- زاد إيران - المحرر
- 378 Views
كتب: هادي كرمي
أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قدّم الرئيس الإيراني مسعود بزشکیان، بصوت هادئ لكن واثق، رؤية إيران ومواقفها أمام قادة العالم. واستهل خطابه بالتأكيد على أن “إيران لم تسعَ قط لامتلاك سلاح نووي ولن تسعى إليه مستقبلا”، موضحا أن هذا الموقف يستند إلى حكم شرعي وفتوى صادرة عن المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي.
قال بزشکیان: “نحن لا نريد القنبلة النووية، فهذا خيار ديني وسياسي نابع من قناعاتنا. لكننا نؤكد تمسّك الشعب الإيراني بحقه المشروع في الاستخدام السلمي للطاقة النووية”.
كانت هذه العبارة من أبرز محاور خطابه، فقد اعتبر الرئيس الإيراني، في معرض حديثه عن تطورات المنطقة، أن الهجمات الإسرائيلية والأمريكية على الأراضي الإيرانية خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025، “خيانة كبرى للدبلوماسية والقانون الدولي”.
وتساءل بنبرة ممتزجة بالاستياء والحزم: “كيف يمكن قبول أن يُستهدف بلد اختار طريق الدبلوماسية بالقصف؟ أهذا هو النظام العالمي الذي يتغنى به مدّعوه؟”
حرص بزشکیان في خطابه على الجمع بين الواقعية السياسية والتمسك بالمبادئ. فأكد استقلال إيران في مواجهة القوى الكبرى، لكنه في الوقت نفسه أعلن استعداد طهران للتعاون مع كل الدول الملتزمة بـ”الكرامة والثقة والمستقبل المشترك”.
وتعكس هذه المواقف بوضوح الخطاب الذي يكرره المرشد الإيراني علي خامنئي، والذي يشدد فيه مرارا على أن إيران لن تخضع لـ”إملاءات وضغوط” القوى الغربية، لكنها ترحب في المقابل بالتفاعل البنّاء والاحترام المتبادل. وفي هذا السياق، سعى بزشکیان إلى تقديم صورة أكثر دبلوماسية لذلك الموقف الثابت.
قال نادر شفيعي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة طهران، في حديث لمراسل “زاد إيران: “حينما أعاد الرئيس في نيويورك التذكير بفتوى المرشد الأعلى بشأن تحريم إنتاج السلاح النووي، كان ذلك رسالة واضحة. لقد أكد أن السياسة الخارجية الإيرانية متماسكة، وأن هذا التوافق في أعلى مستويات الدولة يحول دون أي سوء فهم أو استغلال من قِبل القوى الأجنبية. أما بالنسبة للأوساط الأكاديمية، فإن هذا الانسجام يحمل دلالة على الاستقرار والتماسك”.
وقد خُصص جزء مهم من خطاب بزشکیان للملف النووي الإيراني وتهديد إعادة فرض عقوبات مجلس الأمن. واتهم الدول الأوروبية بـ”نكث صريح للعهود”، قائلا: “الدول الأوروبية الثلاث قامت بالنيابة عن الولايات المتحدة بتفعيل ما يُسمّى آلية الزناد لإخضاع إيران عبر الضغوط. وهذا السلوك يُعد انتهاكا واضحا لاتفاق عام 2015 وتجاهلا سافرا للقانون الدولي”.
ومع ذلك، شدّد بزشکیان على أن إيران مستعدة للعودة إلى التزاماتها، شرط أن يتعامل الطرف الآخر “بحسن نية واحترام”. وأضاف قائلا: “إن الشعب الإيراني لن يخضع يوما للتهديد أو العقوبات. نحن نحوّل الضغوط إلى فرص”.
محمد تقي رضوي، أحد تجار البازار الكبير في طهران، تابع باهتمام خطاب الرئيس. وقال: “كلام بزشکیان عن العقوبات كان ترديدا لما ظلّ المرشد الأعلى يؤكد عليه دائما: الصمود والمقاومة. بالنسبة لنا نحن أهل البازار، من المهم أن نرى أن للبلاد صوتا واحدا في السياسة الخارجية. فعندما يكرر الرئيس والقيادة العليا الموقف نفسه، يفهم الأعداء حدودهم”.
وتطرق الرئيس الإيراني في جزء آخر من حديثه إلى حرب يونيو/حزيران 2025 الدامية؛ تلك الحرب التي بدأت بهجمات إسرائيل على منشآت إيرانية، وتوسعت بتدخل مباشر من الولايات المتحدة. وقال: “أكثر من ألف إيراني فقدوا حياتهم في هذه الهجمات. هذه الدماء شاهد على ازدراء المعتدين للدبلوماسية”. وأضاف بزشکیان: «لقد ردَدنا، لكن قبولنا بوقف إطلاق النار كان دليلا على أننا نسعى للسلام”.

أما فاطمة أحمدي، وهي أم لطفلين من جنوب طهران، فقالت: “عندما تحدث الرئيس في الأمم المتحدة عن أطفال غزة وضحايا إيران، شعرتُ أنه عبّر عن وجداننا جميعا. المرشد الأعلى طالما شدّد على نصرة المظلوم، ويسعدني أن بزشکیان أوصل هذا الصوت إلى العالم. بالنسبة لنا نحن الأمهات، من الضروري أن نعلم أن قادة البلاد لا يصمتون أمام الظلم”.
وقد خصّص بزشکیان جزءا واسعا من كلمته لقضية فلسطين، متهما إسرائيل بارتكاب “إبادة جماعية في غزة”، مشيرا إلى أن أكثر من 35 ألف مدني – معظمهم من النساء والأطفال – قُتلوا في الهجمات الأخيرة. وحذّر، في إشارة إلى مخططات “إسرائيل الكبرى”، قائلا: “لن يكون أحد في العالم في مأمن من هذا المشروع العدواني إذا لم يتم وقفه اليوم”.
سارا، فنانة تشكيلية تبلغ من العمر 26 عاما وتعمل في إحدى قاعات العرض بطهران، تقول: «عندما أكد بزشکیان أن التهديدات يجب أن تتحول إلى فرص، تذكّرت كلمات المرشد الأعلى الذي كان دائما يتحدث عن الأمل بالمستقبل. بالنسبة لنا نحن الشباب، من المهم أن نرى هذا التناغم. لم أشعر بأي فجوة بين الرئيس والقيادة؛ فكلاهما شدّد على العزة الوطنية”.
وفي ختام خطابه، حرص بزشکیان على تقديم صورة إيجابية وبنّاءة عن إيران، قائلا: “إيران شريك موثوق لكل الدول الساعية إلى السلام. فلنحوّل معا التهديدات إلى فرص”. وقد حملت هذه الرسالة التصالحية، رغم تأكيدها على استقلالية إيران، إشارة إلى رغبة طهران في لعب دور فاعل في النظام العالمي الناشئ.
أما رضا مرادي، وهو فلاح انتقل من كرمانشاه إلى طهران، فيقول: “حينما كرر الرئيس في الأمم المتحدة كلمات المرشد الأعلى، من المقاومة إلى الدفاع عن المظلوم، تأكدنا أن بلدنا يسير في الاتجاه الصحيح. بالنسبة لنا نحن المزارعين، فإن وحدة الموقف بين المسؤولين تبعث على الطمأنينة”.
وفي شارع ولي عصر، رفع رضا شمس، سائق تاكسي يبلغ من العمر 45 عاما، صوت مذياع سيارته ليستمع إلى الخطاب، وقال: “كلام بزشکیان عن العقوبات هو نفسه ما ظلّ القائد يقوله طوال السنوات. حين يسمع الناس صوتا واحدا، تقلّ حيرتهم. هذا الانسجام يبعث على الاستقرار في المجتمع”.
زهراء كاظمي، طالبة ماجستير في القانون الدولي، أضافت: “كان خطاب بزشکیان في الأمم المتحدة دبلوماسيا لكنه مبدئي. لم يقتصر على تأكيد حقوق إيران، بل اعتبر أيضا الهجمات الإسرائيلية انتهاكا صارخا للقانون الدولي. وهذا ينسجم تماما مع مواقف القيادة. مثل هذا التوافق يعزز صورة إيران في العالم”.
أما علي رحيمي، الموظف في وزارة الاقتصاد، فيرى أن: “خطاب الرئيس أثبت أن الدولة والقيادة يتبعان سياسة خارجية واحدة. هذا التناغم يشكل سندا لنا في الجهاز الإداري. فعندما يتحدث المرشد الأعلى والرئيس بصوت واحد، يصبح تنفيذ السياسات أسهل وأكثر فاعلية”.
يمكن النظر إلى خطاب بزشکیان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2025 باعتباره مزيجا متوازنا من المقاومة والدبلوماسية. فقد حرص على إظهار إيران دولة متمسكة بثوابتها، لكنها في الوقت نفسه منفتحة على الحوار والتعاون. وفي طهران، كما عكست أحاديث الناس من مختلف الفئات، لم يُلحظ أي تباين بين الرئيس وقيادة البلاد؛ بل اعتُبرت هذه الوحدة في الموقف علامة على الاستقرار والتلاحم الوطني.
وهكذا، لم يقتصر صدى كلمات بزشکیان على أروقة الأمم المتحدة، بل امتد ليملأ شوارع وأسواق طهران، مجسدا صوتا واحدا ينبض بالمقاومة والأمل والوحدة.

