- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 1014 Views
في ظل تصاعد التوترات النووية الإقليمية، يفجر الدكتور يسري أبو شادي، كبير المفتشين النوويين بالوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقاً، في حواره مع “زاد إيران”، قنبلة من التحليلات حول انتهاء الاتفاق النووي الإيراني في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2025، محذراً من تعنت غربي يدفع نحو كارثة محتملة، ومؤكداً أن الضربة الأمريكية الأخيرة لم تنهِ البرنامج النووي الإيراني، بل قد تفتح أبواباً لمفاوضات سلمية أو صراعات أعمق، مع دور مصري حاسم في تهدئة الأوضاع. فإلى نص الحوار؛
ماذا يعني إعلان إيران أنها لم تعد ملزمة بالقيود المرتبطة بالبرنامج النووي مع انتهاء مدة الاتفاق الدولي الذي أبرم قبل عشر سنوات؟
في يوليو/تموز 2015، عندما أُبرمت الاتفاقية النووية، تضمنت عدة تواريخ حاسمة للتنفيذ، منها بدء التنفيذ الفعلي والقيود المفروضة على إيران في برنامجها النووي، خاصة فيما يتعلق بتقييد نسبة التخصيب وكميات اليورانيوم وغيرها، كما شملت الاتفاقية رفع العقوبات عن إيران خلال 8 سنوات، القيود المفروضة على إيران، والتي استمرت لمدة تتراوح بين 8 إلى 10 سنوات، حددت تاريخًا بارزًا وهو 18 أكتوبر 2025، حيث تنتهي القيود على برنامج إيران النووي، مثل تقييد التخصيب عند 3.67% وكمية اليورانيوم عند 300 كيلوغرام، إلى جانب قيود أخرى.
في الوقت ذاته، كان من المفترض أن يتم رفع العقوبات عن إيران بالكامل في هذا التاريخ، شريطة عدم وجود شكاوى من الدول الأعضاء في الاتفاقية تفيد بمخالفة إيران لالتزاماتها، لكن دول الترويكا الأوروبية (فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا) استغلت هذا التاريخ وقدمت، قبل أكثر من شهر، ادعاءات بمخالفة إيران للاتفاق، ونجحت في تمرير قرار في مجلس الأمن يؤكد هذه المخالفة.. بهذا، حاولت هذه الدول منع رفع العقوبات نهائيًا عن إيران وإنهاء القيود على برنامجها النووي في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2025، من جانبها، أكدت إيران أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في 2018 أخل بالتزامات الاتفاق، مما جعلها غير ملزمة بتنفيذه اعتبارًا من 2019، وبدأت طهران في خرق القيود تدريجيًا بين عامي 2021 و2022، حتى أصبحت مخالفة لجميع القيود المفروضة عليها.

اليوم، تعلن إيران صراحة أن تاريخ 18 أكتوبر/تشرين الأول 2025 ينهي جميع الالتزامات المرتبطة بالاتفاق النووي، رغم أن بعض بنود الاتفاق كانت تمتد لأكثر من 10 سنوات إلا أن القيود الأساسية، التي استمرت 10 سنوات، قد انتهت ونتيجة لذلك، ترى إيران أنها أصبحت حرة في تخصيب اليورانيوم كما تشاء، ورفع نسب التخصيب، وتطوير وحدات الطرد المركزي وغيرها، وتؤكد إيران، بدعم من روسيا والصين، أنها لا تعترف بقرارات الترويكا أو قرارات مجلس الأمن، وأن الاتفاق النووي القديم أصبح كأن لم يكن اعتبارًا من 18 أكتوبر/تشرين الأول 2025، مما يجعل شكاوى الترويكا بلا أهمية، ويمنع مجلس الأمن من إعادة فرض العقوبات.
ومن المهم التأكيد على أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية ليست طرفا في اتفاق 2015، وبالتالي ليست مسؤولة عنها، لكن مسؤوليتها تقتصر على اتفاق الضمانات ومعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT)، التي تلزم إيران كدولة غير نووية والوكالة لم تكن عضوًا في اتفاق 2015، لكنها كانت تؤكد تنفيذه، بانتهاء الاتفاق، لم يعد للوكالة أي علاقة به، وتستمر في تفتيش المنشآت المعلنة في إيران وفقًا لاتفاق الضمانات وفي الأيام القليلة الماضية، سمحت إيران لمفتشي الوكالة بالتواجد في طهران لإجراء التفتيش الروتيني، وليس التفتيش الاستثنائي المنصوص عليه في اتفاق 2015، لذا، لا ينبغي الخلط بين التفتيش الروتيني والاتفاق النووي.

وتظل إيران ملتزمة بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وعمليات تفتيش الوكالة على المنشآت المعلنة، حيث يتواجد مفتشو الوكالة بشكل دوري، لكن اتفاق 2015 فرض التزامات إضافية مثل تقييد التخصيب بنسب 3-10% أو كميات محددة، اليوم، تمتلك إيران يورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60% وكمية تصل إلى 500 كيلوغرام، مما يعني أن جميع بنود الاتفاق أصبحت غير ملزمة لها أما الوكالة، فمهمتها تقتصر على مراقبة الالتزام باتفاقية الضمانات ومعاهدة حظر الانتشار النووي، وإيران لم توقف التفتيش التقليدي أو تنسحب من المعاهدة حتى الآن.
ما تأثير الضربة الأمريكية الأخيرة على المشروع النووي الإيراني هل أنهت بالفعل برنامج إيران النووي، وهل يعني هذا إعادة إلى الوراء لسنوات طويلة؟ أم لا أم ما زالت الضبابية تحكم الأمر؟
منذ اليوم الأول، أنا أقول إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اندفاعي ومتعجل جداً في تصريحاته، بأنه هو الذي أنهى البرنامج النووي الإيراني لسنوات قادمة، وإن الضربة الأمريكية الموجهة بشكل خاص إلى منشأة فوردو النووية في إيران قد أنهت كل شيء، الحقيقة، مع التحليل وبمرور الوقت، تشير إلى أن ترامب يبالغ مبالغة كبيرة.
رغم أنه كرر ذلك منذ 3-4 أيام، قائلاً: «إننا ضربنا ومسحنا وأوقفنا»، طبعاً هذا الكلام غير صحيح، يعني دعونا نختلف معه تماماً. إيران، التي صنعت عشرات الآلاف من وحدات التخصيب في آلاف المصانع الموجودة لديها، قادرة على إنتاج المزيد منها، وليس بعيداً أن تكون لديها القدرة على مواصلة برنامجها النووي، لأن تصنيع وحدات التخصيب ليس خاضعاً للتفتيش، والوكالة لا تفتش عليها بالطريقة التقليدية.

الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تفتش على أجزاء من المواقع التي لا تحتوي على مواد نووية، فلماذا تفتش عليها؟ هذا أمر آخر والقصة أن إيران غير موقعة على اتفاق البروتوكول الإضافي، لذا ليس من حق الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تتدخل، أما تخيل أن الرئيس الأمريكي وإسرائيل يعتقدان أنهما أزالا البرنامج النووي الإيراني، فهم مصدقون بذلك، حسناً، لا جدال في أن الضربة كانت مؤذية بالنسبة للبرنامج المعلن والمكشوف.
والشيء المؤكد اليوم هو أن عملية التخصيب توقفت تماماً في منشآت «فوردو ونطنز وأصفهان»، وتوقف العمل فيها كلياً وما زال حتى الآن، وإيران لم تحاول حتى القيام بـ«recovery» أو رصد ما حدث، أعتقد أن الموضوع ما زال مفتوحاً كما هو، لكن البرنامج التخصيبي القائم في المنشآت الثلاث المعلنة قد توقف تماماً، لكن هل نعرف أن هذه هي كل الإمكانيات الموجودة في إيران اليوم؟ ونحن لا نعلم حتى الآن بوجود 10 أطنان من «اليورانيوم المخصب»، منها 500 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%، لا، وإيران تقول إنها لا تستطيع السماح بالتفتيش الآن، لأن هذه المنشآت الثلاث «تعرضت للضرب»، وطبعاً إيران مستعدة للتفاوض، لكن كورقة تفاوضية يقولون إنهم مستعدون للتنازل عن اليورانيوم عالي التخصيب بشرط أن نتفاوض وننهي قصة العقوبات التي تُفرض من حين لآخر.
وماذا عن الدور المصري؟
مصر الحقيقة تلعب دورا كبيرا جدا من الآن، والحقيقة أن مصر هي التي تلعب أدوارا مهمة لأنها دولة كبيرة، فعلاً، اليوم مصر تتفاوض بين إيران وبين الولايات المتحدة الأمريكية والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأتمنى طبعاً أن ينجحوا في هذه المفاوضات السلمية، بحل سلمي دون حل عسكري.

لماذا أصرت دول الترويكا الأوروبية وأمريكا على تقديم إدانة عاجلة لإيران في مجلس الأمن بدلاً من التفاوض رغم استعداد طهران للتعاون ورفض الاقتراح الروسي بتأجيل القرار؟
في تقديري، كانت مبادرة دول الترويكا الأوروبية بالذهاب إلى مجلس الأمن وتقديم إدانة عاجلة لإيران متسرعة، وكان من الأفضل التفاوض والتفاهم أولاً، وطهران كانت قابلة لذلك ومستعدة لإعادة الـ500 كيلوغرام وإعادة المفتشين مرة أخرى على هذه المواد، لكن السؤال: لماذا الإصرار والتعنت بهذا الموقف؟ الحقيقة، الموقف كان غريباً، حتى الاقتراح الروسي الأخير الذي كان يقول أجلوا القرار 6 أشهر- والذي رفضته الترويكا وأمريكا- وفي الحقيقة لا أرى له أي مبررات، غير مبررات سياسية، ولا أريد الخوض في السياسة.
كيف يمكن تقييم مصداقية الرواية الروسية التي يقدمها سيرجي لافروف وزير خارجيتها والتي تنفي مسؤولية روسيا عن اقتراح آلية “سناب باك” وما الدوافع الاستراتيجية التي قد تدفع موسكو لتأكيد أن هذه الآلية كانت “فخاً قانونياً” مفاجئاً لها؟
لا أصدقها.. لأن روسيا قدمت اقتراحًا لمجلس الأمن لتمديد اتفاق عام 2015 لمدة ستة أشهر، لكن المجلس رفض هذا الاقتراح كما تتزعم روسيا، إلى جانب الصين، موقفًا يعارض شرعية إعادة فرض العقوبات على إيران من خلال آلية الزناد وبالتالي، فإن الادعاء بأن روسيا هي من اقترحت آلية إعادة العقوبات على إيران يفتقر إلى الدقة ويحتوي على معلومات مضللة.

د. يسري ذكرت نقطة مهمة إن ثمة تعنتا غريبا من الولايات المتحدة تجاه طهران واتخاذ خطوات استباقية وإيران لا تزال ترحب بالحل السلمي -التفاوض- هل هذا يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أو بآخر تنوي القيام بتوجيه ضربة أخرى ضد المنشآت النووية يعني سواء هي أو إسرائيل أم أن هذا مستبعد الآن؟
إيران اليوم أمام سيناريوهين ، الأول يمكنك القول إنه سيناريو خاص بك، لكنني أقول لا، لأن لديّ مبادرة النية والتخطيط لضرب المنشآت الإيرانية، ثم نعود ونسأل: أين المنشآت الإيرانية التي ستُضرب؟ ما الذي ضربتَه بالفعل؟ ما الذي لديك لتضربه مرة أخرى؟ ستضرب أشياء أنت تعرفها وتم ضربها بالفعل، وإيران سمحت بذلك إذن، الجدوى من ذلك محدودة جداً، لأنه ليس لديه معلومات أخرى هو لا يعرف حتى مكان الموقع الإيراني المخصب باليورانيوم ليذهب ويضربه إذن، أنا لا أرى أن لهذا الأمر جدوى كبيرة، لكن التهديد به ممكن.

نأتي الآن إلى السيناريو الثاني، وهو في رأيي قد يكون الأهم، لأنني أعود وأزيد من التشدد السياسي، وأزيد من العقوبات، وأحاول إثارة أجزاء من الشعب أو بعض الجهات الشعبية لتثور ضد حكومتها، وربما تغيير نظام الحكم، وبالتالي تحقيق أهداف سياسية تحقق بها أحلامها.. هل هذا الكلام سيحدث قبل التنفيذ؟
إيران دولة كبيرة وغنية، ولديها بترول وإمكانيات لا بأس بها، لكن الشعب طبعاً قد يكون له رأي آخر، والشعب ليس له رأي واحد هل هذه سياسة التعنت؟ النقطة الحقيقية هي أن أي متابع لما يحدث يجد أن إيران، قبل عقوبات 28 سبتمبر/أيلول 2025 التي أكدت إعادة فرض العقوبات مرة أخرى، قامت قبلها بأيام قليلة بمحاولات شديدة في الأمم المتحدة في نيويورك، خاصة وزير الخارجية، حاولوا مقابلة الأمريكيين والتحدث معهم، ومقابلة الترويكا وحتى الوكالة.
جميع هؤلاء رفضوا المقابلة، لماذا؟ لأن ذلك يعني أن هؤلاء الناس كانوا مبيتين النية على إصدار هذا القرار، وأنهم يريدون إعادة فرض العقوبات مرة أخرى على إيران.. طيب، لماذا يريدون ذلك، مع أن إيران تقول إنها مستعدة لحل المشكلة المتعلقة بـ500 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، وكل البنود الأخرى التي كانت قابلة للتفاوض؟ طيب، لماذا رفضوا؟

إذن، أعود وأقول إنني ميال إلى السيناريو الثاني: زيادة العقوبات، زيادة الضغط عليها، محاولة إثارة الشعب هناك بسبب العقوبات الاقتصادية.. هل سنصل إلى ذلك؟ أنا لا أعتقد ذلك إذا استمررنا بهذه الطريقة، أعتقد أنه سيكون هناك مفاوضات، وأعتقد أن إيران لا تزال مفتوحة للمفاوضات، خاصة مع رئيس الولايات المتحدة.

