- زاد إيران - المحرر
- 516 Views
الكاتب:سعيد خورشيدي
مساء الاثنين، 29 سبتمبر/أيلول 2025، شهدت أكاديمية العلوم التابعة لإيران إقامة حفل تكريم للفيلسوف والمفكر الإيراني الراحل أحمد فرديد.
انعقدت الجلسة تحت عنوان: “أزمة التفرعن والتكاثر في العالم المعاصر وتجليات الجرائم ذات الطابع الأخروي”.
غير أنّ ما برز من محتوى هذا الحفل وتصدّر وسائل الإعلام كان الرسالة التي وجّهها المفكر رضا داوري أردكاني، والتي تليت خلال مراسم التكريم.
أحمد فرديد (1916–1999)، فيلسوفٌ إيراني يُعَدّ من روّاد التعريف بالفلسفة الغربية في إيران، ولا سيّما فلسفات هايدغر، وهيغل، ونيتشه، اشتهر بنقده للحداثة ومفهوم “الاستلاب الغربي”، مؤكّدا ضرورة العودة إلى الفكر الأصيل ذي الجذور المحلية والإسلامية.
وقد تركت محاضراته الفكرية أثرا عميقا في أوساط المثقفين آنذاك. قبل الثورة الإسلامية، كان فرديد ناقدا لنظام الشاه وللثقافة الغربية، وساهم في الأوساط الفكرية في نشر رؤى معادية للنزعة التغريبية. وبعد الثورة، أعلن تأييده لها وشارك في برامج تلفزيونية تناول فيها الثورة من منظور فلسفي.
أما رضا داوري أردكاني (مواليد 1933) فهو من أبرز تلامذة فرديد والمقرّبين منه، وكان من المشاركين في الجلسات الفكرية التي عُرفت لاحقًا باسم “الفرديدية”، نظرا للحضور اللافت لأستاذه فيها.
انضمّ داوري إلى دروس فرديد منذ خمسينيات القرن العشرين، وأسس لاحقا “مؤسسة فرديد”، ودافع عن أستاذه واصفا إياه بـ”المظلوم في تاريخ الفلسفة”. ومع ذلك، فقد انتقد حدّة أسلوب فرديد وحاول بلورة فكرٍ أكثر توازنا واعتدالا، فكانت العلاقة بينهما مزيجا من الوفاء التلميذي والنقد البنّاء.

ويرى بعض النقّاد أن داوري يُعدّ استمرارا لفكر فرديد في دعمه للثورة، غير أن داوري نفسه يؤكّد دوما استقلاله الفكري.
كلا المفكرين انطلق من تأثر عميق بفكر هايدغر في نقد الحداثة، وأكّد ضرورة إحياء الفكر المحلي والإسلامي.
فقد واجه فرديد الحداثة مواجهةً راديكالية من خلال نقده لمفهوم “الاستلاب الغربي”، بينما سعى داوري، ضمن إطار أكاديمي أكثر اعتدالا، إلى البحث عن سبيل لاكتساب عقلانية التنمية من الحضارة الغربية وتجاوزها في الوقت ذاته نحو رؤية فكرية تنبع من الذات الإيرانية والإسلامية.
نص رسالة داوري كما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
تحيةً إلى الحاضرين، وإلى من يستمع إلى كلمتي، أبدأ حديثي بتحية وتقديرٍ عميقَين للأصدقاء الأعزاء الذين، منذ رحيل الأستاذ الدكتور فرديد، ينظّمون في كل عام مجلسا للحوار والتأمل في ذكراه.
كان الدكتور فرديد ذا فهم عميق للفلسفة، غير أنّه لم يكن يُفصِّل آراءه بشكل كاف، ولذلك لم يكن كثير من مستمعيه يدركون مقاصده على وجه الدقة، ولم يستطيعوا الحكم عليه حكما منصفا. وبعضهم خلط بين فلسفته وتأملاته الفكرية من جهة، وبين آرائه العابرة في شؤون الحياة اليومية من جهة أخرى، فعارضوه بل وعادوه. وفي المقابل، فإن بعض المدافعين عنه – ومنهم بعض تلامذته – أُلصقت بهم تهمة الانتماء إلى ما سُمِّي زيفًا بـ”المدرسة الفرديدية-الهايدغرية”.

الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر
الفلسفة ميدانٌ للحوار، ولكن حين يتحول النقاش إلى خصومةٍ وعداء واتهام وتجريح، تغادر الفلسفة مكانها، إذ إنّ الفلسفة موطن الصداقة، و”المحبة” جزءٌ من معناها الأصلي، فهي حبّ الحكمة والمعرفة، ومن الطبيعي أن لا يكون للجاهلين بها وُدٌّ أو علاقة.
ومع ذلك، فمعاداة الفلسفة ليست أمرا جديدا، ففي أثينا، مهد الفلسفة ومدينة الشعر والفكر، قُتل سقراط – الذي قال عنه أفلاطون إنه لم يكن له نظير في عصره في العلم والفضيلة! وفي ديارنا نحن أيضا، لاقى أهل الفكر والفلسفة ألوانا من الأذى، وقُتل السهروردي. وذنب الفلسفة أنها تكشف الجهل والغرور واللاعقل، ومن الطبيعي أن تُعاقب على ذلك.
ولا أدري لو كان الدكتور فرديد حيّا بيننا اليوم، ماذا كان سيقول عن هذا العصر، وعن حال العالم وإيران! لا شكّ أنه كان سيحافظ على أصول فكره الأساسية، لكنه – بما أنه كان عارفا بالزمن والتاريخ – ما كان ليغضّ الطرف عن تحوّلات العالم.
ومن الموضوعات التي يناقشها هذا الملتقى مسألة “الحروب المروّعة في آخر الزمان”. ولكن، لماذا وُصفت بأنها “حروب آخر الزمان”؟ إن كانت حروب عصرنا كذلك، أفلا تكون شؤون الإنسان نفسه، في هذا الزمن، ذات طبيعة آخر زمانية أيضا؟
يبدو أنه إذا كانت الحرب حربا آخر زمانية، فينبغي أن نتأمل أولا: من هو الإنسان الأخير؟ وما أزماته ومشكلاته؟ غير أن موضوع الملتقى هو حروب آخر الزمان، لذا أعود إليه.
ما المقصود بحروب آخر الزمان؟ وبمَ تختلف عن الحروب السابقة؟ وما خصائصها؟
إنّ الحرب في آخر الزمان لم تعد – كما كانت في الماضي – حرب جيوش وجنود وغزوات لأجل التوسع، بل صارت حرب معلومات وتقنيات، يقودها الذكاء الاصطناعي.
وحين نتحدث عن ظروف الحرب، لا يمكن أن نتجاهل علاقتها بالاستعلاء. غير أنّ هذا “الاستعلاء” الذي يغذّي الحروب في زماننا ليس ناتجا عن إرادة خالصة للهيمنة فحسب، بل هو – في جوهره – اقترانٌ بين التكبر ووهم القوة.
على أيّ حال، فإنّ عصرنا – كما قال بعض الفلاسفة المعاصرين – هو عصر الكراهية والعداوة، وقد ذهب شخصٌ مثل كارل شميت إلى القول إنّ السياسة ليست سوى تمييز العدوّ ورسم حدود العداء والصداقة. وفي مثل هذا الزمن، يصبح تجنّب الحرب أمرًا في غاية الصعوبة.
لكن، كما أُشير من قبل، الحرب اليوم هي حربُ معلومات، فالقوى العظمى تحافظ على نفوذها وتمارس سلطتها عبر الهيمنة المعلوماتية والتأثير الخفيّ في شبكات المعرفة. وإذا دخلت دولتان أو أكثر في خصومة فيما بينها، فإنّ النفوذ المعلوماتي سيكون العامل الأهم والأكثر حسمًا في انتصارها أو هزيمتها.
ومن الصفات الغريبة الأخرى لحروب عصرنا، أنّ غايتها لم تعد الفتح أو النصر، بل الإبادة والتدمير، فالأشخاص الذين وصفوا هذا العصر بعصر الكراهية ربما قصدوا بذلك أنّ الأعداء لم يعودوا يرضون بإخضاع بعضهم بعضا، بل يبتغون محوَ الآخر وإفناءه تماما.
ونعلم أنّ تاريخ الحداثة تأسّس على مفهوم الذاتية وظهور إرادة القوة، الأمر الذي أحدث تحوّلا جذريّا في حياة البشر وأحوالهم في كل أنحاء العالم. لكنّ هذه الذاتية المتمركزة حول نفسها لم تعد تملك اليوم ما كانت تملكه من قدرة وسطوة. وعندما قيل: “الإنسان قد مات”، كان المقصود موت الذات المهيمنة وانتهاء عصر إرادة القوة.
وكما ذُكر، لم تعد الجيوش والجنود هم من يخوضون الحرب، بل غدت الحرب حرب المعلومات، والتقنية، والذكاء الاصطناعي. ولهذا لم تَعُد هناك حاجة إلى العقل والحكمة، إذ أصبح الذكاء الاصطناعيّ بديلاً عن الإنسان العاقل، يُنتظر منه أن يؤدي دوره. ويبدو أن حال العالم تسير فعلاً نحو زمنٍ يتولّى فيه الذكاء الاصطناعي مكان الإنسان.
ويُقال – وهو قولٌ صادق – إنّ الكائن لا يستطيع أن يصنع مخلوقًا أكمل منه، لكنّ الإنسان اليوم لا يسعى إلى صنع مخلوقٍ كامل، بل يُنشئ – من غير وعيٍ أو انتباه – بديلاً عن نفسه، لعلّه يخلّصه من قلقه وعجزه عن تدبير شؤون وجوده.
وأختم بشكري على سعة صدركم، مبتهلا بالرحمة والرضوان لروح أستاذنا الدكتور فرديد.
رضا داوري أردكاني
29 سبتمبر/أيلول 2025

