- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 9 Views
منذ عقود طويلة ظل الخليج العربي أحد أكثر أقاليم العالم حساسية واضطرابا، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي الاستراتيجي، بل أيضا لكونه شريانا رئيسيا للطاقة العالمية وممرا بحريا بالغ الأهمية للتجارة الدولية. ومع كل أزمة أو مواجهة عسكرية في المنطقة، خصوصا مع تصاعد الحرب الأمريكية الإيرانية وتأثيرها على المنطقة والعالم، كانت مسألة الأمن الإقليمي تعود إلى الواجهة باعتبارها السؤال الأكثر إلحاحا، من يحمي الخليج؟ وهل يمكن بناء نظام أمني مستقر بعيدا عن التدخلات الخارجية والصراعات الدولية؟
في هذا السياق، أعادت روسيا طرح مشروعها الخاص بالأمن الجماعي في الخليج العربي، عبر تحديث وثيقة مفهوم ضمان الأمن الجماعي في منطقة الخليج، وهي وثيقة تعكس رؤية موسكو لنظام إقليمي جديد يقوم على تقليص النفوذ العسكري الخارجي، وتعزيز التفاهمات الإقليمية، وبناء منظومة أمنية متعددة الأطراف تشارك فيها دول الخليج وإيران والقوى الدولية المؤثرة.
وجاء الطرح الروسي في توقيت بالغ الحساسية، بعد الحرب الأخيرة التي شهدتها المنطقة، وما رافقها من تصاعد غير مسبوق في التوترات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، فضلا عن المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز واحتمالات اتساع المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة. وقد رأت موسكو أن هذه التطورات كشفت هشاشة النظام الأمني التقليدي القائم على الحماية الأمريكية، وأظهرت الحاجة إلى صياغة مقاربة مختلفة للأمن في الخليج.
ملامح المقترح الروسي… الأمن الجماعي بدل الاستقطاب
يقوم المقترح الروسي الذي قدمته الخارجية الروسية الثلاثاء 2 يونيو/ حزيران 2026، على فكرة مركزية مفادها أن أمن الخليج لا يمكن أن يتحقق عبر سياسة المحاور أو الردع الأحادي أو الوجود العسكري الأجنبي المكثف، بل من خلال بناء منظومة أمن جماعي تشمل جميع دول المنطقة دون استثناء. وترى موسكو أن الأزمات المتلاحقة أثبتت أن استمرار الاعتماد على التوازنات العسكرية التقليدية لم يعد كافيا، وأن المنطقة بحاجة إلى مقاربة جديدة تقوم على الحوار والتفاهمات التدريجية.

وتعتبر روسيا أن الخليج العربي ما يزال يعيش حالة أزمة حادة نتيجة الصراعات الإقليمية والتدخلات الخارجية، وأن الحل لا يكمن في مزيد من التصعيد العسكري، بل في إطلاق عملية سياسية وأمنية طويلة الأمد تهدف إلى خفض التوتر وتحويل المنطقة إلى فضاء للتعاون والتنمية المشتركة.
وفي هذا الإطار، طرحت موسكو خمسة مبادئ أساسية تشكل جوهر رؤيتها للأمن الإقليمي، أول هذه المبادئ ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز والممرات البحرية المرتبطة به، باعتبار أن أمن الطاقة العالمي مرتبط بصورة مباشرة باستقرار هذه المنطقة. وتشدد الوثيقة الروسية على ضرورة الالتزام بقواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، بما يشمل مبادئ المرور البريء والعبور العابر وحرية الملاحة.
أما المبدأ الثاني فيتمثل في الالتزام بمنع انتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، مع الدعوة إلى تحويل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى منطقة خالية من هذه الأسلحة ووسائل إيصالها. وترى موسكو أن الاستقرار الدائم لا يمكن تحقيقه في ظل سباقات التسلح المتصاعدة والتهديدات المرتبطة بالملف النووي.

ويتمثل المبدأ الثالث في بناء إجراءات جماعية لتعزيز الثقة العسكرية بين دول المنطقة، مثل تبادل المعلومات حول المناورات العسكرية والتحركات الجوية والبحرية، وإنشاء خطوط اتصال مباشرة بين الجيوش، وعقد اجتماعات دورية لوزراء الدفاع، فضلا عن تبادل الإخطارات المسبقة بشأن الأنشطة العسكرية. وتهدف هذه الإجراءات إلى تقليل احتمالات سوء الفهم أو الانزلاق نحو المواجهة.
أما المبدأ الرابع فيرتبط بمنع استخدام أراضي دول المنطقة من قبل أطراف خارجية لشن هجمات ضد الدول المجاورة، وهو بند يعكس بصورة واضحة اعتراض موسكو على تحويل بعض القواعد العسكرية في الخليج إلى منصات للصراع الإقليمي والدولي. وتعتبر روسيا أن هذا المبدأ يمثل شرطا أساسيا لبناء الثقة بين إيران والدول الخليجية.
في حين يركز المبدأ الخامس على تعزيز التعاون الاقتصادي والتعاون في مجال الطاقة والبيئي والإنساني بين دول المنطقة، انطلاقا من فكرة أن الأمن لا يتحقق فقط عبر الترتيبات العسكرية، بل من خلال خلق مصالح اقتصادية مشتركة تقلل من احتمالات الصدام.
ولم تكتف موسكو بطرح المبادئ العامة، بل قدمت تصورا عمليا لإنشاء منظومة أمنية تدريجية تبدأ بحوارات ثنائية ومتعددة الأطراف تشمل دول الخليج وإيران، إضافة إلى القوى الدولية الكبرى والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، إلى جانب منظمات إقليمية مثل مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
وتسعى روسيا من خلال هذه الرؤية إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن في الخليج، بحيث يتحول من أمن قائم على الردع الخارجي إلى أمن إقليمي تشاركي، تكون فيه دول المنطقة هي الفاعل الأساسي بدلا من القوى الأجنبية.
الخليج بين تراجع المظلة الأمريكية وصعود المقاربات الإقليمية
أعاد المقترح الروسي فتح النقاش حول مستقبل النظام الأمني في الخليج، خصوصا في ظل التغيرات التي طرأت على السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، فمنذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض للمرة الثانية في يناير/ كانون الأول 2025، بدأت تظهر بوضوح ملامح سياسة جديدة تقوم على إعادة تقييم الالتزامات الأمريكية الخارجية وفق منطق الكلفة والعائد.
وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على العلاقة مع دول الخليج، حيث تحولت، حسب محللين، الحماية الأمنية الأمريكية تدريجيا إلى ما يشبه الخدمة المدفوعة، مع تصاعد الضغوط المتعلقة بصفقات التسليح والتمويل والتموضع السياسي. كما أن التردد الأمريكي في الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية أثار قلقا متزايدا لدى حلفاء واشنطن التقليديين.
وخلال الحرب الأخيرة في المنطقة، بدا واضحا أن الولايات المتحدة تفضل تقليل انخراطها الميداني المباشر، والاكتفاء بتقديم الدعم الاستخباراتي والتسليح بدون تحمل كلفة المواجهة العسكرية الشاملة. كما كشفت الحرب أن امتلاك الأنظمة الدفاعية المتطورة، مثل باتريوت وثاد، لا يوفر بالضرورة حماية كاملة للبنى التحتية الحيوية.

هذه التطورات دفعت العديد من العواصم الخليجية إلى إعادة التفكير في مستقبل أمنها الإقليمي. فالدول الخليجية باتت تدرك أن الاعتماد المطلق على المظلة الأمريكية لم يعد ضمانة كافية، خصوصا في ظل التحولات الجارية في أولويات واشنطن العالمية.
وفي هذا السياق، برزت ثلاث مقاربات رئيسية داخل الخليج، الأولى تقوم على تعزيز التكامل الدفاعي الخليجي، عبر تطوير أنظمة دفاع جوي مشتركة وهياكل تنسيق عسكري موحدة. والثانية تعتمد على تنويع الشراكات الدولية والانفتاح على قوى مثل الصين وروسيا. أما الثالثة، وهي الأكثر حساسية، فتتمثل في محاولة بناء تفاهمات مباشرة مع إيران باعتبارها قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها.
وتشير العديد من التحليلات إلى أن الحرب الأخيرة دفعت بعض العواصم الخليجية إلى قناعة مفادها أن أي مواجهة شاملة مع إيران ستكون لها كلفة اقتصادية واستراتيجية هائلة، خصوصا إذا تعرضت حركة الملاحة في مضيق هرمز للخطر أو استهدفت البنى التحتية النفطية والطاقة.
وفي هذا الإطار، بدأت تظهر ملامح توجه جديد نحو خفض التوتر مع طهران، سواء عبر الوساطات الدبلوماسية أو من خلال بناء قنوات اتصال أمنية مباشرة. وقد لعبت الصين دورا مهما في هذا التحول، خصوصا بعد رعايتها اتفاق استئناف العلاقات بين إيران والسعودية. ويرى مراقبون أن المقترح الروسي يحاول استثمار هذا المناخ الإقليمي الجديد، عبر تقديم صيغة أمنية تستند إلى فكرة الأمن معا بدل الأمن ضد بعضنا، وهي الفكرة التي بدأت تتردد بشكل متزايد في الخطابات السياسية والتحليلات الاستراتيجية داخل المنطقة.

إيران ومعادلة الأمن الإقليمي الجديدة
في قلب المقترح الروسي تقف إيران باعتبارها لاعبا رئيسيا في أي معادلة أمنية مستقبلية في الخليج. فموسكو ترى أن تجاهل طهران أو محاولة عزلها لن يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد، بينما يتطلب الاستقرار الحقيقي إشراك جميع القوى الإقليمية في ترتيبات الأمن الجماعي.
وخلال السنوات الماضية، عملت إيران على تعزيز قدراتها العسكرية والبحرية بصورة كبيرة، خصوصا في الخليج ومضيق هرمز. وقد طورت القوات البحرية للحرس الثوري والجيش الإيراني قدرات متنوعة تشمل الزوارق السريعة والصواريخ البحرية والطائرات المسيرة والغواصات وأنظمة الحرب غير المتكافئة.
كما كثفت طهران مناوراتها البحرية المشتركة مع روسيا والصين، في رسالة واضحة مفادها أنها ليست معزولة دوليا، وأنها قادرة على بناء شراكات استراتيجية خارج الإطار الغربي التقليدي.
وفي المقابل، تحاول إيران تقديم نفسها باعتبارها الضامن الحقيقي لأمن الخليج، انطلاقا من فكرة أن دول المنطقة وحدها قادرة على حماية أمنها بعيدا عن التدخلات الأجنبية. وقد تكرر هذا الخطاب بصورة واضحة في التصريحات الإيرانية الأخيرة، التي شددت على أن الوجود العسكري الأمريكي هو أحد أبرز مصادر التوتر وعدم الاستقرار.

لكن رغم ذلك، ما تزال هناك فجوة ثقة عميقة بين إيران وعدد من الدول الخليجية، خصوصا في ظل الخلافات المرتبطة بالنفوذ الإقليمي والملفات الأمنية في اليمن، والعراق، ولبنان، وسوريا. ولهذا السبب، تبدو فكرة الانتقال إلى نظام أمني إقليمي شامل عملية معقدة وطويلة تحتاج إلى مراحل متعددة من بناء الثقة.
ومع ذلك، فإن التحولات الجارية تشير إلى أن المنطقة بدأت تدخل مرحلة مختلفة، تتراجع فيها تدريجيا فكرة الهيمنة الأمنية الأحادية لصالح مقاربات أكثر تنوعا وتعددية. فالصين باتت حاضرة بقوة كضامن اقتصادي ودبلوماسي، وروسيا تحاول تثبيت دورها السياسي والأمني، بينما تبحث دول الخليج عن هامش أوسع من الاستقلالية الاستراتيجية.
وفي ظل هذه المعادلات الجديدة، يبدو أن مستقبل الخليج سيتحدد بناء على قدرة الأطراف الإقليمية على الانتقال من منطق الصراع المفتوح إلى منطق إدارة التنافس والتعايش الأمني. فالمعادلة الجديدة التي تحاول موسكو الترويج لها تقوم على فكرة أن الاستقرار لا يمكن أن يفرض بالقوة العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى توازن دقيق بين الردع والتفاهم والمصالح المشتركة.

وفي النهاية، فإن المقترح الروسي، رغم ما يواجهه من تحديات سياسية وجيوسياسية، يعكس بوضوح حجم التحول الذي يشهده النظام الإقليمي في الخليج. فالعالم الذي كان يقوم على احتكار أمريكي شبه كامل للمعادلة الأمنية بدأ يتغير، لتحل مكانه بيئة أكثر تعقيدا تتداخل فيها الأدوار الدولية والإقليمية.
ويبقى السؤال الأهم، هل تستطيع دول الخليج وإيران والقوى الدولية ترجمة هذه الرؤى إلى ترتيبات عملية ومستدامة، أم أن المنطقة ستبقى أسيرة دوامات التصعيد والردع المتبادل؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد بعيد شكل الخليج ومستقبل أمنه خلال السنوات المقبلة.

