وهو ما يعكس خطورة الوضع الذي تواجهه العاصمة.

Image

كما تناول الوزير ملف الكهرباء بالتوازي مع أزمة المياه، مؤكدا أن القدرة الفعلية لإنتاج الكهرباء تبلغ نحو 70 ألف ميغاواط، رغم أن القدرة الاسمية تصل إلى 100 ألف ميغاواط، موضحا أن هذا التفاوت يعود إلى ظروف المناخ وإمدادات الوقود. وأضاف أن الحكومة تسلمت قطاع الكهرباء وهو يعاني عجزا يصل إلى 20 ألف ميغاواط، مشيرا إلى أن السلطات تعمل لمنع حدوث انقطاعات واسعة خلال الصيف.

وفي معرض حديثه عن إدارة أزمة المياه، كشف آبادي عن خطط لخفض ضغط المياه في بعض ساعات الليل، وربما وصوله إلى الصفر في أوقات يكون فيها السكان نائمين، بهدف تقليل الهدر والحفاظ على المخزون المتبقي. كما أكد أن الحكومة تبذل جهودا كبيرة لمنع حدوث نقص مباشر في مياه الشرب، رغم الظروف المناخية الصعبة.

Image

وشدد وزير الطاقة أيضا على أهمية ترشيد الاستهلاك، مشيرا إلى أن الإيرانيين تمكنوا خلال العام الماضي من خفض استهلاك المياه بما يعادل كمية المياه المخزنة في أحد السدود، معتبرا أن استمرار هذا التعاون الشعبي سيكون ضروريا لتجاوز الصيف المقبل. كما أعلن عن تنفيذ إجراءات واسعة تشمل توزيع معدات موفرة للمياه والكهرباء، واستبدال أجهزة التكييف القديمة، وتشديد الرقابة على الاستهلاك المرتفع.

وفي سياق متصل، أكد آبادي أن وزارة الطاقة تعمل على حماية المياه الجوفية من خلال الحد من السحب العشوائي من الآبار الزراعية ومكافحة الآبار غير المرخصة، نافيا أن تكون هذه الإجراءات مرتبطة بأزمة الكهرباء، ومشددا على أنها تأتي ضمن جهود الحفاظ على ما تبقى من المخزون الجوفي.

التوسع العمراني واستنزاف المياه الجوفية.. جذور الأزمة العميقة

وراء الأرقام الرسمية والتحذيرات الحكومية، يرى خبراء المياه والمناخ أن الأزمة الحالية ليست مجرد نتيجة لموسم جفاف عابر، بل هي حصيلة سنوات طويلة من سوء إدارة الموارد والتوسع العمراني غير المدروس والاعتماد المفرط على المياه الجوفية.

رئيس المركز الوطني للمناخ وإدارة أزمات الجفاف في هيئة الأرصاد الإيرانية، أحد وظيفه، اعتبر أن أحد أهم أسباب الأزمة هو التوسع العمراني الكبير في طهران ومحافظة البرز، مؤكدا أن الكثافة السكانية في العاصمة تجاوزت قدرة البيئة الطبيعية على تأمين احتياجات السكان، وخاصة المياه.

Image

وأوضح وظيفه أن العقود الأخيرة شهدت زيادة هائلة في أعداد السكان داخل المدن الكبرى، من دون تخطيط متوازن يأخذ بعين الاعتبار القدرة البيئية والمناخية. وأضاف أن المدن الإيرانية الكبرى، وعلى رأسها طهران، باتت تستهلك موارد تفوق ما يستطيع المناخ والطبيعة توفيره.

ولم تقتصر الانتقادات على النمو السكاني فقط، بل شملت أيضا التوسع العمراني في المناطق الجبلية المحيطة بالعاصمة، خصوصا في شمال طهران ومنطقة شميرانات، فقد حذر وظيفه من استمرار تجريف الجبال وإقامة الفيلات والحدائق الخاصة في مناطق تغذي السدود الرئيسية، معتبرا أن تحويل مياه الأمطار نحو المشاريع السكنية الفاخرة والحدائق الخاصة يحرم السدود من جزء مهم من الموارد الطبيعية التي تحتاجها العاصمة.

وفي موازاة ذلك، تتواصل أزمة استنزاف المياه الجوفية التي استخدمت طوال السنوات الماضية لتعويض النقص في الأمطار. ويؤكد خبراء المياه أن السلطات تمكنت حتى الآن من احتواء آثار الجفاف عبر ضخ المزيد من المياه الجوفية، إلا أن هذه السياسة باتت تهدد بحدوث أضرار بيئية خطيرة، من بينها هبوط التربة في مناطق واسعة من البلاد.

الباحث في شؤون المياه، سروش طالبي، أوضح أن المياه الجوفية لعبت دور المنقذ المؤقت خلال سنوات الجفاف الأخيرة، لكنها ليست حلا دائما، لأن هذه الموارد محدودة، ومع استمرار الاستنزاف قد تصل البلاد إلى مرحلة تصبح فيها القدرة على تأمين مياه الشرب أكثر صعوبة وتعقيدا.

Image

ويشير الخبراء أيضا إلى أن الأزمة لا ترتبط فقط بالعوامل الطبيعية، بل بسياسات اقتصادية وزراعية يعتبرونها غير متناسبة مع الواقع المائي للبلاد. فإيران تستهلك نحو 90% من مواردها المائية في القطاع الزراعي، بينما تستمر سياسات تشجع على زراعة محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه مثل القمح والأرز والبطيخ، في وقت تعاني فيه البلاد من شح متزايد في الموارد.

ويرى خبراء البيئة أن الإصرار على تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المحاصيل الزراعية يفاقم الضغط على المياه، بينما كان من الممكن تخفيف الأزمة عبر استيراد بعض المنتجات بدلا من استنزاف الموارد المحلية المحدودة.

بين الترشيد والتكنولوجيا.. هل تنجح إيران في تجنب الأسوأ؟

في مواجهة هذه الأزمة، تحاول الحكومة الإيرانية التركيز على إدارة الاستهلاك واستخدام التكنولوجيا الحديثة باعتبارهما المسارين الأكثر واقعية لتجنب انهيار منظومة المياه في العاصمة.

Image

بهذا الشأن، تحدث وزير الطاقة عن تنفيذ إجراءات واسعة لترشيد استهلاك المياه والكهرباء، تشمل توزيع معدات خفض الاستهلاك، واستبدال أجهزة التكييف القديمة، وتشديد الرقابة على الاستهلاك المرتفع. كما أعلنت السلطات عن حملات لتشجيع السكان على استخدام تجهيزات موفرة للمياه، يمكنها تقليل الاستهلاك بأكثر من 25% من دون التأثير على مستوى الخدمة.

وفي السياق نفسه، دعا رئيس مركز إدارة أزمات الجفاف إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة شبكات المياه، مشيرا إلى أن التكنولوجيا الحديثة يمكن أن تساعد في رصد الاستهلاك المرتفع وتوجيه إنذارات للمستهلكين، إضافة إلى تحسين توزيع المياه وتقليل الهدر.

لكن خبراء المياه يرون أن الحلول التقنية وحدها لن تكون كافية إذا لم تترافق مع تغييرات جذرية في السياسات العامة وأنماط الاستهلاك. ويؤكدون أن الأزمة الحالية يجب أن تتحول إلى «قضية وطنية» تدفع إلى إعادة التفكير في نموذج التنمية القائم، سواء فيما يتعلق بالتوسع العمراني أو الإدارة الزراعية أو السياسات الاقتصادية.

Image

ورغم التحذيرات المتكررة، فإن بعض الخبراء لا يعتقدون أن العاصمة ستصل إلى مرحلة الإخلاء الكامل، معتبرين أن هذا السيناريو لا يزال بعيدا، خصوصا مع إمكانية الاعتماد مؤقتا على المياه الجوفية وانخفاض الاستهلاك خلال فصول البرد. إلا أنهم يحذرون في المقابل من أن استمرار الجفاف لسنوات إضافية قد يدفع البلاد إلى ظروف أكثر قسوة.

وتشير التقديرات المناخية إلى أن إيران قد تواجه موجات جفاف أطول وأكثر شدة خلال السنوات المقبلة نتيجة التغير المناخي، وهو ما يضع السلطات أمام تحديات معقدة تتجاوز الحلول المؤقتة والإجراءات الموسمية.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو أزمة المياه في طهران أكثر من مجرد مشكلة خدمية مرتبطة بالصيف أو تراجع الأمطار، بل أزمة بنيوية تمس مستقبل العاصمة الإيرانية وقدرتها على الاستمرار بنفس النموذج العمراني والسكاني الحالي. وبين محاولات الترشيد الحكومية، وتحذيرات الخبراء من استنزاف الموارد، يبقى السؤال المطروح داخل إيران: هل تستطيع طهران التكيف مع واقعها المائي الجديد، أم أن العاصمة تتجه نحو مرحلة أكثر صعوبة في السنوات المقبلة؟