- زاد إيران - المحرر
- 521 Views
كتب: سيد نيما موسوي
نقله إلى العربية: الترجمان
مع انطلاق الثورة الصناعية في أوروبا، بالتزامن مع اختراع الآلة البخارية، برزت حاجة ملحّة إلى تقنيات جديدة تُسهم في تأسيس نهضة صناعية حديثة. ومن بين تلك التقنيات برزت مهنة اللحام التي سرعان ما أصبحت إحدى الركائز الأساسية في بناء البنية التحتية وتطور الصناعات المختلفة.
غير أن اللحام ليس وليد العصر الصناعي الحديث، فقد عرفته البشرية منذ ما قبل التاريخ، وتحديداً في العصر البرونزي، حين تعلّم الإنسان طرق صهر المعادن وظهرت حرفة الحدادة. لكن مع الثورة الصناعية، اتخذ اللحام شكله الحديث، ليغدو إحدى أهم أدوات التقدم الصناعي في العالم.
وقد كان اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية، وما تبعهما من تطور في الصناعات العسكرية، عاملاً حاسماً في تسارع نمو هذه التقنية وانتشارها على نطاق عالمي.
هفشجان.. من مدينة أسطورية إلى عاصمة للحام في إيران
مع بداية خطة التصنيع التي أطلقها محمد رضا بهلوي في أواخر خمسينيات القرن الماضي، برزت الحاجة إلى تأسيس شركات صناعية كبرى تتولى قيادة التنمية في البلاد. وفي هذا السياق، اعتُبر اللحام من العلوم التقنية الأساسية الضرورية لتحقيق هذا التوجه الصناعي الجديد.
وفي عام 1959، تم تأسيس شركة “آما” كأول شركة لإنتاج أقطاب اللحام في منطقة الشرق الأوسط، وهو إنجاز عُدّ آنذاك خطوة مهمة نحو التقدم الصناعي في إيران. وفي مارس/آذار 1961، طرحت الشركة أولى منتجاتها في الأسواق، وكانت في بداياتها لا تضم أكثر من عشرة عمال، وقد تأسست برأسمال قدره 10 ملايين ريال. وسرعان ما توسعت أعمالها، فلم تقتصر على السوق المحلية فحسب، بل حققت أيضًا ميزة تصديرية جعلتها حاضرة في الأسواق الخارجية.
وفي ستينيات القرن الماضي، عقد أكبر علي زادة، مالك الشركة، اتفاقيات تعاون تقني مع شركتي أورليكن ورستا السويسريتين، وهو تعاون لا يزال قائماً حتى اليوم، إذ تُعد “آما” الآن مصدّراً للأقطاب إلى إسبانيا وألمانيا، ومن الجدير بالذكر أن شركة “آما” كانت أول شركة إيرانية تُدرج في البورصة عام 1975.
ومع توسع الصناعة وتطور التقنيات، ازداد الاهتمام بتدريب اللحامين المحترفين داخل البلاد، ليصبح اللحام حتى اليوم من أكثر المهن الفنية شعبية في إيران.
وتُعرف مدينة هفشجان، الواقعة في محافظة تشهار محال وبختياري، بأنها عاصمة اللحام الإيرانية، إذ يعمل نحو 70% من سكانها البالغ عددهم 25 ألف نسمة في هذه المهنة. كما تجاوزت مهارة لحاميها حدود الوطن، فانتشروا في أرمينيا، وأوكرانيا، وجنوب أفريقيا، وتركمانستان، وسوريا، وإيطاليا، وألمانيا، والسعودية، وقطر، والعراق والكويت.
نموذج لشهادة لحّام من ستينيات القرن الماضي تعود إلى الراحل محب هفشجاني
جغرافياً، تقع هفشجان عند سفوح جبل جهانبين، وهي مدينة عريقة يعتقد الأهالي أنها كانت مكان تتويج هوشنج، أحد الملوك الأسطوريين في إيران القديمة، وتضم العديد من القبور والتلال الأثرية.
أما من الناحية الدينية، فتُعد هفشجان من أقدم مراكز التشيع في الهضبة الإيرانية، وقد شكّل حكم المشعشعيين في منطقتي خوزستان وتشهار محال أرضية لظهور مير محمد المشعشع، الذي أعلن تشيّعه ونصّب نفسه ملكاً وضرب العملة باسمه، وتمكّن لاحقاً من السيطرة على العتبات المقدسة في النجف وكربلاء، وفي العهد الصفوي، برز من هذه المدينة علماء شيعة كبار، من بينهم الشهيد القائد الهفشجاني، حتى غدت هفشجان تُلقب بـ “دار المؤمنين في أصفهان”.
مع اكتشاف أول بئر نفط إيراني عام 1907 في مدينة مسجد سليمان، اتجه العديد من أبناء هفشجان -المعروفين ببنيتهم القوية ومهاراتهم البدنية العالية- إلى تلك المنطقة للعمل في مشاريع النفط الناشئة، وقد كانت قوتهم الجسدية عاملاً رئيسياً في مشاركتهم في إنشاء أول خط أنابيب نفط في إيران، وهو الخط الذي كان ينقل النفط من مسجد سليمان إلى مصفاة عبادان.
تولّى العمال الهفشجانيون المهاجرون مهمة اللحام التقليدي في بناء هذا الخط، وهو نوع من اللحام كان يُعرف باسم “شافت وغلاف”، فكانوا بذلك الروّاد الأوائل لصناعة اللحام في إيران. ومع دخول الخبراء الأمريكيين إلى البلاد، خضع هذا الخط لتحديث شامل، وهناك بدأت المرحلة الجديدة من تدريب أول جيل من اللحامين الإيرانيين – ومعظمهم من أبناء هفشجان – على أيدي المتخصصين الأمريكيين، خصوصاً في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
أما أبرز إنجازات الهفشجانيين قبل الثورة الإسلامية فكان مشاركتهم الفاعلة في إنشاء مجمع صهر الحديد والصلب في أصفهان، بما في ذلك ورش تصنيع فحم الكوك والأفران العالية التابعة له. في هذا المشروع، تعلّم اللحامون الهفشجانيون على يد الخبراء السوفييت أحدث تقنيات وأساليب اللحام الحديثة آنذاك.
وفي مرحلة ما بعد الثورة عام 1979، واصل الهفشجانيون دورهم المحوري في مسيرة الصناعة الوطنية، إذ كان لهم إسهام بارز في إنشاء منشآت الاستغلال والإنتاج في حقل بارس الجنوبي للغاز بمنطقة عسلوية في جنوب إيران، وهو ما جعل اسم هفشجان يُذكر اليوم بوصفها قلب الخبرة الإيرانية في فن اللحام.
كانت حرفة اللحام في هفشجان مزدهرة إلى درجة أن سكان المدينة نعَوا غير مرة أبناءهم الذين قضَوا أثناء العمل في مواقع مختلفة داخل إيران وخارجها، فقد كان من أكثر الحوادث إيلاماً حادث انقلاب الحافلة التي كانت تقلّ لحّامين من هفشجان في طريقهم إلى أصفهان في أكتوبر/تشرين الأول 1970، وهو الحادث الذي خلّف مأساة عميقة في نفوس الأهالي.
كما شهدت المدينة في سبتمبر/أيلول 2010 فاجعة أخرى عندما أدّى انفجار خط أنابيب الغاز في سرخس قرب الحدود مع تركمانستان -نتيجة اصطدام جرافة ميكانيكية بالأنبوب- إلى مصرع 12 لحّاماً هفشجانياً.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2013، تعرّض فريق من اللحّامين الهفشجانيين العاملين في مشروع خط الغاز “الندي” قرب محافظة ديالى العراقية لهجوم إرهابي، استُشهد خلاله ستة من أبناء هفشجان. وبعد أقل من عام، في مايو/أيار 2014، وعلى مشارف ظهور تنظيم الدولة المعروف باسم “داعش”، تعرّض المشروع ذاته لهجوم آخر أودى بحياة اثنين من اللحّامين الهفشجانيين، وقد شيّع الأهالي جثامينهم في موكب مهيب يليق بتضحياتهم.

اللافت أن الجيل الأول من لحّامي هفشجان، الذين أنشأوا بخبراتهم التقليدية أول خط أنابيب من مسجد سليمان إلى عبادان، مهّد الطريق لأجيال لاحقة أكثر تطوراً، فقد تلقّى الجيل الثاني تدريبات متقدمة على أيدي الخبراء الأمريكيين والسوفييت، وساهم بقوة في إرساء البنية التحتية للصناعات الثقيلة الإيرانية في ستينيات القرن الماضي، وعلى رأسها مشروع مجمع صهر الحديد في أصفهان، أما الجيل الثالث فقد واصل هذا الإرث الصناعي بالمشاركة في مشروعات استراتيجية كحقل بارس الجنوبي للغاز.
وربما كانت أحدث المشاريع الكبرى التي شارك فيها لحّامو هفشجان هو إنشاء خط أنابيب النفط الواصل بين منطقة كوره في خوزستان وميناء جاسك على مضيق هرمز، وهو مشروع يدخل في إطار التعاون الاستراتيجي بين إيران والصين.
اليوم، لا يقتصر ارتباط هفشجان باللحام على تاريخها فحسب، بل يمتد إلى حاضرها أيضاً؛ إذ تضم مدارس فنية متخصصة في تعليم فنون اللحام، كما تُنظّم فيها المسابقة الوطنية للحام سنوياً – في تأكيد على أن اسم هفشجان أصبح مرادفاً لصناعة اللحام في إيران.

