- زاد إيران - المحرر
- 414 Views
كتب: الترجمان
تتجاوز محاكمة النائب الإيراني أبوالفضل ظهرهوند حدود قضية فردية، لتفتح الباب واسعاً أمام نقاشٍ سياسي–قانوني حول معنى “الحصانة البرلمانية” وحدودها في إيران، وحول موقع حرية التعبير داخل منظومة تُوازن باستمرار بين الأمن القومي والانضباط السياسي.
فالحكم الذي صدر ضدّ هذا النائب المحافظ، والقاضي بسجنه ثلاثة أشهر ويوماً واحداً مع وقف التنفيذ، ومنعه لعامين من أيّ نشاط إعلامي، أعاد إلى الأذهان سلسلةً من السوابق البرلمانية التي طالها القضاء بذريعة تجاوز الخطوط الحمراء في الخطاب السياسي.
في ظاهرها، القضية تدور حول تصريحاتٍ إعلامية حادّة صدرت عن ظهرهوند، زعم فيها أنّ “انقلاباً داخلياً” يُحضّر له، وأنّ الثورة الإسلامية ستنتهي مع الحكومة الحالية، وأنّ إسرائيل “تخترق جميع مستويات النظام”. غير أنّ ما تلا تلك المقابلة من تحرك قضائي سريع، بدعوى الإخلال بالأمن القومي، يكشف عمق الحساسية السياسية تجاه الخطاب الداخلي في مرحلة تتزايد فيها الخلافات بين المؤسسات الإيرانية حول السياسة والاقتصاد والأمن.
الحكم القضائي وموقعه القانوني
بحسب رواية وكالة “فارس“، فقد صدر الحكم بعد شكوى تقدّمت بها الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي، ما يدل على أنّ القضية لم تكن مجرّد خلاف سياسي بل نُظرت في إطار أمني مباشر. فالمحكمة أيّدت الاتهام الموجّه إلى النائب بـ إطلاق تصريحات مخالفة للأمن القومي في مقابلة إعلامية، لتقضي عليه بعقوبة رمزية لكنها محمّلة بالرسائل السياسية: وقف التنفيذ لثلاث سنوات، مع منعٍ شامل من أيّ تواصلٍ إعلامي.
غير أنّ ظهرهوند، وفي أول تعليقٍ له، رأى في الحكم مخالفةً واضحة للدستور، مؤكدا أنه سيستأنف القرار، مستندًا إلى المادتين 84 و86 من الدستور الإيراني اللتين تمنحان النائب حرية الرأي والتعبير أثناء أداء مهامه. فهو يعتبر نفسه مارس حقّه النيابي في النقد والتحليل، وأنّ تصريحاته جاءت ضمن واجباته الرقابية تجاه الحكومة.
لكنّ القاضي – كما يُفهم من التفسير الدستوري رقم 4237 الصادر عن مجلس صيانة الدستور عام 1982 – رأى أن ما صدر عن النائب لا يدخل ضمن مهامه النيابية، ومن ثمّ لا تنطبق عليه الحصانة البرلمانية.
وهنا تكمن الإشكالية القانونية الأساسية: من الذي يحدد نطاق المهام النيابية وحدودها؟ هل هو البرلمان نفسه، بوصفه السلطة المنتخبة والمخوّلة بحماية أعضائه، أم السلطة القضائية التي ترى في الأمن القومي خطًا أحمر يعلو على كل اعتباراتٍ سياسية؟
بهذا المعنى، تتحوّل القضية من مسألة شخصية إلى اختبار جديد للعلاقة بين المؤسستين التشريعية والقضائية داخل النظام الإيراني.

تاريخ من المواجهات بين النواب والقضاء
ليست هذه المرة الأولى التي يُحاكم فيها نائبٌ إيراني بسبب تصريح سياسي. فذاكرة البرلمان الإيراني مليئةٌ بحوادث مشابهة، أبرزها قضية حسين لقمانيان عام 2002، الذي حُكم عليه بالسجن قبل أن يتدخل المرشد الأعلى ليعفو عنه ويعيده إلى مقعده النيابي.
وفي عام 2011، واجه علي مطهري تهديداً بالملاحقة القضائية بعد أن انتقد تدخل الحرس الثوري في الانتخابات، فيما تعرّض نائب آخر عام 2012 للمساءلة بعد تصريحاتٍ حول قضية مهدي هاشمي، أحيلت إلى القضاء الخاص برجال الدين.
هذه الوقائع تكشف أنّ مبدأ الحصانة البرلمانية في إيران لم يتبلور بوصفه ضمانة قانونية مطلقة كما هو الحال في البرلمانات الغربية، بل ظلّ مرهونًا بالتوازن بين مؤسسات النظام. فكلما اقتربت التصريحات من ملفات الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية، ضاقت مساحة التسامح السياسي، واتّسعت صلاحيات القضاء في توصيف ما يُعدّ خطراً على الأمن القومي.
ومع ذلك، فإنّ العودة إلى النص الدستوري تُظهر أن المؤسسين الأوائل للجمهورية الإسلامية أرادوا أن تكون هذه الحصانة وسيلة لحماية استقلال البرلمان، لا لتقييده. فالمادة 84 تنص بوضوح على أن «كل نائب مسؤول أمام الأمة وله الحق في إبداء الرأي في جميع القضايا الداخلية والخارجية»، في حين تُكمل المادة 86 ذلك بضمان الحرية الكاملة في الرأي والتصويت.
غير أن التفسير العملي لهذه النصوص ظلّ نسبيًا ومتغيّرًا، تبعًا للمناخ السياسي والجهات التي يُوجَّه إليها النقد.
بين حرية التعبير والانضباط السياسي
على المستوى المبدئي، ترى الأوساط الإعلامية والإصلاحية في طهران أن الحكم على ظهرهوند، رغم كونه محافظاً، يمثل سابقة مقلقة في الحد من حرية التعبير داخل المؤسسة التشريعية نفسها. فحين يُحاكم نائب بسبب رأيه، يضيق المجال أكثر أمام الخطاب النقدي داخل البرلمان، خصوصاً في مرحلةٍ تعاني فيها البلاد من أزمات اقتصادية متشابكة، وتوتراتٍ في السياسة الخارجية.
لكن ثمة وجهة نظر أخرى، تعبّر عنها الدوائر المحافظة القريبة من الأجهزة الأمنية، ترى أن حرية النائب لا تعني حقّه في تقويض ثقة الناس بالمؤسسات أو إطلاق اتهامات غير مسؤولة حول وجود انقلاب داخلي أو اختراق إسرائيلي، وهي تصريحات قد تُستغل خارجياً لتشويه صورة النظام.
وبذلك، يُعاد تعريف حرية التعبير داخل السياق الإيراني بأنها حرية مشروطة بـ”حماية النظام”، لا مطلقة كما في النماذج الليبرالية.
ومن هنا، يصبح الجدل بين الحرية والانضباط السياسي جزءاً من فلسفة الحكم نفسها، حيث يُطلب من النائب أن يكون ناقداً ومسؤولاً في آن واحد. لكن المشكلة تكمن في ضبابية المعايير: فما يُعدّ نقدا بنّاء في نظر تيار، قد يُعدّ تهديداً للأمن في نظر آخر.
الأبعاد السياسية للقضية
تزامن الحكم مع احتدام النقاش داخل البرلمان حول المفاوضات النووية والملف الصاروخي. فظهرهوند، وهو عضو لجنة الأمن القومي، اتهم في تصريحاتٍ سابقة الغرب بالسعي لـ وصولٍ غير مقيَّد للمفتشين إلى المواقع النووية، حتى تلك التي استُهدفت بهجمات، كما أشار إلى أن المباحثات مع واشنطن لا تقتصر على النووي بل تشمل البرنامج الصاروخي أيضاً.
هذه التصريحات الحساسة، في توقيتها ومضمونها، وضعت النائب في مواجهةٍ غير مباشرة مع الخط الدبلوماسي الرسمي الذي تتبناه الحكومة ووزارة الخارجية، ما جعل بعض المراقبين يرون في الحكم رسالة تأديبية أكثر منه إجراء قضائياً بحتاً.
ويعتقد محللون في طهران أن النظام يسعى، عبر مثل هذه الأحكام، إلى إعادة ضبط إيقاع الخطاب الداخلي، ومنع تصاعد الأصوات التي قد تُربك موقف إيران التفاوضي أو تثير شكوكًا في تماسك مؤسساتها.
لكن في المقابل، هناك من يرى أن الإفراط في تقييد النواب والمعارضين داخل النظام ذاته قد يؤدي إلى إضعاف الحيوية السياسية التي تُعدّ أحد مصادر شرعية النظام منذ الثورة.

أزمة مبدأ أم أزمة ثقة؟
إن قضية أبوالفضل ظهرهوند لا تعتبر مجرد ملف قانوني عابر، بل مرآة لأزمة أعمق في تعريف العلاقة بين الحرية والمسؤولية في النظام الإيراني. فالقضاء يستند إلى ضرورات الأمن القومي، والنواب يتمسكون بحقهم الدستوري في التعبير، والنتيجة أن الخط الفاصل بين الواجب النيابي والتهديد الأمني يظلّ غامضاً ومتغيراً بحسب الظروف السياسية.
في النهاية، يمكن القول إنّ مستقبل الحصانة البرلمانية في إيران مرهونٌ بتطور ثقافة سياسية تُفرّق بوضوح بين النقد الداخلي والهجوم على النظام، وتُعيد الاعتبار لمبدأ المساءلة البرلمانية كضمانة لا كتهديد.
وحتى ذلك الحين، ستبقى قضايا مثل قضية ظهرهوند نقطة التقاء بين القانون والسياسة، وحقل اختبار دائم لتوازن القوى داخل الدولة الإيرانية بين الأمن والحرية، بين الولاء والمساءلة، وبين النظام الذي يخشى الفوضى، والبرلمان الذي يسعى – ولو جزئياً – إلى قول ما لا يُقال.
تُظهر قضية أبوالفضل ظهرهوند تعقيد المشهد السياسي–القانوني في إيران، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن القومي مع مبادئ الحصانة وحرية التعبير في فضاء برلماني لا يزال يبحث عن توازن مستقرّ بين الاستقلال والرقابة. فبينما يرى القضاء أن صون الأمن يعلو على كل ما سواه، يؤكد المدافعون عن البرلمان أنّ الرقابة والنقد جزء من جوهر النظام نفسه. وفي غياب تعريف دقيق لحدود الحصانة وحدود الأمن، ستبقى مثل هذه القضايا مؤشرًا على طبيعة العلاقة بين السلطتين التشريعية والقضائية، وعلى المسافة الفاصلة بين حماية النظام واستيعاب الاختلاف داخله.

