- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 22 Views
تحولت شائعة استقالة الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، خلال الساعات الماضية إلى واحدة من أكثر القضايا تداولا في الإعلام الإيراني والمنصات السياسية والإعلامية المعارضة والموالية على حد سواء، بعدما فجرت تقارير إعلامية صادرة عن وسائل إعلام معارضة موجة واسعة من الجدل بشأن حقيقة موقع الرئيس الإيراني داخل بنية النظام، وحدود صلاحياته الفعلية، وإمكانية تحوله إلى مجرد واجهة سياسية في مرحلة شديدة الحساسية داخليا وإقليميا.
ورغم النفي الرسمي السريع والمتكرر الصادر عن الحكومة الإيرانية ومؤسسات الرئاسة ومجلس الإعلام الحكومي، فإن الشائعة لم تتوقف عند حدود كونها خبرا زائفا أو مادة إعلامية عابرة، بل تحولت إلى مدخل واسع للنقاش حول طبيعة السلطة في إيران، والعلاقة بين مؤسسة الرئاسة ومراكز النفوذ الأمنية والعسكرية، وحدود تأثير الرئيس في ملفات كبرى تتعلق بالمفاوضات مع الولايات المتحدة، والسياسات الإقليمية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.
كيف ولدت شائعة الاستقالة؟ الحرب النفسية وصناعة الخبر السياسي
بدأت القصة عندما بثت قناة إيران إنترناشيونال المعارضة، الأحد 31 مايو/آيار 2026، خبرا عاجلا نقلا عما وصفته مصدر مطلع يفيد بأن الرئيس الإيراني بزشكيان قد أرسل رسالة استقالة إلى مكتب مجتبى خامنئي، المرشد الإيراني، بسبب ما وصفته القناة بسيطرة تيار من قادة الحرس الثوري على مفاصل الدولة وإقصاء الرئيس من دوائر القرار الكبرى. وسرعان ما انتشر الخبر على نطاق واسع داخل الفضاء الرقمي الإيراني، قبل أن تسارع الحكومة إلى نفيه عبر أكثر من مسؤول رسمي.

لكن اللافت أن سرعة النفي لم تنه الجدل، بل ربما ساهمت في توسيعه، لأن القضية تجاوزت أصل الخبر إلى النقاش حول مدى واقعية السيناريو نفسه، فحتى الذين شككوا في صحة رسالة الاستقالة رأوا أن مضمونها يعكس تساؤلات حقيقية تتعلق بحجم نفوذ الرئيس داخل النظام السياسي الإيراني.
الرد الحكومي جاء على مستويات متعددة. فقد أكد نائب شؤون الإعلام في مكتب الرئيس، سيد مهدى طبطبائي، أن بزشكيان لن يتراجع عن خدمة الشعب، فيما وصف مصدر حكومي مطلع قناة إيران إنترناشيونال بأنها مصنع لإنتاج الأكاذيب، كما اعتبر رئيس مجلس الإعلام الحكومي، إلياس حضرتي أن الهدف من هذه الأخبار هو “نشر اليأس وإحداث شرخ في الوحدة الوطنية”.

في المقابل، تعاملت وسائل إعلام حكومية وأصولية مع القضية باعتبارها جزءا من حرب نفسية تستهدف الداخل الإيراني بعد الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وذهبت بعض الصحف إلى أن الهدف من الشائعة هو إعادة إنتاج انقسامات داخلية لم تنجح القوى الخارجية في فرضها خلال المواجهة العسكرية.
وتحت هذا العنوان تحديدا، ظهرت تحليلات مطولة في الصحافة الإيرانية تتحدث عن تفصيل الخبر الزائف وآليات صناعة الشائعات في الحروب الإدراكية الحديثة، وركزت تلك التحليلات على أن الأخبار المصاغة بطريقة مقتضبة وغامضة، والمنسوبة إلى مصادر مطلعة مجهولة، تكون أكثر قدرة على الانتشار، لأنها تدفع الجمهور إلى ملء الفراغات اعتمادا على مخاوفه وتصوراته السياسية.

كما اعتبرت هذه التحليلات أن أخطر أنواع الأخبار الزائفة هي تلك التي تستند إلى جزء من الحقيقة، فوجود خلافات طبيعية داخل مؤسسات الحكم بشأن ملفات مثل المفاوضات أو الإنترنت أو العقوبات، يمثل مادة خاما يمكن البناء عليها لإنتاج رواية أكبر وأكثر درامية، كقصة الاستقالة أو الإقصاء السياسي.
ومن هنا، تحولت الشائعة إلى ساحة مواجهة إعلامية كاملة بين خطاب رسمي يعتبرها امتدادا للحرب النفسية الغربية ضد إيران، وخطاب معارض يرى أن سرعة انتشارها تعكس وجود أزمة ثقة حقيقية بين الشارع الإيراني ومؤسسات السلطة، فضلا عن اقتناع شريحة من الإيرانيين بأن الرئيس لا يمتلك فعلا سلطة حقيقية على القرارات الكبرى.
هل يملك بزشكيان السلطة فعلا؟ …حدود الرئاسة داخل النظام الإيراني
على الجانب الأخر، فقد كان السبب الرئيسي الذي جعل شائعة الاستقالة قابلة للتصديق لدى قطاع واسع من الإيرانيين لا يرتبط فقط بالمناخ السياسي المتوتر، بل بطبيعة النظام السياسي الإيراني نفسه، حيث تتوزع السلطة الفعلية بين مؤسسات متعددة تتجاوز مؤسسة الرئاسة.

فالدستور الإيراني يمنح المرشد الأعلى صلاحيات واسعة تشمل قيادة القوات المسلحة، والإشراف على السياسات العامة، والتحكم في الملفات الاستراتيجية الكبرى، بينما يبقى دور رئيس الجمهورية محصورا في إدارة السلطة التنفيذية ضمن الحدود التي لا تتعارض مع صلاحيات القيادة العليا.
ولهذا السبب، لم يكن الحديث عن محدودية صلاحيات الرؤساء في إيران جديدا، فقد سبق لرؤساء مثل محمد خاتمي وحسن روحاني وحتى محمود أحمدي نجاد أن تحدثوا في أوقات مختلفة عن وجود مراكز قرار خارج الحكومة تتحكم في الملفات الأساسية للدولة، غير أن وضع بزشكيان بدا أكثر تعقيدا بسبب تزامنه مع ظروف استثنائية تمر بها إيران، أبرزها الحرب الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، والمفاوضات الحساسة مع واشنطن، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة.



وقد عززت عدة مؤشرات الانطباع بأن الرئيس الإيراني ليس اللاعب المركزي في السلطة، فالمفاوضات مع الولايات المتحدة، التي تعد الملف الأخطر في البلاد حاليا، لا يقودها الرئيس مباشرة، بل تدار عبر مؤسسات أخرى مرتبطة بالمجلس الأعلى للأمن القومي والحرس الثوري والقيادة العليا ورئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف.
حتى الخطاب الأمريكي نفسه بدا وكأنه يتجاوز بزشكيان، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفق تحليلات متعددة، لم يتعامل مع الرئيس الإيراني بوصفه نظيرا سياسيا مباشرا، بل ركز في خطاباته على النظام الإيراني والحرس الثوري والقيادة الإيرانية، وهو ما اعتبره منتقدو بزشكيان دليلا إضافيا على أن الخارج أيضا لا ينظر إليه باعتباره مركز القرار الحقيقي.
في السياق ذاته، انتشرت تقارير إعلامية تتحدث عن خلافات بين بزشكيان وبعض قيادات الحرس الثوري، وعلى رأسهم أحمد وحيدي، نائب القائد العام للحرس، فذهبت بعض التقارير إلى أن الرئيس الإيراني اشتكى من سحب الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية من يده، وإن كان لا يوجد تأكيد رسمي لهذه الروايات.

لكن وبغض النظر عن دقة تلك التقارير، فإن الجدل الذي رافقها كشف عن أزمة أعمق تتعلق بموقع مؤسسة الرئاسة نفسها، فالكثير من الإيرانيين الذين صوتوا لبزشكيان فعلوا ذلك على أساس وعود تتعلق برفع العقوبات، وتحسين العلاقات الخارجية، وتخفيف القيود على الإنترنت، وتحسين الوضع الاقتصادي. ومع تعثر هذه الملفات، عاد السؤال القديم للواجهة، إذا كان الرئيس لا يملك صلاحيات تنفيذ وعوده.

وقد أدى ذلك إلى انقسام حتى داخل معسكره السياسي، فبعض مؤيديه طالبوه بالاستقالة باعتبارها موقفا أخلاقيا إذا كان عاجزا عن تنفيذ تعهداته، فيما رأى آخرون أن الاستقالة ستخدم خصومه وستؤدي إلى مزيد من الاضطراب الداخلي.
وفي خضم هذا الجدل، حاولت بعض الصحف الإيرانية القريبة من السلطة تقديم صورة مختلفة لبزشكيان، باعتباره رجل دولة يركز على الحفاظ على الاستقرار لا على صناعة البطولات السياسية، فقد اعتبرت صحيفة اطلاعات أن الرئيس الإيراني «لا يفكر في الاستقالة ولا في استعراض القوة الشخصية»، بل يسعى إلى عبور البلاد من أزمتها بأقل الخسائر الممكنة.

ما وراء الشائعة… صراع الروايات ومستقبل المشهد الإيراني
تكشف أزمة شائعة الاستقالة أن إيران لا تعيش فقط أزمة سياسية أو اقتصادية، بل أيضا أزمة رواية وصراعا حادا على تفسير ما يجري داخل الدولة. فكل طرف يحاول تقديم تفسير مختلف للأحداث بما يخدم رؤيته للصراع القائم في البلاد.
السلطة الإيرانية تعتبر أن ما جرى جزء من حرب إعلامية منظمة تستهدف ضرب التماسك الداخلي بعد الحرب الأخيرة، وإظهار النظام وكأنه يعيش انقسامات عميقة في قمة السلطة. ولذلك ركز الخطاب الرسمي على مفاهيم مثل الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي والحرب النفسية.

أما وسائل الإعلام المعارضة، فقد تعاملت مع القضية باعتبارها دليلا على أزمة بنيوية داخل النظام، وعلى وجود صراع صامت بين الحكومة والمؤسسات الأمنية والعسكرية. كما ربطت بين الشائعة وبين حالة الإحباط المتزايدة لدى جزء من الشارع الإيراني بسبب استمرار العقوبات وتدهور الوضع الاقتصادي وتعثر الوعود الإصلاحية.
وفي الواقع، فإن شائعة الاستقالة نجحت في تحقيق تأثيرها الأساسي حتى مع نفيها رسميا، لأنها فتحت الباب واسعا أمام نقاش علني حول طبيعة السلطة في إيران، وحول حدود الدور الذي يمكن أن يلعبه أي رئيس منتخب داخل النظام.
كما أظهرت الأزمة حجم التحول الذي طرأ على بيئة الإعلام السياسي في إيران، حيث أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي قادرة على تحويل خبر غير مؤكد إلى قضية رأي عام خلال ساعات قليلة، بما يفرض على الدولة الدخول في سباق دائم للسيطرة على الرواية الإعلامية.

وفي الوقت نفسه، كشفت القضية عن أزمة ثقة متزايدة بين قطاعات من المجتمع الإيراني والخطاب الرسمي. فحتى النفي الحكومي لم يكن كافيا لإغلاق الملف، لأن قطاعات واسعة باتت ترى أن جوهر المشكلة لا يتعلق بصحة رسالة الاستقالة بقدر ما يتعلق بالسؤال الأهم: من يحكم إيران فعليا؟ وما حجم الدور الحقيقي الذي يؤديه الرئيس المنتخب؟
وربما لهذا السبب استمرت القضية في التداول رغم النفي الرسمي المتكرر، وتحولت من مجرد خبر عاجل إلى مرآة تعكس طبيعة التوازنات السياسية داخل الجمهورية الإسلامية في مرحلة شديدة التعقيد.
في الأخير، وسواء كانت قصة الاستقالة حقيقية أم مجرد شائعة إعلامية، فإن الجدل الذي أثارته كشف بوضوح أن مؤسسة الرئاسة في إيران ما تزال محكومة بسقف سياسي وأمني معقد، وأن أي رئيس، مهما كانت شعبيته أو وعوده الانتخابية، يبقى محكوما بمعادلة دقيقة تتجاوز حدود السلطة التنفيذية التقليدية. أما بزشكيان نفسه، فيبدو حتى الآن حريصا على تقديم نفسه بوصفه رجل توافق واستقرار، لا رجل مواجهة أو تصعيد. لكن التحدي الأكبر الذي يواجهه لا يتعلق فقط بإثبات بقائه في المنصب، بل بإقناع الإيرانيين بأن رئاسته ما تزال قادرة على إحداث فارق حقيقي في إدارة البلاد، وسط شبكة معقدة من مراكز القوة والصراعات الداخلية والضغوط الخارجية المتصاعدة.

