- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 11 Views
تواجه إيران واحدة من أكثر الأزمات الاجتماعية والاقتصادية تعقيدا في تاريخها الحديث، في وقت تتراجع فيه معدلات الزواج والإنجاب بصورة مقلقة، بينما ترتفع معدلات الشيخوخة والعزوبة الدائمة، وسط تحذيرات متزايدة من دخول البلاد ما يعرف بالثقب الأسود السكاني. وفي مواجهة هذا المشهد، تحاول الحكومة الإيرانية الاعتماد على منظومة من القروض والتسهيلات المالية لتشجيع الشباب على الزواج وتكوين الأسر، غير أن هذه التسهيلات نفسها أصبحت، بالنسبة لكثير من الإيرانيين، عبئا اقتصاديا طويل الأمد، لا سيما مع التضخم الحاد وتدهور القوة الشرائية وارتفاع تكاليف الحياة.
وبينما تروج السلطات لقروض الزواج والإسكان والإنجاب باعتبارها أدوات لإنقاذ المستقبل الديموغرافي للبلاد، يرى كثير من الخبراء أن الأزمة أعمق من أن تحل عبر القروض وحدها، خصوصا في ظل ارتفاع معدلات البطالة، وأزمة السكن، وتراجع الأمل بالمستقبل لدى فئة الشباب.
قروض الزواج والسكن والإنجاب… أرقام ضخمة وأقساط أطول من أحلام الشباب
تعد قروض الزواج في إيران أبرز أدوات السياسة السكانية التي تعتمد عليها الدولة لمواجهة تراجع معدلات الزواج والإنجاب. ووفق النظام المعمول به حاليا، يحصل كل من الزوجين على قرض زواج بقيمة ثلاث مليارات ريال إيراني، أو نحو 1764 دولارا أميركيا، ليرتفع مجموع القرض للزوجين إلى ست مليارات ريال، بما يعادل نحو 3529 دولارا.

أما إذا كان عمر العروس أقل من 23 عاما والعريس أقل من 25 عاما، فإن قيمة القرض ترتفع إلى 3.5 مليارات ريال لكل طرف، أو ما يقارب 2058 دولارا، ليصل إجمالي القرض إلى سبع مليارات ريال إيراني، بما يوازي نحو 4117 دولارا.
هذا فيما يمنح قرض شراء جهاز العروس بقيمة تتراوح بين ثلاثة وخمسة مليارات ريال، أو ما يعادل بين 1764 و2941 دولارا. كما يصل قرض وديعة السكن في طهران إلى 3.65 مليارات ريال، أو نحو 2147 دولارا، بينما يبلغ في مراكز المحافظات 2.8 مليار ريال، أو نحو 1647 دولارا، وفي المدن الصغيرة 1.85 مليار ريال، أو نحو 1088 دولارا، وفي القرى 750 مليون ريال، أو نحو 441 دولارا.
أما قرض شراء المسكن عبر سندات التسهيلات، فقد يصل إلى عشرة مليارات ريال إيراني للزوجين معا، أو نحو 5882 دولارا أميركيا. غير أن الحصول على هذا القرض يتطلب شراء سندات مصرفية مسبقا بقيمة تقارب 850 مليون ريال، أو نحو 500 دولار، وهي كلفة غير قابلة للاسترداد.
وتمنح هذه القروض بنسب فائدة متفاوتة، فقرض الزواج يحمل عمولة 4% مع فترة سداد تمتد إلى عشر سنوات، بينما تصل فائدة قرض شراء السلع ووديعة السكن إلى 23%، فيما تبلغ فائدة قرض شراء المسكن 18%.

وتكشف الأرقام الرسمية أن الأقساط الشهرية لقرض الزواج العادي تبلغ نحو 27.27 مليون ريال للفرد، أو نحو 16 دولارا شهريا. أما القرض الأعلى المخصص لصغار السن فتبلغ أقساطه نحو 31.81 مليون ريال، أو نحو 18.7 دولارا شهريا.
وفي حال حصول الزوجين معا على قرض الزواج العادي، فإن مجموع الأقساط الشهرية يصل إلى 54.56 مليون ريال، أو نحو 32 دولارا شهريا لمدة عشر سنوات، بينما ترتفع إلى 66.34 مليون ريال، أو نحو 39 دولارا، إذا حصل الزوجان على القرض الأعلى.
أما أقساط قرض شراء السلع الأعلى فتصل إلى 261.86 مليون ريال، أو نحو 154 دولارا شهريا، بينما تبلغ أقساط القرض الأقل نحو 157.11 مليون ريال، أو نحو 92 دولارا.
وفيما يتعلق بقرض وديعة السكن، فإن القسط الشهري لقرض طهران يصل إلى 102.89 مليون ريال، أو نحو 60.5 دولارا شهريا، بينما تبلغ أقساط القرض في مراكز المحافظات 78.93 مليون ريال، أو نحو 46 دولارا، وفي المدن الأخرى 52.15 مليون ريال، أو نحو 30.6 دولارا، وفي القرى 21.14 مليون ريال، أو نحو 12.4 دولارا. أما أقساط قرض شراء المسكن فتصل إلى 90.09 مليون ريال، أو نحو 53 دولارا شهريا للقرض المتوسط، بينما تصل إلى 180.18 مليون ريال، أو نحو 106 دولارات شهريا للقرض الأعلى.
وتكشف هذه الأرقام أن الجمع بين قروض الزواج والسكن والإنجاب قد يفرض على الأسرة الإيرانية الشابة أقساطا شهرية تتجاوز 260 مليون ريال، أو أكثر من 153 دولارا شهريا، في بلد يعاني من تضخم مرتفع وتراجع مستمر في قيمة العملة المحلية.
الزواج المؤجل… الاقتصاد يدفع الإيرانيين بعيدا عن تكوين الأسرة
لا يمكن فهم تراجع معدلات الزواج والإنجاب في إيران من دون النظر إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، فتكاليف الزواج نفسها أصبحت بالنسبة إلى كثير من الشباب الإيراني مشروعا شبه مستحيل.
وتشير التقديرات إلى أن إقامة حفل زفاف بسيط في طهران لـ 200 شخص تبدأ تكلفته من ثلاث مليارات ريال، أو نحو 1764 دولارا، وقد تصل إلى عشرات المليارات من الريالات. كما تبدأ تكلفة ملابس العروس والعريس من 300 مليون ريال، أو نحو 176 دولارا، بينما تتراوح تكاليف التصوير وصالونات التجميل بين 150 مليونا ومليار ريال، أو ما بين 88 و588 دولارا.

أما تجهيز المنزل، فيتطلب بدوره مبالغ ضخمة. فشراء الأجهزة الكهربائية الأساسية مثل الثلاجة والغسالة والموقد قد يكلف نحو 1.8 مليار ريال، أو نحو 1058 دولارا. كما تبلغ تكلفة مستلزمات النوم الأساسية نحو 400 مليون ريال، أو نحو 235 دولارا، بينما تصل تكلفة أدوات المطبخ الأساسية إلى 250 مليون ريال، أو نحو 147 دولارا.
ويضاف إلى ذلك سعر سجادة بسيطة بنحو 400 مليون ريال، أو نحو 235 دولارا، وتلفزيون بقيمة 300 مليون ريال، أو نحو 176 دولارا، ليصل الحد الأدنى من تكاليف تجهيز المنزل إلى نحو 3.5 مليارات ريال، أو ما يزيد على 2058 دولارا، من دون احتساب الأثاث أو غرفة النوم أو أدوات التنظيف.
هذا الواقع الاقتصادي انعكس مباشرة على مؤشرات الزواج في البلاد. فبعد أن سجلت إيران عام 1389 نحو 891 ألف حالة زواج، انخفض الرقم في عام 1404 إلى نحو 430 ألف حالة فقط، أي بتراجع يقارب 50%.

وفي المقابل، ارتفع عدد العازبين بصورة لافتة، ووفق الإحصاءات الرسمية، يوجد في إيران أكثر من 18.7 مليون شخص لم يسبق لهم الزواج، بينهم أكثر من 10 ملايين رجل، ونحو 8.5 ملايين امرأة. كما تشير البيانات إلى وجود ما لا يقل عن مليون شخص تجاوزوا سن 45 عاما من دون زواج، فيما يعرف بظاهرة العزوبة النهائية.
كما ارتفع متوسط سن الزواج بصورة واضحة، إذ بلغ 28.3 عاما للرجال و24.1 عاما للنساء، مع تسجيل طهران أعلى معدلات سن الزواج في البلاد.
ويرى خبراء علم الاجتماع أن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضا بتغير القيم الاجتماعية ونظرة الأجيال الجديدة إلى الزواج والإنجاب، في ظل غياب الاستقرار الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة وتراجع الثقة بالمستقبل.
إيران على حافة الثقب الأسود السكاني
تبدو الأزمة السكانية اليوم واحدة من أخطر التحديات التي تواجه إيران، إذ تشير المؤشرات الديموغرافية إلى أن البلاد تتجه تدريجيا نحو مرحلة الشيخوخة والانكماش السكاني. ووفق الإحصاءات الرسمية، انخفض معدل الخصوبة في إيران من نحو سبعة أطفال لكل امرأة في ثمانينيات القرن الماضي إلى أقل من 1.4 طفل حاليا، وهو معدل أقل بكثير من مستوى الإحلال السكاني البالغ 2.1 طفل لكل امرأة، وفي عام 2025 سجل نحو 892 ألف مولود فقط، مقابل نحو 450 ألف حالة وفاة، ما يعني أن صافي الزيادة السكانية بلغ نحو 450 ألف شخص فقط، بمعدل نمو لا يتجاوز نصف بالمئة سنويا.

ويحذر خبراء السكان من أن استمرار هذا الاتجاه سيقود إيران خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة إلى الوصول إلى الصفر السكاني، قبل الدخول في مرحلة النمو السلبي، حيث يصبح عدد الوفيات أكبر من عدد المواليد.
وفي إيران، ترتبط الأزمة السكانية مباشرة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. فالشباب الذين يعجزون عن شراء منزل أو تأمين وظيفة مستقرة أو حتى دفع تكاليف الحفاضات وحليب الأطفال، يجدون أنفسهم غير قادرين على اتخاذ قرار الإنجاب.
وتشير التقديرات إلى أن تكلفة حليب الأطفال وحده قد تتجاوز 30 مليون ريال شهريا، أو نحو 17.6 دولارا شهريا، في حين ترتفع أسعار الحفاضات وسائر مستلزمات الأطفال بصورة متواصلة، كما أن أزمة العقم تمثل تحديا إضافيا، إذ تشير التقديرات الرسمية إلى أن ما بين 15 و20% من الأزواج الإيرانيين يعانون من مشكلات في الإنجاب، بينما تبقى تكاليف العلاج مرتفعة ونسب النجاح محدودة.

وفي مواجهة هذه الأزمة، أطلقت الحكومة الإيرانية قانون شباب السكان الذي يتضمن حوافز مالية وقروضا وإعفاءات مختلفة لتشجيع الزواج والإنجاب، غير أن تقارير رسمية تؤكد أن نحو 30% فقط من بنود القانون دخلت حيز التنفيذ.
ويرى خبراء أن إنقاذ إيران من الثقب الأسود السكاني يتطلب أكثر من مجرد قروض مالية، بل يحتاج إلى إصلاحات اقتصادية عميقة تعيد الثقة بالمستقبل، وتوفر فرص العمل والسكن والاستقرار الاجتماعي للشباب.
ففي النهاية، لا يمكن لأي مجتمع أن يرفع معدلات الزواج والإنجاب بينما يشعر شبابه بأن المستقبل أكثر غموضا وكلفة من الحاضر. وبين محاولات الدولة لإنقاذ المؤشرات السكانية، ومخاوف الشباب من الغرق في الديون، تقف إيران اليوم أمام مفترق طرق ديموغرافي قد يحدد شكل المجتمع الإيراني لعقود طويلة مقبلة.

