وحدة الصف الإيراني في ميزان “التقوى السياسية”… قراءة في رسائل مجتبى خامنئي وتحذيرات الانقسام البرلماني والإعلامي

كتب: الترجمان

في لحظة تاريخية وسياسية بالغ الحساسية، ومع اشتداد التحديات الإقليمية والدولية التي تواجهها إيران، برزت الرسالة الأخيرة للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي، بمناسبة الذكرى السنوية لتأسيس البرلمان وانطلاق العام الثالث من الدورة البرلمانية الـ 12، كوثيقة سياسية وأخلاقية تتجاوز في أبعادها مجرد التهنئة البروتوكولية المعتادة. لقد وضعت هذه الرسالة النخبة السياسية بجميع أطيافها أمام مرآة مسؤولياتها التاريخية، محذرة من “داء الانقسام” والشرذمة السياسية التي تفتك بالنسيج الوطني، ومعتبرة أن الحفاظ على الانسجام حول راية إيران الإسلامية هو أحد أسمى مصاديق “التقوى الفردية والجماعية”.

“خارطة الطريق” القيادية والتحذير من المخططات العمياء

جاءت رسالة المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي الموجهة إلى أعضاء البرلمان لترسم خطة عمل واضحة المعالم للمرحلة القادمة، حيث ركزت بشكل أساسي على مفهوم الوحدة الوطنية باعتباره صمام الأمان الوحيد للبلاد. وجاء في نص الرسالة المؤثرة:

“إن من جملة مصاديق التقوى، مراعاة النعمة العظيمة المتمثلة في الوحدة الوطنية والانسجام المنقطع النظير الذي وُهب للأمة البعيثة حول راية إيران الإسلامية، وهو ما يعد من أهم عوامل النصر في مواجهة الشيطان الأكبر”.

وفي ظل ظروف معقدة تتداخل فيها الضغوط المعيشية مع التهديدات الأمنية، وجه مجتبى خامنئي إنذارا شديد اللهجة للبرلمانيين والمثقفين والنخب الفكرية بضرورة “شكر هذه الموهبة عبر صيانة هذه الوحدة، والابتعاد التام عن الاختلافات السياسية الجوفاء، والامتناع عن تضخم وتبريز الفوارق الاجتماعية”. 

ولم يكن هذا الخطاب مجرد نصائح إنشائية، بل كان بمثابة قراءة استشرافية دقيقة لتحركات الأعداء، حيث أوضح في رسالته أن “المخطط الأعمى للعدو بعد الحرب المفروضة والضغوط الاقتصادية والحصار الدبلوماسي والإعلامي، يرتكز على إيجاد التفرقة والتجزئة الاجتماعية لتعويض هزائمه النكراء في الميدان العسكري ولإركاع هذه الأمة الشامخة”.

بناء على هذا التشخيص، طالب مجتبى خامنئي كل “فدائي” ينبض قلبه للإسلام والثورة، أو يحمل هما لاستقلال وشموخ إيران، بأن يهتم أكثر من أي وقت مضى بحراسة وحدة الصفوف المنسجمة والمترابطة، وألا يسمح بتحويل “الاختلافات غير المبررة، بل وحتى الاختلافات المبررة، إلى تنازع وتفرقة”، وأن يكون الجميع قولا وعملا مظهرا حيا لانسجام الأمة وتلاحم الشعب.

Image

انتقاد حاد لـ “أدبيات التخريب” وحروب التصنيف

في قراءة برلمانية واعية لمضامين رسالة المرشد الأعلى، أكد كمال حسين بور، النائب في البرلمان، أن رسالة المرشد تحمل مضامين واضحة ومباشرة يجب ألا يتغافل عنها أحد. وفي حوار مطول ومستفيض مع وكالة “خبر أونلاين”، رفض حسين بور محاولات البعض حصر الرسالة في أشخاص بأعينهم بهدف تعميق الخلاف، قائلا: “إذا قمت بتحديد أسماء معينة وزعمت أن الرسالة موجهة ضدهم، فإنني بذلك أساهم مجدداً في خلق نفس الدوقطبي (الاستقطاب الثنائي) الذي نهى عنه القائد، وهذا بحد ذاته يؤدي إلى إثارة الاختلاف بين النواب”.

ومع ذلك، لم يتوانَ حسين بور عن وضع إصبعه على الجرح السياسي، مستعرضا المصاديق الحقيقية التي عناها الخطاب. وأوضح أن التحذير يتوجه بشكل خاص إلى أولئك الذين “يحولون الاختلافات الفنية إلى صفوف مواجهة سياسية حادة ونهش مستمر”. وانتقد بشدة السلوكيات السائدة على بعض المنصات، مضيفا بلهجة حازمة:

“للأسف، نرى الكثيرين عندما يتحدثون خلف المنابر، أو في ميادين المدن، يستبدلون النقد المستدل والموضوعي بأدبيات تخريبية وهدامة ضد بعضهم البعض وضد باقي السلطات في البلاد”.

وأشار النائب إلى خطورة تقسيم الساحة الداخلية عبر معايير إقصائية، موضحا أن “طرح مسائل وقضايا البلاد في قالب ثنائيات مثل (ثوري وغير ثوري) أو (موافق ومعارض للنظام) هو أمر يضر بالجميع بلا استثناء؛ فهو يمس الأغلبية والأقلية على حد سواء، ويستهدف موافقي الحكومة ومنتقديها دون فرق”. 

واختتم حسين بور حديثه بالتأكيد على أن البرلمان يجب أن يظل مكانا لـ “تضارب الآراء” الكارشناسية التي تثري القوانين، وليس ساحة لتوليد الشقوق السياسية. ووجه عتباً شديدا لمن يشنون هجمات مستمرة على أركان الدولة بالقول: “هناك أطراف تهاجم الحكومة، والمجلس الأعلى للأمن القومي، ورئيس البرلمان، رغم أن هؤلاء الأفراد يخدمون البلاد خالصاً بصدق. أنا شخصيا لم أصوت لحكومة بزشكيان في الانتخابات، لكن الرجل يعمل ويخدم بكل طاقته الآن، وعلينا جميعا كبرلمانيين ألا نلعب في ملعب العدو”.

Image

كشف إشارات العدو وتفنيد “أكاذيب” إقصاء بزشكيان

وفي سياق متصل، وعبر منبر وكالة أنباء “إيلنا“، خرج النائب حميد رضا كودرزي، بتصريحات نارية ونقد لاذع وجهه للأقلية الصاخبة التي تحاول تعكير صفو الاستقرار السياسي في البلاد. كودرزي بدأ حديثه بتقديم اعتذار صادق وحار لموكليه وللشعب الإيراني عموما، ولا سيما في محافظة لرستان، بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة وموجة الغلاء التي “طحنت عظام المواطنين وسحقت كاهلهم في مجالات الغذاء والدواء”، لكنه سرعان ما ربط جزءا كبيرا من هذه المشاكل بـ “سلوكيات وتصريحات عمالة أو فئات تتحدث بأكثر مما ينبغي، وبات من غير الواضح إطلاقاً من أين يستمدون خطوطهم الفكرية والسياسية، أمن داخل البلاد أم من خارجها؟”.

كودرزي أكد أن هؤلاء الأفراد يمثلون قلة محدودة للغاية لا تتجاوز ثلاثة أو أربعة أشخاص، وهم لا يعبرون إطلاقاً عن رأي إجمالي نواب البرلمان البالغ عددهم 290 نائباً. وأعرب عن أسفه الشديد لأن هذه المجموعة “لم تتوافق منذ اليوم الأول لدخولنا البرلمان مع باقي النواب ولا مع رؤساء السلطات الثلاث، سواء رئيس الجمهورية أو رئيس البرلمان أو رئيس السلطة القضائية.

فجر كودرزي جام غضبه على المزايدات السياسية التي تطال الوفاق الوطني، مفندا الشائعة التي روجها أحد النواب في تجمع شعبي وزعم فيها أن رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان ضغط على مؤسسة الإذاعة والتلفزيون لمنع بث تصريحات “القائد الشهيد” المعادية لأمريكا والمتعلقة بالمفاوضات. وقال كودرزي بكل وضوح:

“إن أكبر كذبة في العالم هي نقل الأخبار منقوصة ومبتورة. بزشكيان لم يطالب أبدا بعدم بث تصريحات المرشد الأعلى السابق بل إن كل ما قاله وطالب به هو: “بثوا خطابات وكلمات القائد الشهيد كاملة ومستمرة بشأن المفاوضات، ولا تقطعوا منها أجزاءً صغيرة وتجتزئوها من سياقها لتوظيفها ضد الحكومة”

وحذر كودرزي في ختام تصريحه من استغلال التجمعات الشعبية ومشاعر الناس في الشارع لشن هجمات غير منصفة وصلت إلى حد التجريح بـ “قادة الحرس الثوري مؤكدا أن دخان هذه الفتن سيصيب عيون الجميع إذا لم يثب هؤلاء إلى رشد وعقلانية العمل السياسي.

Image

صحيفة “خراسان”.. الرد الحازم 

لم تقتصر ردود الفعل على الأروقة البرلمانية، بل امتدت لتشمل الصحافة الأصولية المحافظة التي أبدت امتعاضا شديدا من محاولات تقويض الاستقرار. وضمن هذا السياق، نشرت صحيفة “خراسان” مقالا تحليليا حادا، أعادت نقله كبريات الصحف مثل “دنياي اقتصاد”، هاجمت فيه بضراوة ما أسمته “دار وبند” (عصابة أو زمرة) المصالح الضيقة. وجاء في مقال الصحيفة الأصولية:

ووصف المقال هؤلاء الأفراد بأنهم “مدعو الفهم القاصر والجهلة الذين يبحثون عن كسب وتجارة رخيصة في الفضاء الافتراضي، ويفتقدون لأي بصيرة تتيح لهم إدراك مصالح ومنافع البلاد العليا”. ونقلت الصحيفة شهادات حية وموثقة عن قادة عسكريين كبار من الشهداء الذين قادوا المعارك، قائلين: “نشهد الله أن بزشكيان كان طوال أيام الحرب والتصعيد العسكري يتصل بنا شخصياً وبشكل مستمر ويومي، مؤكدا لنا أن كل طاقات وإمكانيات الحكومة وضعت تحت تصرف القوات المسلحة، ومطالبا إيانا بإبلاغه بأي نقص أو دعم تحتاجه الجبهات ليوفرّه فوراً ودون أي إبطاء”.

كما أبرزت الصحيفة الدعم الحكومي اللامحدود للقوات المسلحة، مؤكدة أن الحكومة الحالية  بقيادة بزشكيان لم تضع أي عائق أو اختلال أمام البرنامج الإقليمي والدفاعي لإيران. واستنكرت الصحيفة بقوة الهجمات الممنهجة وغير المنصفة التي تعرض لها رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف.

وأوضحت الصحيفة أن وجود اختلافات في وجهات النظر أثناء مرحلة صنع القرار والتداول بين المسؤولين هو أمر طبيعي وصحي، ولكن بمجرد أن يتمخض النقاش عن تدبير وقرار نهائي يعلنه المرشد الأعلى، فإن الجميع يتحرك بصرامة داخل ذلك الإطار المنضبط. 

Image

خاتمة وآفاق مستقبلية في ضوء “التقوى السياسية”

استقراء تفاصيل المشهد الإيراني الحالي، عبر قراءة رسالة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي وتصريحات النواب كمال حسين بور وحميد رضا كودرزي وتحليلات الصحافة الوطنية، يظهر بشكل جلي أن البلاد تخوض صراعا داخليا لا يقل ضراوة عن معاركها الخارجية؛ إنه صراع من أجل حماية “العقلانية السياسية” والانسجام الوطني في مواجهة موجات التطرف اللفظي والإقصاء الفكري.

لقد وضع المرشد الأعلى معيارا واضحا لا لبس فيه: الالتزام الحقيقي بالنهج الثوري لا يقاس برفع الشعارات الراديكالية الصاخبة أو بتخوين الشركاء في الوطن على المنابر وفي ميادين المدن، بل يظهر من خلال القدرة على صيانة وحدة الصف وحل الأزمات المعيشية والاقتصادية الخانقة التي تواجه المواطنين، مثل كبح التضخم وإصلاح البرنامج السابع للتنمية وإعادة إعمار ما خلفته الحروب المفروضة. 

إن تماسك وتكامل السلطات (الحكومة، والبرلمان، والقوات المسلحة) هو الصخرة التي تتحطم عليها مؤامرات “الشيطان الأكبر”، وتطبيق مفهوم “التقوى السياسية” التي دعا إليها المرشد الأعلى يظل الممر الإلزامي والوحيد لبناء إيران قوية ومستقرة وقادرة على توجيه التاريخ نحو مساره الصحيح.