- زاد إيران - المحرر
- 482 Views
في قلب طهران النابض، حيث تتقاطع شوارع الفردوسي كأنها شرايين اقتصادية مشحونة بالتوتر، يسود هدوء حذر اليوم كما لو كان فاصلا دراميا في مسرحية اقتصادية مليئة بالمفاجآت، بعد أيام من الاضطرابات التي أشعلتها تفعيل آلية “الزناد” – تلك الصدمة الجيوسياسية التي هزت أركان السوق – بدأت العملات الأجنبية والرقمية في التراجع، تاركة وراءها أصداءً من القلق والأمل.
كأن السوق يتنفس الصعداء، مع تراجع الدولار الأمريكي والعملات الرقمية المشفرة مثل “تيثر”، فيما يتدخل البنك المركزي الإيراني بسياسات جريئة تشبه خطة إنقاذ عاجلة مستوحاة من فيلم هوليوودي: قيود على العملات الرقمية المشفرة، مزادات للعملات الذهبية، وضخ مئات الملايين من الدولارات لدعم القطاعات الحيوية، هذا الهدوء النسبي الحذر ليس مجرد صدفة، بل نتيجة لمعركة خفية بين القوى الاقتصادية والضغوط الخارجية، حيث يحاول الاقتصاد الإيراني استعادة توازنه وسط عواصف التضخم والعقوبات.
تراجع الدولار والـ “تيثر”
شهدت أسواق الصرف في طهران تحولا ملحوظا، مؤخرا ، حيث انخفض سعر الدولار الأمريكي النقدي إلى حوالي 1,100,000 ريال إيراني، مقارنة بذروته الأخيرة التي تجاوزت 1,120,000 ريال، أما عملة تيثر الرقمية المشفرة (USDT)، التي كانت قد ارتفعت إلى 1,120,000 ريال قبل أيام قليلة كرد فعل على أنباء مجلس الأمن وقرارات الأمم المتحدة، فقد تراجعت إلى 1,080,000 ريال، مما يعكس انحسار الموجة النفسية التي أعقبت الصدمة.
هذا التراجع، وإن كان طفيفا، يأتي في سياق تضخم عام بلغ معدلات قياسية في 2025، حيث أشارت تقارير من TRM Labs إلى انخفاض حجم معاملات العملات المشفرة في إيران بنسبة 11% خلال النصف الأول من العام 2025 نتيجة للتوترات الجيوسياسية المتزايدة.
وفقا لمحللين اقتصاديين، يتأثر سوق العملات المشفرة بشكل مباشر بالتغيرات المحلية والدولية، مثل تقلبات أسعار النفط أو الضغوط السياسية، في دراسة حديثة من Chainalysis، أظهرت بيانات 2025 أن التبادلات الإيرانية مثل Nobitex شهدت استغلالا أمنيا بقيمة 90 مليون دولار في يونيو/حزيران 2025، مما زاد من الحذر بين المتداولين ودفع نحو تراجع الأسعار.
هذا التراجع لم يكن ناتجا عن تغييرات عالمية في العرض، بل بفضل تدخلات البنك المركزي، الذي أدخل رقابة صارمة على البورصات الرقمية، مما أدى إلى تقليل الإثارة النفسية وإعادة توجيه الاستثمارات نحو أصول أكثر استقرارا.
هدوء غير مسبوق في سوق الصرف الأجنبي بطهران
أفاد تقرير ميداني من ساحة فردوسي وسوق الصرف الأجنبي الحرة في طهران، 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بحالة هدوء غير مسبوقة، حيث لم تشهد السوق تقلبات عاطفية أو إقبالا كبيرا من المشترين والبائعين، وباستثناء عدد قليل من الأشخاص الذين اكتفوا بالاستفسار عن الأسعار دون إتمام عمليات بيع أو شراء، كانت الحركة في السوق شبه معدومة.
استقر سعر الدولار، حيث عرض الوسطاء الدولار بسعر يتراوح بين (1,120,000 إلى 1.130.000 ريال)، بينما أبدى المشترون استعداداً للتداول بسعر يتراوح بين (1,100,000 إلى 1.110,000 ريال)، ومع انخفاض النشاط في السوق، عرض بعض الوسطاء رفع سعر الشراء إلى (1,115,000 ريال) لجذب البائعين.
جاء هذا الهدوء على عكس التوقعات التي أشارت إلى احتمال حدوث اضطرابات في سوق الصرف الأجنبي الإيراني، بسبب انقطاع الإنترنت في أفغانستان بأمر من حركة طالبان، وتعليق قنوات تيليغرام لتسعير سوق هرات، الذي يلعب دوراً محوريا في توجيه أسعار الصرف في إيران، ووفقا للخبراء، يؤثر سوق هرات بشكل كبير على السوق الإيراني، حيث يؤدي انخفاض الأسعار في هرات إلى تراجع سعر الصرف في إيران، بينما يساهم ارتفاعها في زيادة قيمة الدولار.
ورغم توقعات بحدوث ارتباك وغياب الشفافية في السوق الإيراني نتيجة انقطاع إشارات هرات، أظهرت المسوحات الميدانية أن السوق حافظ على استقراره دون تقلبات كبيرة، وأشار وسطاء العملة إلى أن أي تأثير محتمل لحدث إغلاق الإنترنت قد يؤدي إلى تذبذب طفيف في سعر الدولار بحدود (5.000.000 ريال)، وهو رقم لا يعتبر كبيرا.
سوق الذهب والعملات المعدنية
لم يقتصر الهدوء على العملات الأجنبية فحسب؛ فقد امتد إلى سوق الذهب والعملات المعدنية، حيث عاد سعر العملة المعدنية الجديدة – التي كانت تتداول عند 1,100 مليار ريال حتى مطلع الأسبوع– إلى مستوى 1,070 مليار ريال، أما سعر غرام الذهب عيار 18 قيراطا، فقد اقترب من حاجز 100 مليون ريال، بعد أن كان يتجاوز 103 ملايين ريال، هذه الانخفاضات، كما يرى نادر بذرافشان، رئيس جمعية طهران للذهب والمجوهرات، تشير إلى بداية انكماش فقاعة السوق التي تضخمت بفعل الصدمات الخارجية.
في تصريحات لوكالة تسنيم للأنباء قال بذرافشان: “السوق كالبالون الممتلئ؛ يمكن أن ينفجر في أي لحظة، يجب على المستثمرين الانتظار حتى يستقر الوضع، خاصة مع تقارير حديثة تشير إلى ارتفاع أسعار الذهب عالمياً بنسبة 15% في 2025، لكن في إيران، يعاني السوق من ضغوط محلية إضافية بسبب العقوبات، وفقا لبيانات من GoldPrize لشهر سبتمبر/أيلول 2025، بلغ متوسط سعر جرام الذهب عيار 24 قيراطا حوالي 50 مليون ريال، مع تقلبات يومية تصل إلى 5%.
هذا التراجع يعزز من توقعات الخبراء باستمرار الانخفاض، خاصة مع إعلان البنك المركزي عن مزادات جديدة للعملات الذهبية، والتي أثبتت فعاليتها في السنوات الماضية لإعادة السوق إلى مسار عقلاني، كما أضافت دراسة من Human Rights Foundation أن الحكومة الإيرانية فرضت حظرا على نشر أسعار الصرف عبر الإنترنت في بداية عام 2025، مما ساعد في تقليل التقلبات النفسية، وأعلن مدير العلاقات العامة في البنك المركزي الإيراني مصطفى قمري وفا أنه وفقا للتخطيط وتلبية لاحتياجات المتقدمين سيتم تنفيذ خطتين للبيع المسبق والمزاد العلني لمختلف قطع العملات المعدنية للبنك المركزي خلال الأسبوع المقبل.
مزادات البنك المركزي
في خطوة استراتيجية تشبه لعبة شطرنج اقتصادية، أعلن البنك المركزي عن برنامج مزاد العملات وبيعها المسبق، الذي يُتوقع أن يلعب دورا حاسما في تفريغ فقاعة الأسعار، سيُعقد المزاد السادس والثمانون يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025، مع بدء البيع المسبق بتاريخ تسليم 19 يناير/كانون الثاني 2026 ستُدفع الرسوم يوم الثلاثاء 28 أكتوبر/تشرين الأول 2025، مع حد أقصى للشراء يبلغ 5 قطع لكل مزاد، وسقف سنوي قدره 20 قطعة لكل رمز وطني.
العملات المعروضة هي تلك المسكوكة بين عامي (2007 و2008) من قبل البنك، والتسجيل متاح عبر نظام market.ice.ir للإيرانيين فوق 18 عاما.. أصغر بالسيني، المتحدث باسم مركز الصرافة الإيراني، أكد أن هذه الإجراءات ستساعد في تقليل التقلبات، مشيرا إلى تجارب سابقة أدت إلى انخفاض الأسعار بنسبة تصل إلى 10% في أسابيع قليلة، كما أضافت تقارير من Islamic Finance News أن الحكومة أصدرت توجيهاً في سبتمبر/أيلول 2025 لتنظيم سوق العملات المشفرة، بما في ذلك رقابة على المنصات وحدود صارمة على المعاملات.
سياسات العملات المشفرة
مع تزايد الاعتماد على العملات المشفرة كوسيلة للتحايل على العقوبات، أعلن نائب مدير النقد الأجنبي في البنك المركزي، علي رضا غاتشبازاده، عن حزمة سياسات جديدة تشمل رقابة صارمة على بورصات الكريبتو، وقيود على شراء وحيازة عملة “تيثر” يُسمح الآن لكل فرد بشراء 50,000 ريال من العملة الرقمية المشفرة والأكثر شهرة في إيران كحد أقصى، والاحتفاظ بما يعادل 1,000,000 ريال في المحفظة، هذه القيود، كما يقول غاتشبازاده، ليست عشوائية بل أداة لإدارة المخاطر، خاصة مع إمكانية حظر الحسابات الإيرانية من قبل الشبكات الدولية.
في فبراير/شباط 2025، أعلنت الحكومة عن سقوف جديدة على معاملات الستابلكوينز، وسط عودة عقوبات الأمم المتحدة، كما ذكرت تقارير من Al Jazeera، كما أجرت البنك محادثات مع قطاعي الصلب والبتروكيماويات لزيادة الصادرات، وضخ أكثر من 300 مليون دولار (أي حوالي 12,600 تريليون ريال بناءً على سعر رسمي 42,000 ريال للدولار) في القطاعات الطارئة، هذا الضخ شمل زيادة المعروض في “القاعة الثانية” لمركز الصرافة، مما يتيح للمستوردين شراء الأوراق النقدية مباشرة من البنوك.
التأثيرات الاقتصادية والتوقعات المستقبلية
يعتقد الخبراء أن هذه الإجراءات لن ترسل إشارة عرض فحسب، بل ستعزز الطلب أيضا، خاصة مع تسهيلات الجمارك لتخليص البضائع بموجب شروط ائتمانية تصل إلى 90 يوما، في ساحة الفردوسي، يرى التجار أن هذا الهدوء مؤقت، لكنهم يقدرون دور البنك في منع ارتفاعات أكبر، أما في سوق الذهب، فيأمل الناشطون أن يؤدي المزاد إلى سلوك أكثر عقلانية، ومع ذلك، تحذر تقارير من SpecialEurasia أن التنظيمات الجديدة في يناير/كانون الثاني 2025، بما فيها منح المنصات وصولا حكوميا إلى بيانات المستخدمين، قد تقلل من الثقة في السوق.
وبناء على ذلك، يرى الخبراء أنه على الرغم من أن البنك المركزي استعد لدخول ظروف جديدة مع سيناريوهات مختلفة ووضع تدابير للسيطرة على سوق الصرف الأجنبي وتلبية احتياجات البلاد، فإن استمرار صمود الاقتصاد الإيراني يتطلب إصلاحات أعمق في هياكل الحوكمة وتعزيز القطاع الخاص، وهي قضية أثيرت دائما كشرط أساسي لنجاح سياسات الصرف الأجنبي قصيرة الأجل.
وبشكل عام، يرى الخبراء الاقتصاديون أن برامج البنك المركزي ستلعب دورا رئيسيا في تخفيف آثار تفعيل آلية “الزناد” من خلال سلسلة من الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي، بما في ذلك تخصيص النقد الأجنبي للصناعات والسلع الأساسية، وزيادة المعروض في القاعة الثانية، وتسهيل تخليص البضائع، ومراقبة العملات المشفرة، تسعى إيران إلى تعزيز قدرة اقتصادها على الصمود في وجه الضغوط الخارجية.
ويرى الخبراء أنه إذا رافقت هذه الإجراءات تعزيز الإنتاج المحلي، وإصلاح الهيكل الاقتصادي، ودعم القطاع الخاص، فسيتم الحد من آثار العقوبات وآلية تفعيلها، وسيسير اقتصاد البلاد على طريق الاستقرار والتنمية.
في النهاية، يبقى الاقتصاد الإيراني في 2025 على مفترق طرق: إما انتعاش مع انكماش الفقاعة، أو استقرار تحت ضغط السياسات التنظيمية.
هذا الهدوء النسبي الحذِر قد يكون بداية لفصل جديد، حيث يتحول التوتر إلى فرصة للإصلاح.

