تصدعات داخل المعسكر الأصولي الإيراني… شريعتمداري يشعل مواجهة حول هرمز والمفاوضات

تشهد الساحة السياسية الإيرانية في الأشهر الأخيرة تصاعدا لافتا في حدة السجالات داخل التيار الأصولي، على خلفية الحرب الأخيرة، والمفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، والتطورات المرتبطة بمضيق هرمز. فبعد سنوات من هيمنة خطاب موحد نسبيا داخل المعسكر الأصولي، بدأت الخلافات تظهر بشكل أكثر علنية، سواء بين المتشددين أنفسهم أو بينهم وبين التيارات المحافظة المعتدلة والإصلاحية. وقد تحولت تصريحات رئيس تحرير صحيفة كيهان حسين شريعتمداري، التي انتقد فيها البرلمان والقوات البحرية وفريق التفاوض الإيراني، إلى نقطة اشتعال جديدة كشفت حجم التباينات داخل النظام السياسي الإيراني بشأن إدارة الملفات الحساسة، وحدود التصعيد مع الغرب، ومستقبل العلاقة بين المقاومة والدبلوماسية في مرحلة شديدة التعقيد إقليميا ودوليا.

شريعتمداري يفتح النار على البرلمان والقوات البحرية والمفاوضين

أثارت تصريحات حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة كيهان والمقرب من الدوائر الأصولية المتشددة، الأحد 31 مايو/ آيار 2026، موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي داخل إيران، بعدما وجه انتقادات صريحة إلى البرلمان الإيراني، والقوات البحرية التابعة للحرس الثوري، وحتى إلى فريق التفاوض الإيراني، متهما هذه الأطراف بالتردد وعدم الحسم في ملف مضيق هرمز، وبإرسال رسائل خاطئة إلى الولايات المتحدة والأسواق الدولية.

Image

اعتبر شريعتمداري أن الولايات المتحدة وحلفاءها يعيشون حالة اختناق سياسي واقتصادي بسبب احتمال إغلاق مضيق هرمز أو فرض قيود صارمة على حركة الملاحة فيه، وأن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يحاول من خلال التصريحات المتكررة حول قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران تخفيف التوتر في سوق النفط وطمأنة العالم بأن المضيق سيعود إلى ما كان عليه قبل الحرب. ووفقا لرؤيته، فإن أي إشارة تصدر من الداخل الإيراني توحي بإمكانية التراجع عن الإجراءات الجديدة أو العودة إلى الوضع السابق، تعد هدية مجانية لواشنطن.

وفي انتقاده للقوات البحرية التابعة للحرس الثوري، تساءل شريعتمداري علنا عما إذا كانت إيران تحصل بالفعل على رسوم عبور ورسوم ترانزيت من السفن وناقلات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز، معتبرا أن مجرد الإعلان عن عبور السفن بعد التنسيق مع الحرس الثوري لا يكفي لإظهار السيادة الإيرانية الكاملة على المضيق. وقال إن تحصيل رسوم العبور هو حق قانوني لإيران، وإن عدم تطبيق هذا الحق يوحي وكأن طهران تراجعت عن فرض سلطتها الكاملة على الممر البحري الأكثر حساسية في العالم.

ولم يكتف شريعتمداري بذلك، بل وجه انتقادات مباشرة إلى البرلمان الإيراني بسبب ما وصفه بالتباطؤ غير المبرر في إقرار النظام القانوني الجديد الخاص بمضيق هرمز، رغم تصريحات النواب المتكررة حول إعداد تشريعات تنظم الملاحة وتفرض قواعد جديدة على السفن العابرة، ورأى أن هذا التأخير يبعث برسائل ضعف إلى الخارج، ويعطي انطباعا بأن إيران مترددة في استخدام أوراق القوة التي تمتلكها.

Image

أما أكثر تصريحاته إثارة للجدل، فكانت تلك المتعلقة بفريق التفاوض الإيراني وبعض الدبلوماسيين، حيث اتهمهم بإطلاق مواقف توحي بأن الظروف في مضيق هرمز ستعود بعد انتهاء الحرب إلى ما كانت عليه قبلها، معتبرا أن بعض التصريحات الدبلوماسية تتحدث وكأن إيران ستتخلى عن حقها السيادي في المضيق بمجرد انتهاء التصعيد، معتبرا أن هذا الخطاب يضعف الموقف الإيراني ويمنح واشنطن فرصة لتخفيف الضغوط الدولية المتعلقة بأمن الطاقة.

واستند شريعتمداري في دفاعه عن فكرة فرض رسوم عبور على السفن إلى مقارنات مع ممرات بحرية دولية أخرى، مثل قناة السويس المصرية، ومضيقي البوسفور والدردنيل في تركيا، وقناة بنما، معتبرا أن من حق إيران أن تتعامل مع مضيق هرمز بالطريقة نفسها. كما نقل عن خبراء غربيين قولهم إن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تعترض على فرض رسوم إيرانية على الملاحة في المضيق، بينما هي نفسها تتعامل مع ممرات بحرية أخرى باعتبارها نقاط نفوذ استراتيجية.

Image

هذه التصريحات عكست، في جوهرها، رؤية التيار الأصولي المتشدد الذي يرى أن الحرب الأخيرة وما رافقها من توترات إقليمية تمنح إيران فرصة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك مع الغرب، واستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية في مواجهة العقوبات والضغوط الأميركية. لكن في المقابل، بدت مؤسسات أخرى داخل النظام أكثر حذرا، خشية أن يؤدي التصعيد المفرط إلى توسيع دائرة المواجهة أو تقويض أي فرصة للتهدئة السياسية والدبلوماسية.

تصاعد الانتقادات داخل البيت الأصولي وتراجع الخطاب الراديكالي

لم تبق تصريحات شريعتمداري الجدل في إطار الخلاف التقليدي بين الأصوليين والإصلاحيين، بل فتحت الباب أمام موجة أوسع من السجالات داخل المعسكر الأصولي نفسه، حيث بدأت شخصيات وصحف محسوبة على التيار المحافظ تنتقد علنا ما وصفته بالمزايدات الثورية والخطابات المتشددة التي تضر بصورة النظام ووحدة الداخل الإيراني.

صحيفة جمهوري اسلامي كانت من أبرز المنابر التي انتقدت المتشددين بشكل مباشر، حيث كتبت في افتتاحية حادة أن بعض الشخصيات تعتبر نفسها وكأنها قضاة ومحاكم عبر إصدار أحكام سياسية وأمنية بحق الآخرين، داعية إلى إسكات الأصوات التي تثير الانقسام في وقت تحتاج فيه البلاد إلى الوحدة، وذهبت الصحيفة إلى حد القول إن بعض المتشددين يقدمون خدمات مجانية للأعداء أكثر مما يفعل خصوم إيران في الخارج.

Image

في السياق نفسه، شنت صحيفة خراسان، المقربة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، هجوما غير مسبوق على التيار الراديكالي داخل البرلمان على حد وصفها، معتبرة أن نتائج انتخابات هيئة رئاسة المجلس كشفت ضعف هذا التيار الحقيقي رغم ضجيجه الإعلامي. وأشارت الصحيفة إلى أن الحملات المنظمة ضد قاليباف، سواء عبر الرسائل النصية أو الحملات الإعلامية، فشلت في التأثير على النواب، بل تحولت إلى استفتاء صامت لصالح الاستقرار السياسي وضد الخطاب المتشدد.

Image

واستخدمت الصحيفة تعبيرا لافتا حين وصفت بعض المتشددين بأنهم حزب الثلاثة أو الأربعة أشخاص، في إشارة إلى محدودية تأثيرهم الحقيقي داخل المؤسسات الرسمية، رغم الضجيج الكبير الذي يثيرونه في الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

هذه الانتقادات لم تعد مقتصرة على الصحف والشخصيات السياسية، بل امتدت أيضا إلى بعض الخطباء والمداحين المعروفين بقربهم من التيار المحافظ، فقد أثارت تصريحات المداح الإيراني ميثم مطيعي اهتماما واسعا، بعدما دعا إلى الحفاظ على الوحدة الداخلية وعدم استغلال الظروف الحالية لتصفية الحسابات السياسية. وقال مطيعي إن أي شخص يحاول ضرب وحدة الشعب الإيراني سيتلقى صفعة من الناس، في رسالة واضحة ضد محاولات التصعيد الداخلي.

Image

كما برزت مواقف لعدد من النواب والشخصيات الأصولية المعتدلة الذين بدأوا يتحدثون بصراحة عن خطورة الخطاب الراديكالي على الاستقرار الداخلي. النائب أحمد أناركي محمدي أكد أن كل حرب تنتهي بالسلام، داعيا إلى احترام قرارات القيادة والمؤسسات الرسمية بشأن التفاوض ووقف إطلاق النار. كما شن هجوما على المتشددين الذين يهاجمون فريق التفاوض، معتبرا أنهم يتحدثون بعيون وآذان مغلقة، وأن بعض تصريحاتهم تبعث اليأس في المجتمع الإيراني.

Image

هذه التحولات كشفت عن وجود مراجعة حقيقية داخل جزء من المعسكر المحافظ، الذي بدأ يدرك أن الخطاب التصعيدي لم يعد قادرا على تقديم حلول للأزمات المتراكمة، بل أصبح جزءا من المشكلة نفسها. فالحرب الأخيرة، والضغوط الاقتصادية، وتصاعد التوتر الإقليمي، دفعت بعض المحافظين إلى إعادة التفكير في جدوى المزايدات الثورية، خاصة مع تزايد المخاوف من تأثير الانقسامات الداخلية على استقرار البلاد.

الإصلاحيون والمعتدلون ضد الأصوليين… اتهامات بتأزيم المشهد الداخلي

في المقابل، وجدت التيارات الإصلاحية والمعتدلة في هذه الخلافات المتصاعدة داخل المعسكر الأصولي فرصة لتوجيه انتقادات حادة إلى المتشددين، متهمة إياهم بتأزيم الوضع الداخلي، وإضعاف المؤسسات الرسمية، وتحويل القضايا الوطنية إلى أدوات للصراع السياسي الداخلي.

وكانت الانتقادات الأبرز موجهة إلى شخصيات مثل حميد رسائي وبعض رموز جبهة الصمود، الذراع الأصولي في البرلمان، الذين أثاروا جدلا واسعا بسبب تصريحاتهم ومنشوراتهم الأخيرة. فقد تعرض رسائي لهجوم إعلامي كبير بعد نشره تفسيرا لآية قرآنية تتعلق بابن النبي نوح تحت عنوان “من يستحق موقع القيادة”، ما اعتبره منتقدوه إيحاء سياسيا حساسا في ظل الظروف الحالية.

Image

موقع عصر إيران هاجم رسائي بشدة، معتبرا أن استخدامه للآية القرآنية في هذا السياق لا علاقة له بتفسير ديني بريء، بل يحمل رسائل سياسية مبطنة مرتبطة بملف القيادة والخلافات الداخلية. وذهب بعض المعلقين إلى القول إن المتشددين باتوا يستخدمون النصوص الدينية في صراعاتهم السياسية، بطريقة قد تثير مزيدا من الانقسامات داخل المجتمع.

كما برزت انتقادات حادة من المحلل السياسي أحمد زيد آبادي، الذي اتهم بعض المتشددين بإنكار حجم الخسائر التي خلفتها الحرب الأخيرة. وقال إن هذه التيارات كانت قبل الحرب تهاجم كل من يحذر من احتمال وقوع هجمات أو اغتيالات أو تدمير للبنية التحتية، ثم عادت بعد وقوع تلك الأحداث لتعتبر الحديث عن الخسائر خدمة للعدو.

Image

زيد آبادي تساءل بلهجة ساخرة “إذا لم تكن اغتيالات كبار القادة، وتدمير المنشآت، وسقوط آلاف القتلى والجرحى خسائر حقيقية، فما الذي يمكن اعتباره خسارة إذا؟”، واعتبر أن بعض المتشددين يعيشون حالة من الإنكار السياسي، ويرفضون الاعتراف بالواقع خوفا من تأثير ذلك على خطابهم الأيديولوجي.

الإصلاحيون رأوا في تصاعد الخلافات داخل المعسكر الأصولي دليلا على أزمة عميقة يعيشها التيار المحافظ، خصوصا بعد أن بدأت شخصيات وصحف محافظة معتدلة تنتقد علنا الخطاب الراديكالي الذي كان ينظر إليه في السابق باعتباره جزءا ثابتا من المشهد السياسي الإيراني.

وفي الوقت نفسه، برزت دعوات من شخصيات سياسية وإعلامية إلى إعادة تعريف مفهوم الثورية، بحيث لا يتحول إلى وسيلة لتخوين الخصوم أو مهاجمة المؤسسات الرسمية. واعتبر بعض المراقبين أن الحرب الأخيرة دفعت حتى جزءا من المحافظين إلى الاقتناع بأن الأولوية في هذه المرحلة يجب أن تكون للاستقرار الداخلي وإدارة الأزمات بعقلانية، لا لتصعيد الخطابات والشعارات.

في المحصلة، تكشف السجالات الأخيرة حول تصريحات شريعتمداري ومواقف المتشددين عن مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التوازنات داخل المشهد السياسي الإيراني. فالمعسكر الأصولي الذي بدا لسنوات طويلة متماسكا خلف خطاب واحد، يظهر اليوم أكثر انقساما وتعددا في الرؤى، بين تيار يدفع نحو مزيد من التصعيد والمواجهة، وآخر يرى أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي والمناورة السياسية باتا أولوية لا تقل أهمية عن شعارات المقاومة والثورية. وفي ظل استمرار الضغوط الخارجية والتحديات الاقتصادية والأمنية، تبدو هذه الانقسامات مرشحة لمزيد من التوسع، بما قد يجعلها أحد أبرز ملامح المرحلة السياسية المقبلة في إيران.