- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 11 Views
كتب: الترجمان
تشهد الساحة السياسية الإيرانية في الآونة الأخيرة تصاعدا ملحوظا في حدة التوترات بين الحكومة وممثلي التيارات المتشددة داخل البرلمان، ولم يعد هذا الخلاف محصورا في الأطر التقليدية لـ “نقد الأداء الحكومي” أو المعارضة السياسية الطبيعية، بل تجاوز ذلك إلى مرحلة متقدمة من المواجهة المباشرة.
جاء رد المقال الافتتاحي لصحيفة “إيران” الرسمية، الذي صاغه حبيب الله عباسي، مدير عام العلاقات العامة بمكتب رئيس الجمهورية، ليسلط الضوء على ما اعتبرته الحكومة “خروجا عن مدار المنافسة السياسية الشريفة”، ودخولاً في نفق منظّم يستهدف إنهاك الجهاز التنفيذي وتخريب مكانة “مؤسسة رئاسة الجمهورية” برمتها، خاصة في ظل ظروف إقليمية ودولية بالغة الحساسية والتعقيد.
مقتضيات العقل السياسي في ظروف شبه حربية
وفقا لرؤية صحيفة “إيران” الرسمية، تعيش إيران حاليا في واحدة من أدق فتراتها الأمنية والإقليمية؛ فرغم وجود حديث جاد عن وقف إطلاق النار، والمفاوضات، والسيطرة النسبية على الأزمات المحيطة، إلا أن البلاد لا تزال عمليا في حالة تشبه الأجواء الحربية.
في مثل هذه البيئة الحساسة، تقتضي الحكمة والعقلانية السياسية من جميع التيارات، ووسائل الإعلام، وأصحاب المنابر، توخي أقصى درجات الحذر والمسؤولية في إطلاق التصريحات؛ ذلك لأن الكلمة غير المحسوبة قد تؤثر سلبا ومباشرة على الرأي العام، والأمن النفسي للمجتمع، ورأس المال الاجتماعي للدولة. ومع ذلك، يبدو أن جزءاً من التيار الراديكالي لا يرى في هذه الظروف الاستثنائية ولا في المصالح الوطنية رادعا يمنعه من مواصلة مشروعه الهادف لتقويض الحكومة.

من النقد إلى التهديد.. نماذج من هجوم النواب
تستعرض الصحيفة سلسلة من المواقف والتصريحات الصادرة عن أحد نواب طهران في البرلمان كامران غضنفرى، كنموذج صارخ للانحراف عن أدبيات النقد البناء نحو لغة التهديد والاتهامات الأمنية شبه الصريحة ضد الرئيس مسعود بزشكيان. ففي مايو/أيار 2025، في أثناء محمد جواد ظريف في الحكومة، هدد هذا النائب علنا بمقاضاة رئيس الجمهورية وعزله، بل وتحدث عن عقوبة سجن تتراوح بين 10 إلى 15 عاما إذا لم يقم بزشكيان بعزل ظريف؛ وهي لغة تفتقر تماما لشرف الحوار السياسي الرفيع وتعد تهديداً سافرا لأعلى سلطة تنفيذية في البلاد.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل اتهم النائب نفسه رئيس الجمهورية لاحقا بالتهديد بالاستقالة لمنع إقرار قانون الحجاب، واستخدام الأسلوب ذاته في المجلس الأعلى للفضاء المجازي لرفع القيود عن بعض المنصات الإلكترونية.

تسييس الأزمات الطبيعية وتشبيهات “بني صدر”
امتدت الهجمات المتشددة لتتجاوز نقد الأداء التنفيذي البحت، وتصل إلى التشكيك في جدوى وجود رئيس الجمهورية نفسه في منصبه، حيث تساءل بعض نواب هذا التيار علنا عما إذا كان بقاء بزشكيان يخدم مصلحة البلاد أم لا.
وذهبت أطراف متحالفة مع هذا التوجه إلى تشبيه خطابات رئيس الجمهورية بمواقف “العناصر النفوذية” وربطه بنموذج الرئيس الأسبق “أبو الحسن بني صدر”، وهو تشبيه يحمل في الذاكرة السياسية الإيرانية دلالات ثقيلة وخطيرة للغاية.
وفي مستوى آخر من الشعبوية غير العلمية، تم استغلال القضايا الطبيعية والبيئية المعقدة مثل أزمة الجفاف والبلاد، وربطها بعبارات عاطفية بادعاء أن “الجفاف نتيجة لعدم تطبيق قانون الحجاب”، في توظيف واضح للمشاعر الدينية والاجتماعية ضد شخص الرئيس.

اتهامات السياسة الخارجية ومسألة وقف إطلاق النار
أخذ الصدام منحى أكثر خطورة وقلقا مع التصريحات الأخيرة للنائب البرلماني بشأن الحرب، ووقف إطلاق النار، والسياسة الخارجية لإيران. ولم تعد هذه التصريحات تستهدف الحكومة وحدها، بل طعنت في هيكلية وآلية صنع القرار السيادي في الدولة؛ حيث ادعى النائب أن رئيس الجمهورية قبل بوقف إطلاق النار “دون إذن القيادة العليا”، وأنه منع الهجمات العسكرية وعرقل تنفيذ الأوامر السيادية الكبرى، بل وذهب إلى حد الادعاء بأن الرئيس “أنقذ إسرائيل من الفناء”.
كما تضمنت الاتهامات منع الرد العسكري الإيراني، والتمهيد لاضطرابات اجتماعية، والتأثر بـ “تيار المساومة”، وهي اتهامات تخرج تماماً عن إطار التنافس السياسي لتدخل في نطاق إثارة القلق الأمني وتشويه الرأي العام.
تفكيك صناعة القرار السيادي في إيران
ترد الحكومة عبر وسيلتها الإعلامية بتوضيح الهيكل القانوني والدستوري للدولة؛ مؤكدة أن القرارات الكبرى المتعلقة بالحرب، والسلام، ووقف إطلاق النار، والسياسة الخارجية، ليست قرارات فردية أو شخصية يمكن اختزالها في إرادة مسؤول تنفيذي بمفرده.
وإن إيحاء تيار متشدد للجمهور بأن الرئيس يتخذ هذه القرارات بمفرده أو يعمل ضد الأركان الأساسية للنظام، يمثل تجاهلا صارخا للمؤسسات الرسمية وتضعيفا لانسجام السيادة الوطنية.
وينتج عن هذا الإيحاء المنحرف تدمير للثقة العامة وإضعاف للتضامن الوطني؛ لا سيما حين تُفسر كل دعوة للمفاوضات، أو خفض التصعيد، أو إدارة تكاليف الحرب على أنها “خوف” أو “تراجع” أو “جبن”، بدلاً من النظر إليها كضرورة وعقلانية سياسية تفرضها فنون الحكم لإدارة الأزمات وحماية البلاد من الاستنزاف الداخلي.

سلوك بزشكيان السياسي وشعار “الوفاق الوطني”
منذ الأيام الأولى لتوليه السلطة، حرص الرئيس مسعود بزشكيان على التأكيد بأن كافة القرارات الكبرى في البلاد تُتخذ بالتنسيق التام والوثيق مع الأركان الأساسية للنظام. وخلال الأشهر الماضية، وخاصة في الأيام العصيبة للحروب والالتهابات الإقليمية، ركز بزشكيان في خطاباته على مفاهيم “الوفاق الوطني”، و”الوحدة”، والتعاطف، مستخدما مصطلح “الجهاد الأكبر”.
ويعني “الجهاد الأكبر” في أدبيات الرئيس ضبط النفس السياسي، والسيطرة على مشاعر الكراهية، وتفضيل المصالح الوطنية العليا على الحسابات الحزبية الضيقة؛ بهدف منع التآكل الداخلي في وقت تواجه فيه البلاد أزمات خارجية عاتية، وهو أسلوب عقلاني يبتعد عن إثارة الاستقطاب الحاد في المجتمع.
أسباب وخلفيات الهجمات المتشددة المتجددة
تُرجع القراءة التحليلية للحكومة أسباب هذه الحملات الشرسة إلى طبيعة بقاء واستمرار التيارات المتشددة نفسها؛ فالسياسة لدى هذا التيار لا تقوم على حل المشكلات بل تتغذى على الأزمات المستمرة. وفي ظروف الاستقرار النسبي والعقلانية، تتقلص قدرة هذه التيارات على المناورة وتحريك الرأي العام عاطفيا، ويفقد خطاب القائم على الغضب والاستقطاب فاعليته.
لذلك، فإن أي تحرك تقوم به الحكومة نحو التهدئة، أو فتح باب المفاوضات، أو السيطرة على الأزمات الإقليمية، يشكل تهديدا مباشرا للوجود السياسي لهذا التيار الراديكالي؛ مما يدفعه إلى تصوير كل مفاوضات على أنها “استسلام”، وكل دعوة للوحدة على أنها “مساومة”، وكل محاولة لتقليل الخسائر على أنها “ضعف وتراجع”.
التساؤل عن سر الصمت المؤسسي والمعايير المزدوجة
يبدي الشارع الإيراني والحكومة على حد سواء قلقا بالغا ليس فقط من تصريحات هذا النائب، بل من حالة الصمت والدعم الضمني التي تحيط بهذا النوع من الخطاب المتطرف. وتطرح الصحيفة تساؤلات مشروعة حول الأسباب التي تجعل بعض المنابر والوسائل الإعلامية تضع منصاتها باستمرار تحت تصرف شخصيات لا ينتج عن حديثها سوى إثارة التوتر ودق أسافين الفرقة الاجتماعية، وتحويل بعض وسائل الإعلام في أدق الظروف إلى غرف عمليات ضد الدولة.
والأهم من ذلك، هو علامة الاستفهام حول صمت بعض الأجهزة والمؤسسات الرقابية والقضائية أمام هذا الحجم من التشويه والاتهام بالخيانة دون محاسبة؛ مما يعزز لدى الرأي العام شعورا بالتمييز وجود معايير مزدوجة في التعامل مع القوى السياسية.
ضرورة الدفاع عن مكانة مؤسسة الرئاسة
تخلص القراءة الصحفية إلى أن الدفاع عن الدكتور مسعود بزشكيان في هذه المرحلة ليس دفاعاً عن شخصه أو عن جناح سياسي بعينه، بل هو دفاع مبدئي عن مكانة وشرف “مؤسسة رئاسة الجمهورية” باعتبارها موقعا سياديا يمثل إرادة الشعب.
كما أنه دفاع عن العقلانية السياسية وحق المواطنين في امتلاك حكومة مستقرة تعمل على إنقاذ البلاد والعبور بها من واحدة من أعقد المحطات التاريخية، دون أن تقع تحت ركام دائم من الاتهامات الباطلة والعمليات النفسية الممنهجة.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه إيران اليوم لا يقتصر على إدارة الصراع الخارجي وحسب، بل يكمن في إيقاف نزيف الجبهة الداخلية الناتج عن بث الكراهية، والتطرف، وممارسة السياسة القائمة على افتعال الأزمات والالتهابات المستمرة.

مغايرة الهجمات الاستقطابية لاستراتيجيات النظام العليا
تختتم الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى التناقض الصارخ بين ممارسات هذا التيار الراديكالي وبين التوجيهات والاستراتيجيات العليا للنظام؛ حيث حظي الرئيس بزشكيان بدعم وإشادة مستمرة بالصداقة، والوطنية، والعمل الدؤوب والمكثف لصالح البلاد.
وفي السياق ذاته، تأتي التوجيهات الحالية للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي لتدعو كافة أفراد الأمة، ولا سيما النخب الفكرية والسياسية وأعضاء البرلمان، إلى صون الوحدة والابتعاد التام عن الخلافات السياسية الجوفاء وتضخيم الفوارق الاجتماعية.
وتؤكد هذه التوجيهات أن المخطط الأساسي للأعداء يرتكز على إيجاد الفرقة والتمزق الاجتماعي لتعويض إخفاقاتهم في الميادين الأخرى، مما يفرض على الجميع قولاً وعملاً أن يكونوا مظهراً للانسجام والتماسك الوطني، وعدم تحويل الاختلافات إلى تنازع وتفرقة تضعف من قوة الدولة في مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية المفروضة عليها.

