- زاد إيران - المحرر
- 667 Views
شهدت إيران، 29 سبتمبر/أيلول 2025، حدثا بارزا في ملف الأمن القومي، حيث أعلنت السلطة القضائية رسميا تنفيذ حكم الإعدام بحق بهرام جوبي أصل، والذي وصف بأنه واحد من أهم جواسيس جهاز الاستخبارات الصهيوني، الموساد، داخل إيران، حكم قد جاء بعد مسار قضائي طويل، شمل التحقيقات الدقيقة، جلسات المحاكمة، والمصادقة النهائية من قبل المحكمة العليا.
قضية جوبي أعادت إلى الأذهان محاولات الموساد المستمرة لاختراق البنى التحتية الحيوية لإيران عبر تجنيد خبراء متخصصين في مجالات حساسة، خصوصا في قطاع الاتصالات وقواعد البيانات، وتكشف تفاصيل الملف عن شبكة معقدة من اللقاءات، التدريبات، المكافآت المالية، والأساليب الاستخباراتية التي استخدمها الموساد لاستقطاب هذا الخبير الإيراني.
القصة من البداية
كان بهرام جوبي كان من أبرز المتخصصين الإيرانيين في مجال قواعد البيانات، وحسب المصادر فقد تميز بخبرته الفنية العميقة التي مكنته من الوصول إلى مواقع وظيفية حساسة داخل شركة هامة، وهي شركة دانش بنيان والتي شاركت في مشاريع استراتيجية داخل إيران، بعضها متعلق بالاتصالات والبنى التحتية الحيوية.

وبفضل موقعه الوظيفي، كان جوبي يتمتع بإمكانية وصول عالية إلى قواعد بيانات حيوية وسيادية تخص مؤسسات حاكمة في إيران، الأمر الذي جعله هدفا مثاليا لجهاز الموساد.
وتشير الوثائق القضائية إلى أن أول تواصل بين جوبي والموساد تم بعد حصوله على شهادته التخصصية، فقد شارك في دورة تدريبية في إحدى دول الخليج، وهناك وقع تحت رصد عملاء الموساد، لاحقا، جرى التواصل معه من خلال ضابط موساد متخف تحت غطاء شركة صورية باسم ESMI، وبدأ الاتصال عبر مقابلات هاتفية، تم خلالها استدراجه للعمل في مشاريع تتعلق بإدارة قواعد البيانات.
بعد فترة، دعي جوبي للسفر إلى أرمينيا بحجة إجراء مفاوضات تقنية، لكن وجهة الرحلة تغيرت إلى الهند، وقد طلب منه اصطحاب حاسوبه المحمول، وهو الجهاز الذي كان يستخدمه في المشاريع الحساسة، وفي الهند، جرى استجوابه واختبار مهاراته، إضافة إلى تقييم مدى وصوله للمعلومات الحيوية داخل إيران، في حين تشير محاضر جلسات التحقيق معه إلى أن الموساد تكفل بجميع نفقات السفر وقدّم له مكافأة مالية، فضلا عن إلحاقه بدورات تدريبية متقدمة.
بعد نجاح الاتصال الأولي، صعد الموساد مستوى الثقة بالتعاون مع جوبي، فقد استدعي إلى إيرلندا حيث قضى نحو 45 يوما في تدريبات تقنية متقدمة، وهناك، تم تقديم مدرب يتقن اللغة الفارسية للتواصل معه بشكل مباشر، وخلال هذه الفترة خضع لعدد كبير من اللقاءات الاستخباراتية. في تلك اللقاءات، استخلصت منه معلومات حساسة عن مشاريع قيد التنفيذ في إيران، وآليات عمل مراكز البيانات الوطنية، وأسلوب إدارة قواعد المعلومات الحيوية.
اعترافات جوبي… ما المهام التي أوكلت له؟ وماذا كان الثمن؟
بحسب اعترافاته التي وثقتها التحقيقات، كانت مهام جوبي مع الموساد متعددة، أبرزها محاولة اختراق مراكز البيانات السيادية في إيران، وإيجاد منافذ لولوج أنظمة مؤسسات حساسة، وإقامة علاقات مع شركات متخصصة في المعدات الإلكترونية وقواعد البيانات، بما يتيح للموساد جمع معلومات حول التقنيات المستخدمة في إيران، كذلك التواصل مع خبراء محليين بارزين في مجال قواعد البيانات وأوراكل، تمهيدا لتجنيدهم أو الاستفادة منهم، المشاركة غير المباشرة في مشاريع استراتيجية وبنى تحتية، بهدف تسريب معلومات تقنية إلى الموساد، وأخيرا التغطية على مسار استيراد المعدات الإلكترونية ومراقبة إمكانية إدخال أجهزة معطوبة أو ملوثة تُستخدم لاحقاً في أعمال تخريبية.
إحدى النقاط التي كشفتها اعترافات جوبي كذلك هي لجوء الموساد إلى بيع معدات إلكترونية معطوبة أو مزودة ببرمجيات خبيثة لشركات محلية، حيث كان الهدف النهائي هو تركيب هذه المعدات في المؤسسات الحيوية، بما يؤدي إلى تعطيل أنظمتها أو اختراقها، هذه الاستراتيجية سبق أن استخدمت في عمليات تخريب ضد البرنامج النووي الإيراني.
وفي مقابل خدماته، حصل الجاسوس الإيراني على سلسلة من المزايا، من بينها تكاليف السفر والإقامة في الخارج، الالتحاق بدورات تدريبية متقدمة في اللغات والتقنيات الحديثة، مبالغ مالية منتظمة كمكافآت، وبدل مهمات عن اللقاءات التي كان يعقدها مع ضباط الموساد. هذه الحوافز المالية والمعنوية عززت ارتباطه بالموساد وجعلته أكثر انغماساً في مهامه التجسسية.
إلى أي حد كان جوبي متورطا مع الموساد؟
يظهر الملف القضائي أن أنشطة جوبي لم تكن عرضية أو سطحية، بل كانت منظمة ومستمرة على مدى سنوات، حيث عقد 63 اجتماعا مباشرا مع ضباط الموساد في الخارج، وشارك في 9 رحلات دولية إلى دول عدة مثل الإمارات، أرمينيا، الهند، تايلاند، فيتنام، إيرلندا، وبلغاريا، كما أجرى 95 لقاء عبر الإنترنت من خلال وسائل الاتصال المشفرة، وتسلم معدات تجسس وأجهزة اتصالات آمنة ومبالغ مالية واضحة.
المسار القضائي الذي انتهى بالإعدام.. الرسائل وراء ذلك؟
بعد القبض عليه، خضع جوبي لتحقيقات مطولة كشفت حجم الضرر الذي تسبب فيه، وبناء على هذه التحقيقات، أُحيلت قضيته إلى المحكمة بتهمة التجسس لصالح جهاز أجنبي معاد، وتحديدا الكيان الصهيوني، مقابل تلقي أموال والتعاون الاستخباراتي.

خلال المحاكمة، التي حضرها محاميه، استعرض الادعاء الأدلة الموثقة، بما في ذلك اعترافاته وأدوات التجسس التي تسلمها. وفي النهاية، صدر الحكم بإعدامه بتهمة الإفساد في الأرض عبر التعاون مع جهاز استخبارات معاد، هذا على أن المتهم قد قدم طعنا أمام المحكمة العليا، لكن الأخيرة رفضت الاستئناف وصادقت على الحكم.
حسب الإعلام الإيراني، فإن إعدام بهرام جوبي يوجه عدة رسائل، أولها الردع الداخلي، حيث يؤكد أن الأجهزة الأمنية الإيرانية تراقب بدقة أي محاولات اختراق ولن تتهاون مع المتورطين، كذلك، التحذير الخارجي، فيبعث برسالة واضحة إلى الموساد والكيان الصهيوني بأن عملياتهم السرية داخل إيران مكشوفة، وأخيرا فعملية الإعدام تلك تبرز يعكس حجم الصراع الخفي بين طهران وتل أبيب في مجالات الأمن السيبراني، البنية التحتية، والملفات النووية.
جواسيس تحت العلم الإيراني.. أبرز قضايا التجسس في الداخل الإيراني
تخوض إيران وإسرائيل حربا خفية على جبهات متعددة منذ عقود، أبرزها جبهة الاستخبارات، حيث يسعى كل طرف لاختراق الآخر وزرع العيون داخل مؤسساته الحيوية، وفي هذه الحرب الطويلة، برزت عشرات القضايا التي كشفت تورط عملاء وجواسيس محليين في العمل لصالح جهاز الموساد، إيران بدورها لم تتهاون في التعامل مع هؤلاء، بل واجهتهم بأقصى العقوبات، وعلى رأسها الإعدام، باعتبار أن التجسس لصالح العدو الصهيوني جريمة كبرى تمس الأمن القومي وتندرج ضمن تهمة الإفساد في الأرض.
من أبرز هذه القضايا تأتي قضية علي أشتري، رجل الأعمال الإيراني الذي اعتقل عام 2007 وأُدين بنقل معلومات حساسة للموساد عبر موقعه في قطاع الاتصالات، أشتري استغل عمله في استيراد معدات إلكترونية لتزويد العملاء بمعلومات حول البنية التحتية لشبكات الاتصالات الإيرانية، كما ساعد في تمرير أجهزة مزوّدة ببرمجيات خبيثة بغرض الاختراق والتخريب. في عام 2008 أعلنت السلطات الإيرانية إعدامه شنقا بعد محاكمة كشفت تفاصيل دقيقة عن كيفية استقطابه من جانب الموساد واستخدامه كحلقة وصل في مخطط لاختراق أنظمة حساسة داخل البلاد.

قضية أخرى بارزة تمثلت في إعدام جلال حاجي زوار، الموظف السابق في وزارة الدفاع الإيرانية، والذي أُدين عام 2019 بالتجسس لصالح إسرائيل، ووفق ما أعلنته السلطة القضائية آنذاك، فإن حاجي زوار زود الموساد بمعلومات سرية تخص المؤسسة الدفاعية الإيرانية مقابل أموال. وكشفت التحقيقات أنه كان على اتصال مباشر مع عناصر الموساد، وأنه تقاضى مبالغ مالية كبيرة لقاء خدماته.
وفي العام 2020، أُعدم محمود موسوي مجد، الذي اتهم بنقل معلومات حساسة عن تحركات فيلق القدس التابع للحرس الثوري، وتحديد مواقع وتنقلات قاسم سليماني، قائد فيلق القدس السابق، قبل اغتياله في بغداد، ورغم أن بعض التقارير أشارت إلى أن اعتقاله سبق حادثة الاغتيال، فإن طهران شددت على أن المعلومات التي نقلها للموساد ساعدت في تسهيل عمليات تجسس معادية. قضيته أثارت جدلا واسعا داخل إيران وخارجها، إذ وُصفت بأنها من أخطر الاختراقات الأمنية في السنوات الأخيرة.

إن قضية بهرام جوبي ليست مجرد حادثة تجسس عابرة، بل مثال حي على حرب الاستخبارات المفتوحة بين إيران والكيان الصهيوني. فالموساد، الذي يسعى لاختراق المؤسسات الإيرانية الحيوية، يعتمد على استقطاب الخبراء المحليين في المجالات الحساسة. وفي المقابل، تؤكد طهران أنها يقظة في التصدي لهذه التهديدات، وأن العقوبة ستكون صارمة ورادعة.
بإعدام جوبي، تكون إيران قد أنهت فصلا جديدا من فصول المواجهة الخفية مع الموساد، لكن من المرجح أن الصراع سيستمر بطرق أخرى، ما دام الطرفان منخرطين في معركة نفوذ استخبارية لا تهدأ.

