الأكاديمي الإيراني البارز محمد علي آذرشب لـ”زاد إيران”: اللغة جسر الوحدة بين العرب والإيرانيين

حوار: مصطفى أفضل زادة

أجرى موقع “زاد إيران” حوارا مع الدكتور محمد علي آذرشب، الباحث والأكاديمي الإيراني وأستاذ اللغة والأدب العربي في جامعة طهران، وأحد أبرز الوجوه الثقافية المهتمة بالتقريب بين المذاهب الإسلامية. في هذا الحوار يحدّثنا عن رحلته مع اللغة العربية، ورؤيته لوحدتها مع الفارسية كلغتي حضارة، وتجربته في تأسيس مراكز ثقافية وحوارات فكرية، إلى جانب شهادته عن فلسفة “أسبوع الوحدة” ورسائله السياسية والإنسانية. 

وفي ما يلي نص الحوار: 

لماذا قررت أن تتخصص في اللغة العربية؟

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.

إن مسيرتي الدراسية كانت مليئة بالعجائب. فأنا لم أكن في الفرع الأدبي بالمرحلة الثانوية، بل كنت في الفرع العلمي المخصص للهندسة والطب وما إلى شاكل ذلك. وقد التحقتُ فعلا بكلية الهندسة، غير أن عشقي للغة العربية كان يلازمني منذ نعومة أظفاري. كنت أقرأ الكتب والمجلات العربية القادمة من المشرق، وأستمع إلى الإذاعات العربية، فكان حبي للغة العربية ذوقا ذاتيا لا ثمرة للدراسة. كما كنت مولعا بالشعر العربي والقصص العربية، أقرأها بكثرة وأستمتع بها.

وعندما دخلتُ كلية الهندسة، ظل هذا الشعور حيا في نفسي، وهذا الشوق يرافقني، غير أن الظروف لم تكن مواتية لنمو هذا الميل. ثم يسَّر الله لي أن أنتقل من كلية الهندسة إلى كلية أصول الدين في بغداد، وهي كلية متخصصة في اللغة العربية وعلوم القرآن. وهناك انفتحت آفاقي الفكرية، وبدأت أكتب وأحاضر بالعربية، ووجدت المجال مفتوحا أمام عواطفي ومشاعري وأفكاري. فدخلتُ إلى اللغة العربية من هذا الباب، واستقر قلبي فيها.

ولعل من الطريف أن أذكر أن حبي للغة العربية دفعني إلى مراسلة العرب في أنحاء العالم: من شمال أفريقيا إلى السودان والشام ولبنان والعراق، بل حتى العرب المقيمين في أوروبا. كنت أبعث إليهم رسائل وأتلقى منهم ردودا، وقد حصلتُ على عناوينهم من المجلات والبرامج الإذاعية الخاصة بالتعارف بين المستمعين. وقد استمررت على ذلك زمنا طويلا، غير أنّ انشغالي بعد دخولي كلية الهندسة حال دون الاستمرار فيه. لكن، كما قلت، شغفي بالعربية لم يكن وليد الدراسة بل كان نتيجة حبّ أصيل لهذه اللغة وإحساسي بما تحمله من موسيقى تتناغم مع عواطفي وأسلوب ينسجم مع مشاعري.

ومع مرور الوقت، أدركت أن العربية أفضل وسيلة للارتباط بالعالم العربي والإسلامي، فسخرت كل ما لدي من علم ومشاعر لخدمة هذا الهدف. كتبتُ، وألقيتُ المحاضرات، وشاركت في المؤتمرات والندوات، وأسستُ ثلاث مجلات علمية وثقافية باللغة العربية. كما واصلت جهودي في الجامعة حيث أوليت هذا الموضوع عناية خاصة، محاضرا ومؤلفا وباحثا. ولا زال اهتمامي باللغة العربية قائما، أعتبرها لغة التواصل الحضاري بين الشعوب الإسلامية.

وفي الوقت ذاته، أؤمن بأن اللغة الفارسية هي الأخرى لغة حضارية، وقد كنت دائما أؤكد في زياراتي للبلاد العربية أن العربية والفارسية معا قادرتان على جمع الأمة الإسلامية، وتقريب القلوب والأفكار، وتحقيق التعارف الذي أراده الله سبحانه وتعالى بقوله:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.
فالتعارف لا يتحقق إلا عبر اللغة وأدواتها، وحبّها، ورغبة التبادل المعرفي من خلالها.

وهذا ما أدركه العرب أيضا، إذ نجد أن اللغة الفارسية تُدرَّس في الجامعات العربية إلى جانب العربية، بل وتُخصَّص لها أقسام حتى مرحلة الدكتوراه.

وهكذا وجدتُ أن العربية تتوافق مع ذوقي ومشاعري وطموحي، ومع حلمي بوحدة الأمة الإسلامية. فالأمة لا يمكن أن تتوحد من دون تعارف، والتعارف يحتاج إلى لغة جامعة. لذلك لا أزال إلى اليوم أكتب وأترجم وأحاضر وأشارك في الندوات حول اللغة العربية.

ومن آخر مشاركاتي ما قدّمته في يوم اللغة العربية بباريس، حيث أقامت مؤسسة اليونسكو مهرجانا بالمناسبة، وألقيت فيه محاضرة أكدت فيها أن العربية ليست لغة قوم فحسب، بل لغة حضارة وأمة. فبعد ظهور الإسلام تحولت العربية من لغة محلية إلى لغة حضارية عالمية. وإذا أراد العرب أن يحافظوا على لغتهم، فعليهم أن ينظروا إليها باعتبارها لغة الحضارة الإسلامية الممتدة من طنجة إلى جاكرتا، فضلا عن وجود العرب في أوروبا وأمريكا.

Image

كيف يؤثر الأدب واللغة العربية- واللغة بشكل عام- في العمل الدبلوماسي والسياسي؟

كما ذكرتُ سابقا، فإن اللغة العربية واللغة الفارسية هما من أهم اللغات في فضاء العالم الإسلامي. ومن يتقن هاتين اللغتين إتقانا حقيقيا، لا في ظاهر الألفاظ فحسب بل في روح اللغة وفكرها وثقافتها، فإنه يستطيع أن يتواصل مع العالم العربي والإسلامي تواصلا عميقا وفاعلا.

ولهذا أدعو الإخوة الذين يُوفَدون إلى السفارات والمستشاريات الثقافية في العالمين العربي والإسلامي إلى أن يتعلموا اللغة العربية بروحها وثقافتها، لا مجرد مفرداتها. فالشخص الذي لا يعرف ثقافة البلد الذي يعيش فيه، ولا يحيط بحضارته، لا يستطيع أن ينسجم مع مجتمعه ولا أن يؤدي مهمته الدبلوماسية كما ينبغي.

إن اللغة العربية والفارسية ليستا مجرد وسيلتين للتخاطب، بل هما أيضا لغتا الدبلوماسية الإسلامية، ولغتا التعارف والتبادل المعرفي. وقد رأيتُ كثيرا من السفراء الأوروبيين الذين يأتون إلى إيران وهم يجيدون الفارسية، أو يذهبون إلى البلاد العربية وهم يتقنون العربية. أما في المقابل، فنادرا ما نجد سفراء إيرانيين يتقنون لغة البلد الذي يُوفَدون إليه ويعملون فيه.

لذلك تبقى اللغة ركيزة أساسية لخدمة التفاهم الدبلوماسي، ولتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية بين بلدان العالم العربي والإسلامي من جهة، وبين هذه البلدان وسائر دول العالم من جهة أخرى.

يُقال إنك تأثرت في مسيرتك العلمية والفكرية بأربعة من الشخصيات: الإمام الخميني، والسيد علي خامنئي، والشهيد الصدر، وسيد قطب. ما سبب هذا التأثر؟ وإلى أي مدى انعكس في حياتك وفكرك؟

بطبيعة الحال، لقد تأثرتُ بكثير من الأدباء والمفكرين والشعراء في العالم الإسلامي، لكنّ هؤلاء الأربعة كانت لهم مكانة خاصة في قلبي، وفي قلوب كل من يتطلّع إلى استعادة الأمة الإسلامية كرامتها ومكانتها في هذه الأرض.

  • الإمام الخميني
    لم يدخل قلوب الإيرانيين فقط، بل دخل قلوب المسلمين جميعا. لقد كان رمزا للعزّة والكرامة الإسلامية. وحين انتصرت الثورة الإسلامية، شدّ العالم الإسلامي بأسره أنظاره إلى فكر الإمام وأسلوبه، وتابع كلماته ومواقفه. لذلك لم يكن غريبا أن يحتلّ مكانا راسخا في قلبي وفكري، حتى أنني كتبتُ وألفتُ وترجمتُ الكثير حول فكره ومدرسته.
  • السيد علي خامنئي
    هو من حمل الراية بعد الإمام الخميني، وثبّت مشروعه بدقّة وصلابة. لقد رأيتُ في مسيرات الأربعين الأخيرة كيف يرفع المسلمون ـ بل وحتى بعض غير المسلمين ـ صوره، معتبرينه الرجل الذي واجه أمريكا وإسرائيل بكل حزم وقوة. ما يميز الإمام الخامنئي أيضا هو حبه العميق للغة العربية وآدابها، وهذا قربني منه كثيرا. كنتُ ألتقيه وأسمعه يتحدث بالفصحى بطلاقة، وينشد الشعر العربي بحبّ. وهو معجب كبير بالشاعر الجواهري، يقرأ ديوانه دائما، ويحفظ الكثير من أشعاره، وقد حرصتُ على أن أُعرّف العرب بهذه الناحية المشرقة من شخصيته، باعتباره متذوّقا أصيلا للأدب العربي لا يقل شغفا به عن كبار أدباء العرب.
  • السيد الشهيد محمد باقر الصدر
    جاء في زمنٍ كان فيه الفكر الماركسي والغربي يسيطران على الساحة الإسلامية ويجرفانها بعيدا عن هويتها. لكن الصدر، بكتابه فلسفتنا واقتصادنا، قدّم الدليل العملي على أن للإسلام رؤية في الفلسفة والاقتصاد، وأن له مشروعا متكاملا للحياة. وجدنا فيه شخصية إسلامية أصيلة متواضعة، ذائبة في الله وفي قضايا الأمة، فكان نموذجا حيّا للفكر الرسالي.
  • سيد قطب:
    تميّز بخطابه الأدبي الراقي حول الإسلام، خصوصا في تفسيره للقرآن الكريم الذي قدّمه بأسلوب يدخل إلى شغاف القلب. لقد أحببتُ قراءة القرآن من خلال رؤيته، لأنه جمع بين الأصالة والمعاصرة، وقدّم الإسلام بلغة أدبية عميقة تجمع العقل والوجدان.

إن ما شدّني إلى هؤلاء جميعا هو أنهم مثّلوا الأصالة والمعاصرة معا؛ الأصالة التي تعيدنا إلى جذورنا الإسلامية، والمعاصرة التي تجعلنا نواكب تحديات العصر. وحين تجتمع هاتان القيمتان في خطاب واحد، يصبح قادرا على النفاذ إلى القلب والعقل معا، ويمنح المسلم دافعا قويا ليعيش أجواء العزّة والكرامة.

Image

أعمال وخطاب الشهيد الصدر، إلى أي مدى وكيف استطاع أن يجد مكانة بين أهل السنة؟

الشهيد الصدر كان خطابه إسلاميا عاما، ولم أجد شخصية عاشت همّ العالم الإسلامي بمثل ما عاشه. فقد ابتعد تماما عن أي نزعة طائفية، وكان يحمل المشروع الإسلامي بكامله. حتى في خطاباته السياسية كان يقول: يا إخوتي أهل السنة، أنا معكم بقدر ما أنتم مع الإسلام؛ أي إن المعيار عنده هو الإسلام، لا الطائفة. وكذلك في فقهه ومشروعه الإسلامي لم يكن طائفيا، بل كان ينظر إلى الإسلام بأفق شامل، ولهذا دخل قلوب المسلمين في كل مكان.

كتبُه أعيد طبعها في المملكة العربية السعودية، رغم حساسيتها المعروفة تجاه المسائل المذهبية، وانتشرت أيضا في شمال أفريقيا. أذكر أنني حضرت ندوة في الكويت قبل سنوات، وكان هناك شباب جزائريون تحدّثوا كثيرا عن الشهيد الصدر. فسألتهم: من أين تعرفون الشهيد الصدر؟ فأجابوا: الشهيد الصدر هو من عرّفنا على الإسلام الحقيقي، وفتح أمامنا باب المشروع الإسلامي العام، وأعاننا على مواجهة التيارات الماركسية والفكر الأحادي. وحين علموا أنني أعرفه عن قرب، احتضنوني وألحّوا أن أحدثهم عن حياته وتفاصيل سيرته.

لقد وجدتُ أثره أيضا في إندونيسيا وماليزيا، حيث تُرجمت كتبه إلى لغات محلية، وكان الدكتور مهاتير محمد من أشد المعجبين بها. وفي الجزائر، كتب أحد الباحثين – اسمه علاوي – مؤلفا رائعا عن الشهيد الصدر، توقف فيه مطولا عند كتابه الأسس المنطقية للاستقراء وشرحه بأسلوب عميق.

إذن، خطابه لأنه يحمل رسالة، وأصيل، ومعاصر، تجاوز حدود الطوائف والبلدان. لم يكن محدودا في العراق أو الشيعة أو المنطقة، بل كان واسعا بقدر سعة العالم الإسلامي كله، حتى وجد مكانا في السعودية، في شمال أفريقيا، في آسيا، وفي كل مكان وصلت إليه كتبه.

وأنت باعتبارك أحد العاملين في مجال التقارب بين الأديان والمذاهب، ما سبب نجاحك في هذا المجال؟

منذ نعومة أظافري كان عندي شوق لنهضة العالم الإسلامي، وكنت أرى أن الفرقة والتشتت هما سبب تخلف الأمة. لذلك كتبت وأنا في كلية أصول الدين في بغداد مقالات متعددة في مجلة الكلية عن الوحدة الإسلامية والتقارب بين المذاهب، وكان هذا قبل ستين عاما.

بعد انتصار الثورة الإسلامية، توفرت فرص أوسع للعمل من أجل الوحدة. فأسست مركز الدراسات الثقافية الإيرانية – العربية لتوثيق الروابط بين إيران والعرب، وأنشأت له فرعا في دمشق، وكان له أثر كبير في تعزيز العلاقات الجامعية والثقافية.

ثم أسست مركز وحدة العالم الإسلامي، وكان له فرعان:

  1. فرع للتقريب بين المذاهب الإسلامية
  2. فرع للحضارة الإسلامية الحديثة

وعندما سُئلت في وزارة العلوم عن العلاقة بين التقريب والحضارة الإسلامية الحديثة، أجبت: إذا لم تستعد الأمة حضارتها ومكانتها، فلن يحدث تقريب، والعكس صحيح؛ فالتقريب ضرورة لبعث الحضارة الإسلامية.

كما أسست ثلاث مجلات حول موضوع التقريب بين المذاهب، وأقمت ندوات ومؤتمرات عديدة في هذا المجال. وألفتُ كتابا بعنوان مسيرة التقريب جمعت فيه وثائق مئة عام من جهود التقريب، لأثبت أن صوت الوحدة هو الغالب رغم كل محاولات التفرقة. هذا الكتاب فاز بالجائزة الأولى في مسابقة كتب التقريب، وأمر السيد الخامنئي بطباعته وتوزيعه في العالم الإسلامي.

نجحتُ في هذا المجال لأنني كنت أدخل إلى قلوب الناس عبر اللغة والأدب. فاللغة تمنحك القدرة على أن تخاطب الآخرين بروحهم، والأدب يفتح المجال للتفاهم الإنساني العميق. وهذا ما جعل عملي في التقريب مثمرا وواسع الأثر.

بصفتك شخصية كانت لها علاقات مع القادة والمسؤولين والعلماء في العالمين العربي والإسلامي، كيف كانت طبيعة هذه العلاقات، وما مدى تأثيرها؟

في الواقع، كانت علاقتي مع العالم الإسلامي، خصوصا مع العلماء والمفكرين والمثقفين، وثيقة وواسعة. فقد أتيح لي خلال فترة إقامتي في سوريا أربع سنوات، وفي السودان ثلاث سنوات، أن أبني جسورا متينة مع مختلف الأوساط الفكرية والدينية. أقمت علاقات مع كبار العلماء، ومع المثقفين، بل وحتى مع شيوخ الطرق الصوفية، وهذه العلاقات ما زالت آثارها قائمة إلى اليوم.

ومن خلال هذه الروابط، تمكنت من التواصل مع تلامذتهم، ومع المدارس الفكرية التي ينتمون إليها في بلدانهم. والحمد لله، لا تزال هذه العلاقات قائمة، ولا أزال أجني ثمارها الطيبة بفضل حرصي المستمر على مدّ جسور التواصل والانفتاح على مختلف المكوّنات الفكرية والدينية.

Image

ما فلسفة تسمية أسبوع الوحدة الإسلامية، وكيف تحدد موقعه في التقويم الإسلامي؟

فكرة “أسبوع الوحدة” لم تبدأ مع انتصار الثورة الإسلامية، بل تعود جذورها إلى فترة ما قبلها. ففي تلك المرحلة، كان سماحة السيد علي خامنئي مقيما في زاهدان جنوب إيران، وهي منطقة ذات غالبية من أهل السنة وفيها أيضا الشيعة. هناك نشأت صداقته مع علماء أهل السنة، إلى جانب علاقاته بعلماء الشيعة في المنطقة.

من هناك برزت الفكرة: أن يُقام احتفال بمولد النبي ﷺ يوم 12 ربيع الأول وفق رواية أهل السنة، واحتفال آخر يوم 17 ربيع الأول وفق رواية أهل الشيعة. ومن ثمّ، امتدت الفكرة لتغطّي الأيام الواقعة بين التاريخين، وأُطلق عليها اسم “أسبوع الوحدة”.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية، تحولت هذه المبادرة إلى مؤتمر عالمي في طهران، يُعقد سنويا من 12 إلى 17 ربيع الأول، بحضور كبار المفكرين والعلماء وأصحاب الاهتمام بالوحدة الإسلامية. وقد نجح هذا المؤتمر في الحفاظ على روح الوحدة والتواصل بين المسلمين، من السنة والشيعة، ليس في إيران فحسب، بل في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

ما الرسالة السياسية والعالمية التي يحملها أسبوع الوحدة الإسلامية للأمة الإسلامية ولغير المسلمين أيضا؟

في الواقع، اجتمعت قوى كثيرة في العالم على تفريق المسلمين، وأخطر ما في هذا التفريق هو النزاعات القومية والطائفية. ومن هنا جاءت الحاجة الماسّة إلى رفع صوت التقريب بين المذاهب الإسلامية، ليقول للعالم إن مشروع تمزيق الأمة الإسلامية قد فشل، وأن الوحدة هي الأساس والغاية التي يجب أن يسير نحوها العالم الإسلامي.

لقد استطاع أسبوع الوحدة أن يقف في وجه التيارات التي روجت بأن المسلمين متفرقون ومشتتون ولا يمكن أن ينهضوا. فجاء هذا الأسبوع ليكون بمثابة إعلان الحياة للأمة الإسلامية: فالأمة إذا تفرقت ماتت، وإذا اجتمعت دبت فيها الحياة من جديد. إنه إعلان وجود، وإعلان هوية، ورسالة قوية بأن هذه الأمة قادرة على أن تعيش موحدة وتواجه التحديات.

هل تحتفظ بذكرى خاصة في مجال التقارب بين الأديان أو المذاهب؟

نعم، لدي ذكريات كثيرة في هذا المجال. أذكر منها واحدة بارزة: فقد أقيمت في إسطنبول ندوة كبيرة بعنوان “معرفة الشيعة: أصولها وأسسها”. كان الهدف الخفي من وراءها إثارة النزعات الطائفية بين السنة والشيعة، إذ دُعي إليها كبار علماء السنة وكبار علماء الشيعة، وكنت أنا من الممثلين عن الجانب الشيعي.

في حفل الافتتاح، طلبوا من شخصية سنية أن تتحدث، فكان المتحدث الدكتور المصلح، رئيس الجامعة السعودية آنذاك. وبعده كان المتوقع أن يلقي أحد الشيعة خطابا مخالفا له، ليُستغل ذلك في إثارة الخلاف. لكنني قلت: الدكتور المصلح تحدث نيابة عن السنة والشيعة معا، وحديثي هو نفس حديثه.

هذا الموقف قلب الأجواء رأسا على عقب: من جو متوتر يسعى إلى التفريق، إلى جو مفعم بروح التقريب والوحدة. وأتذكر أن العالم التركي المعروف إحسان الدين أوغلو كان حاضرا وأُعجب بما جرى، وكذلك تحدث علماء أتراك آخرون بكلام رائع في اتجاه الوحدة.

بل إن أحد العلماء الأتراك قال كلمة مهمة جدا: مسألة ولاية الفقيه ليست قضية شيعية خالصة، وإنما هي مسألة إسلامية عامة؛ نحن نؤمن بها من حيث الأصل، وقد نختلف في بعض التفاصيل، لكن الجوهر هو ولاية العلماء والمفكرين والفقهاء.

وبهذا، تحولت الندوة من مشروع لإثارة الطائفية إلى منصة حقيقية للتقريب بين المذاهب الإسلامية.