المقترح الأمريكي الجديد لطهران.. مفاوضات معقدة بين النووي وهرمز والضمانات السياسية

مقترح أمريكي جديد يرسل إلى طهران يمثل أحدث حلقات التجاذب السياسي المعقد بين الولايات المتحدة وإيران منذ وقف إطلاق النار الذي أنهى المواجهة العسكرية الأخيرة قبل نحو شهرين، وهي المواجهة التي أعادت رسم كثير من موازين القوة والاشتباك في المنطقة، من الخليج إلى لبنان. فمنذ توقف العمليات العسكرية، لم تنجح الاتصالات السياسية والوساطات المتعددة في الوصول إلى اتفاق نهائي، بل تحولت المفاوضات إلى مسار طويل من تبادل الرسائل والمقترحات والتعديلات المتبادلة، وسط استمرار التوترات الإقليمية وتداخل الملفات الأمنية والعسكرية.

 وفي هذا السياق، برز الرد الأمريكي الجديد بوصفه محاولة لإعادة صياغة أسس التفاهم المحتمل مع إيران، عبر إدخال تعديلات تتعلق بالبرنامج النووي، ومستقبل مضيق هرمز، والترتيبات المالية والسياسية المرتبطة بما بعد الحرب. غير أن المؤشرات الصادرة من طهران توحي بأن الهوة بين الطرفين لا تزال واسعة، وأن المقترح الأمريكي، رغم ما حمله من تغييرات، لم ينجح بعد 

تعديلات ترامب.. تشدد نووي وحسابات سياسية ومالية

تشير التقارير أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعاد صياغة المقترح الأمريكي المرسل إلى طهران، ذلك بعد اجتماع مطول عقده مع مستشاريه، في خطوة عكست رغبة واشنطن في تشديد شروط الاتفاق المقترح، خصوصا فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والترتيبات السياسية والأمنية المرتبطة بالمرحلة المقبلة. ووفق ما نقلته شبكة CNN عن مسؤولين أمريكيين، فإن ترامب أصر على اعتماد لغة أكثر صرامة فيما يخص الالتزامات النووية الإيرانية، بالتوازي مع إدخال تعديلات تتعلق بمضيق هرمز والقضايا المالية المرتبطة بأي تفاهم محتمل مع طهران.

Image

وبحسب التسريبات الأمريكية، فإن ترامب لا يزال يتمسك بفكرة السيطرة على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب والتخلص منه، رغم أن طهران تؤكد باستمرار أن هذا الملف لا يزال خارج نطاق التفاوض المباشر. كما تشير المعطيات إلى أن الرئيس الأمريكي أبدى تشددا واضحا تجاه أي صيغة قد تمنح إيران مكاسب مالية كبيرة، خشية أن ينظر إلى الاتفاق الجديد باعتباره نسخة معدلة من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما.

وتكشف التصريحات الأمريكية أن ترامب ينظر بحساسية شديدة إلى الجانب المالي في المفاوضات، إذ أعرب، وفق وسائل إعلام أمريكية، عن مخاوفه من إدراج ترتيبات مالية أو تعويضات يمكن أن تفسر داخليا على أنها منح أموال لطهران، وهو الملف الذي استخدمه لسنوات في انتقاد الاتفاق النووي السابق والسخرية منه باعتباره اتفاقا ضعيفا منح إيران امتيازات واسعة دون مقابل كاف.

Image

كما شملت التعديلات الأمريكية تشديدا يتعلق بمضيق هرمز، إذ تصر واشنطن على تضمين تعهدات واضحة تضمن إعادة فتح المضيق أمام الملاحة الدولية ومنع أي تهديد مستقبلي لحركة الطاقة والتجارة العالمية، خصوصا بعد التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة. ويبدو أن الإدارة الأمريكية تحاول ربط الملف النووي بالترتيبات الأمنية الإقليمية، في إطار رؤية أوسع تتجاوز حدود الاتفاقات النووية التقليدية.

في المقابل، تشير المعطيات الواردة من طهران إلى أن هذه التعديلات الأمريكية لم تقنع الجانب الإيراني حتى الآن، وأن المؤسسات الإيرانية المعنية لا تزال تدرس النص الأمريكي الجديد وسط توقعات بإجراء تعديلات إضافية عليه. كما تعكس المواقف الإيرانية استمرار فجوة الثقة بين الطرفين، في ظل تمسك كل جانب بشروطه الأساسية ومحاولته توظيف نتائج المواجهة العسكرية الأخيرة لتحسين موقعه التفاوضي.

مضيق هرمز.. الورقة الجيوسياسية الحاضرة بقوة

إلى جانب الملف النووي، برز مضيق هرمز باعتباره أحد أهم الملفات المطروحة في المقترح الأمريكي الجديد، بل ربما الورقة الأكثر حساسية في المفاوضات الحالية. فقد أكد أعضاء في الفريق التفاوضي الإيراني أن الخلافات لا تزال قائمة حول مستقبل إدارة المضيق، وأن إيران تتمسك بأن تبقى الإدارة إيرانية بالكامل.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الولايات المتحدة تعتبر إعادة فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة الدولية فيه أحد الأهداف الرئيسية للمفاوضات الحالية، خصوصا بعد التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، وما ترتب عليها من اضطراب في حركة التجارة والطاقة العالمية.

وفي هذا السياق، ذكرت تقارير إعلامية إسرائيلية، أبرزها ما نشرته صحيفة هآرتس، أن قضية تخصيب اليورانيوم لم تعد المحور الرئيسي للمفاوضات كما كان الحال في السابق، وأن التركيز تحول بدرجة أكبر نحو ملف مضيق هرمز والتعويضات المالية المرتبطة بالحرب الأخيرة. وذهبت الصحيفة الإسرائيلية إلى حد القول إن المقترحات الجديدة تسعى عمليا إلى إعادة فتح المضيق أمام الملاحة الدولية وتعويض إيران عن خسائر الحرب، دون الدخول المباشر في صلب الخلافات النووية التقليدية.

Image

هذا التحول يعكس، بحسب مراقبين، إدراكا أمريكيا متزايدا لأهمية الورقة الجيوسياسية التي تمتلكها إيران في منطقة الخليج، وخاصة قدرتها على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. وقد أشار محمود صادقي في حديثه عن تطورات المواجهة الأخيرة إلى أن إيران اعتمدت خلال الحرب استراتيجية “الحرب غير المتكافئة”، مستفيدة من موقعها الجغرافي في مضيق هرمز، وهو ما اعتبره ورقة رابحة ساهمت في تغيير موازين القوى ودفع الأطراف الأخرى نحو القبول بوقف إطلاق النار.

كما يرى مراقبون أن إدراج ملف مضيق هرمز بهذا الشكل المكثف في المفاوضات الحالية يعني أن واشنطن لم تعد تنظر إلى الأزمة مع إيران باعتبارها أزمة نووية فقط، بل باعتبارها أزمة أمن إقليمي وممرات استراتيجية وأسواق طاقة عالمية.

ومن هنا، يبدو أن أي اتفاق محتمل لن يقتصر على ترتيبات تخصيب اليورانيوم أو رفع العقوبات، بل سيتضمن تفاهمات أوسع تتعلق بالأمن البحري الإقليمي، وضمان تدفق التجارة والطاقة، وربما إعادة صياغة بعض قواعد الاشتباك السياسي والعسكري في المنطقة.

مفاوضات مفتوحة على التعديل.. وطهران تؤجل الرد

رغم كثافة التسريبات والتصريحات المتعلقة بالمقترح الأمريكي الجديد، تؤكد طهران حتى الآن أنها لم تقدم أي رد رسمي على ما وصلها من واشنطن عبر الوسطاء. ووفق تصريحات سعيد آجورلو، عضو الفريق الإعلامي لهيئة التفاوض الإيرانية، فإن النص الأمريكي الجديد لا يزال قيد الدراسة داخل اللجنة السداسية والمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وسط استمرار النقاشات بشأن تفاصيله السياسية والأمنية.

Image

وأشار آجورلو إلى أن احتمال إجراء تعديلات إضافية على النص لا يزال قائما، موضحا أن الأمريكيين قد يقدمون نسخا معدلة جديدة، ما يعني أن عملية التفاوض لا تزال مفتوحة، وأن المساومة على النص مستمرة حتى اللحظة. وتؤكد إيران أن ردها النهائي مرتبط بإزالة مخاوفها الأساسية، وهو تعبير يشير إلى حزمة واسعة من القضايا، تشمل الضمانات الاقتصادية، وطبيعة رفع العقوبات، وآليات تنفيذ الاتفاق، إضافة إلى الملفات الأمنية والإقليمية.

في المقابل، تبدو الإدارة الأمريكية حريصة على تجنب أي اتفاق يمكن أن يقدم داخليا باعتباره تكرارا لاتفاق باراك أوباما النووي. فقد أبدى ترامب، وفق التقارير الأمريكية، حساسية شديدة تجاه أي ترتيبات مالية قد تفسر على أنها منح أموال نقدية لطهران، وهو الملف الذي استخدمه مرارا لمهاجمة إدارة أوباما والاتفاق النووي السابق.

Image

كما تشير بعض التصريحات الإيرانية إلى أن طهران تتعامل مع المفاوضات الحالية باعتبارها مسارا طويلا وتدريجيا، وليس تسوية نهائية سريعة. فإيران، بحسب عدد من المحللين والمسؤولين، لا تبدو مستعجلة للوصول إلى اتفاق بأي ثمن، بل تسعى إلى تثبيت مكاسبها السياسية والميدانية أولا، ثم البناء عليها في أي تفاوض لاحق.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو المفاوضات الإيرانية الأمريكية أمام مفترق طرق بالغ الحساسية، فهناك رغبة واضحة لدى الطرفين في منع الانفجار الشامل، لكن في الوقت نفسه لا تزال فجوات الثقة واسعة، والخلافات الجوهرية قائمة، سواء بشأن البرنامج النووي أو مضيق هرمز أو الملفات المالية والسياسية المرتبطة بالعقوبات والحرب.

ومع استمرار تبادل الرسائل عبر الوسطاء، وتواصل عمليات تعديل النصوص والمقترحات، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة تفاوضية طويلة قد تشهد اتفاقات جزئية أو تفاهمات مرحلية قبل الوصول إلى تسوية شاملة. غير أن المؤكد حتى الآن هو أن المقترح الأمريكي الأخير كشف عن تحول واضح في أولويات التفاوض، وانتقال التركيز من الملف النووي البحت إلى معادلة أوسع تشمل الأمن الإقليمي والطاقة والممرات البحرية والتوازنات السياسية في الشرق الأوسط.

كلمات مفتاحية: