- زاد إيران - المحرر
- 12 Views
مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة في إيران، تعود أزمة انقطاع التيار الكهربائي إلى واجهة المشهد الاقتصادي والاجتماعي، وسط مخاوف متزايدة من اتساع فجوة العجز بين الإنتاج والاستهلاك. ففي السنوات الأخيرة، تحولت أزمة الكهرباء من مشكلة موسمية محدودة إلى تحد هيكلي يعكس حجم الضغوط التي تواجه البنية التحتية للطاقة في البلاد، في ظل تزايد الاستهلاك، وتباطؤ تطوير المحطات، وتراجع الاستثمارات في القطاع الكهربائي. وبينما تحاول الحكومة احتواء تداعيات الأزمة عبر برامج تقنين الاستهلاك وإدارة الأحمال، تتصاعد التحذيرات من آثار الانقطاعات على الصناعة والأسواق ومعيشة المواطنين، خصوصا مع استمرار الضغوط الاقتصادية والتضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج.
نجفي وتحذيرات صيف الكهرباء القاسي
برزت تصريحات آرش نجفي، رئيس لجنة الطاقة في غرفة التجارة الإيرانية، الأربعاء 3 يونيو/ حزيران، باعتبارها من أكثر التصريحات وضوحا وصراحة بشأن أزمة الكهرباء المتوقعة خلال صيف 2026، إذ أكد أن البلاد ستواجه انقطاعات مبرمجة ومستمرة للكهرباء، قد تمتد لنحو 120 يوما، مع احتمال تطبيق انقطاع يومي يصل إلى ساعتين في القطاعات المنزلية والتجارية والإدارية.

وأشار نجفي إلى أن العجز في الكهرباء لا يزال قائما رغم التحسن النسبي مقارنة بالعام الماضي، موضحا أن حجم اختلال التوازن الكهربائي انخفض من نحو 20 ألف ميغاواط إلى قرابة 12 ألف ميغاواط، بفضل دخول ما يقارب 5 آلاف ميغاواط من الطاقة الشمسية إلى الشبكة الوطنية، إلا أن هذا الانخفاض لا يعني انتهاء الأزمة.
كما أكد أن ساعات الذروة تبدأ يوميا من العاشرة صباحا حتى الثامنة مساء، وهي الفترة التي يرتفع فيها تشغيل أجهزة التبريد مع ارتفاع درجات الحرارة، ما يزيد الضغط على الشبكة الكهربائية بشكل كبير، موضحا أن إنتاج الطاقة الشمسية يساهم جزئيا في تخفيف الضغط خلال هذه الساعات.
وفي أكثر تصريحاته إثارة للجدل، قال نجفي إن المواطنين يجب أن يستعدوا لتحمل انقطاع الكهرباء لمدة ساعتين يوميا من أجل الحفاظ على استمرار عمل القطاع الصناعي، مؤكدا أن رئيس الجمهورية شدد على ضرورة عدم قطع الكهرباء عن المصانع، بسبب الخسائر الكبيرة التي تعرض لها القطاع الإنتاجي خلال العام الماضي، موضحا أن استمرار تشغيل المصانع يمثل أولوية اقتصادية للدولة، لأن توقف خطوط الإنتاج سيؤدي إلى تعميق الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، فضلا عن زيادة الضغوط التضخمية ونقص السلع في الأسواق، وهو ما يدفع الحكومة إلى نقل جزء من عبء إدارة الاستهلاك إلى القطاع المنزلي.

كما لفت نجفي إلى أن الأزمة الحالية ليست مرتبطة فقط بارتفاع الاستهلاك، بل تعود أيضا إلى مشكلات تراكمية في قطاع الطاقة، منها تهالك بعض المحطات، وضعف كفاءة محطات الكهرباء القديمة، وعدم قدرة الاستثمارات الجديدة على مواكبة النمو المتزايد في الطلب على الكهرباء، وشدد على أن الحكومة حققت تقدما في مجال الطاقة المتجددة خلال العامين الماضيين، لكن هذا التقدم لا يزال غير كاف، في ظل غياب الحوافز الحقيقية لجذب استثمارات القطاع الخاص، إلى جانب التعقيدات الإدارية والبيروقراطية التي تعرقل مشاريع إنشاء المحطات الجديدة.
ودعا نجفي إلى توسيع استخدام أنظمة تخزين الطاقة والبطاريات الحديثة، خصوصا بطاريات “فوسفات الحديد الليثيوم”، معتبرا أنها تمثل أحد الحلول العملية لتخفيف الضغط على الشبكة، إذ يمكن للمواطنين تخزين الكهرباء خلال ساعات الليل منخفضة الاستهلاك واستخدامها في ساعات الذروة، كذلك طالب القطاع المصرفي بتوفير تسهيلات مالية للمواطنين لشراء أنظمة التخزين الكهربائي، مؤكدا أن هذه الاستثمارات ستكون مجدية اقتصاديا في ظل التوقعات بارتفاع أسعار الكهرباء مستقبلا وتغيير نظام التعرفة بحسب ساعات الاستهلاك.
تداعيات الانقطاعات على الاقتصاد والصناعة
تثير أزمة الكهرباء في إيران مخاوف متزايدة داخل الأوساط الاقتصادية والصناعية، خاصة مع التحذيرات من أن استمرار الانقطاعات سيؤدي إلى تعطيل الإنتاج وارتفاع التكاليف وتراجع تنافسية القطاع الصناعي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني أساسا من العقوبات والضغوط التضخمية وتراجع القدرة الشرائية.
وفي هذا السياق، حذر مسؤولون في منظمة الصناعات الصغيرة والمدن الصناعية الإيرانية من أن الانقطاعات المتكررة للكهرباء لا تؤدي فقط إلى خسائر فنية في المعدات والآلات، بل تفرض أيضا تكاليف تشغيل إضافية كبيرة على المصانع، نتيجة توقف خطوط الإنتاج واضطرار الشركات إلى استخدام بدائل مكلفة مثل المولدات التقليدية.
وفی هذا السیاق، أكد طهمورث لاهوتي، القائم بأعمال منظمة الصناعات الصغيرة، أن استمرار التيار الكهربائي يمثل شرطا أساسيا للحفاظ على سلاسل الإنتاج وتوفير السلع الأساسية في الأسواق، مشيرا إلى أن أي خلل في شبكة الكهرباء سينعكس مباشرة على حركة الأسواق وأسعار السلع والقدرة الشرائية للمواطنين، وأوضح أن الموارد البشرية تشكل الثروة الحقيقية للقطاع الصناعي، وأن تكرار الانقطاعات قد يدفع كثيرا من المصانع إلى تقليص العمالة أو تعليق النشاط، الأمر الذي قد يفاقم معدلات البطالة ويزيد من الضغوط الاجتماعية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

كما حذر من أن تراجع استقرار القطاع الإنتاجي قد يدفع المستثمرين إلى تحويل أموالهم نحو القطاعات غير المنتجة والأسواق المضاربية، بدلا من توجيهها نحو الاستثمار الصناعي، وهو ما يشكل تهديدا إضافيا لمسار النمو الاقتصادي في البلاد.
وتشير التقديرات إلى أن عددا من الصناعات الثقيلة، وعلى رأسها البتروكيماويات والصلب والإسمنت، ستكون الأكثر تأثرا بأي نقص في الكهرباء، نظرا لاعتمادها الكامل على الطاقة في عمليات التشغيل والإنتاج، وهو ما يفسر إصرار الحكومة على إعطاء الأولوية للمصانع في توزيع الكهرباء. كما أن توقف المصانع أو خفض إنتاجها لا ينعكس فقط على السوق المحلية، بل يمتد أيضا إلى صادرات البلاد، خصوصا في القطاعات التي تمثل مصدرا رئيسيا للعملة الأجنبية، ما قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية إضافية في وقت تحتاج فيه إيران إلى تعزيز مواردها المالية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار أزمة الكهرباء بهذه الصورة يكشف وجود خلل هيكلي في سياسات إدارة الطاقة، خصوصا مع اتساع الفجوة بين نمو الاستهلاك وحجم الاستثمارات في البنية التحتية الكهربائية، إلى جانب تراجع قدرة الدولة على تمويل المشاريع الكبرى بسبب العقوبات ونقص التمويل.
الطاقة المتجددة والبحث عن حلول طويلة الأمد
في مواجهة التحديات المتزايدة، تتجه الأنظار في إيران نحو الطاقة المتجددة باعتبارها أحد الحلول الرئيسية لتخفيف أزمة الكهرباء وتقليل الضغط على الشبكة الوطنية، خصوصا مع تزايد الاعتماد على الطاقة الشمسية خلال السنوات الأخيرة. وقد أعلنت السلطات الإيرانية دخول آلاف الميغاواطات من محطات الطاقة الشمسية إلى الخدمة، في محاولة لتعويض جزء من العجز الكهربائي، خاصة خلال ساعات النهار التي تشهد أعلى معدلات استهلاك بسبب تشغيل أجهزة التبريد.

ورغم هذا التوسع، يرى مختصون أن الطاقة المتجددة وحدها لن تكون كافية لحل الأزمة، ما لم تترافق مع تحديث البنية التحتية القديمة وتحسين كفاءة محطات الكهرباء التقليدية، فضلا عن تطوير أنظمة التخزين الكهربائي وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في الاستثمار.
ويؤكد خبراء الطاقة أن جزءا مهما من المشكلة يرتبط بتقادم عدد كبير من المحطات الحرارية في إيران، والتي تعمل بكفاءة منخفضة وتستهلك كميات كبيرة من الوقود مقابل إنتاج محدود للكهرباء، ما يستدعي تنفيذ خطط شاملة لإعادة التأهيل والتحديث. كما تواجه مشاريع الطاقة المتجددة تحديات تتعلق بالتمويل والتراخيص والقيود الإدارية، حيث يشكو المستثمرون من بطء الإجراءات وتعقيدها، إضافة إلى مشكلات تتعلق بسداد مستحقات شركات الكهرباء وتقلبات أسعار العملات الأجنبية.

وفي المقابل، تبرز أنظمة تخزين الطاقة باعتبارها خيارا مهما في المرحلة المقبلة، إذ تسمح بتخزين الكهرباء خلال ساعات انخفاض الطلب وإعادة استخدامها خلال فترات الذروة، وهو ما قد يخفف الضغط على الشبكة ويقلل الحاجة إلى الانقطاعات المبرمجة. ويرى مختصون أن نجاح هذه الحلول يتطلب إصلاحات أوسع في قطاع الطاقة، تشمل إعادة هيكلة التعرفة الكهربائية، وترشيد الاستهلاك، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، إضافة إلى تعزيز التعاون الإقليمي في مجال تبادل الكهرباء مع الدول المجاورة.
وفي ظل استمرار التحديات الاقتصادية والضغوط على البنية التحتية، يبدو أن أزمة الكهرباء في إيران لن تكون أزمة عابرة أو موسمية، بل قضية استراتيجية ترتبط بمستقبل الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي، ما يجعل معالجتها تتطلب رؤية طويلة الأمد تتجاوز الحلول المؤقتة وبرامج التقنين الموسمية>
