- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 485 Views
يواجه الشعب الإيراني جائحة غير مرئية أشد خطرا من أي وباء جسدي، تخيَّل مجتمعا يغرق في بحر من القلق المزمن، حيث يصبح الاكتئاب رفيقا يوميا لملايين، وتتحول الشوارع إلى مساحات مليئة بأرواح مكسورة تبحث عن بارقة أمل، هذا ليس سيناريو تخيليا، بل واقع إيران اليوم، حيث أدت السنوات الأخيرة -من جائحة كورونا إلى التوترات والنزاعات الإقليمية في المنطقة وحرب الـ 12 يوما– إلى تضاعف معدلات الاضطرابات النفسية، متجاوزة الأرقام الرسمية بكثير.
تنتشر الأمراض النفسية، كالقلق والاكتئاب، بشكل كبير في جميع البلدان والمجتمعات، وتؤثر على الناس من جميع الأعمار ومستويات الدخل، وهي ثاني أهم سبب للإعاقة طويلة الأمد، مما يؤدي إلى فقدان الحياة الصحية، كما أنها تزيد من تكاليف الرعاية الصحية للأفراد والأسر المتضررة، وتُسبب أيضاً خسائر اقتصادية فادحة على نطاق عالمي، وبحسب بيانات أصدرتها منظمة الصحة العالمية مؤخراً، فإن أكثر من مليار شخص في جميع أنحاء العالم يعيشون مع اضطرابات نفسية، حيث تفرض أمراض مثل القلق والاكتئاب تكاليف بشرية واقتصادية باهظة.

وفقاً لأحدث التقارير، يعاني نحو 25% من الإيرانيين من اضطراب نفسي واحد على الأقل، لكن الخبراء يحذرون من أن الرقم الحقيقي قد يصل إلى 50% أو أكثر، مدفوعاً بتداعيات الأحداث الدراماتيكية مثل “حرب الأيام الاثني عشر” في 13 يونيو/حزيران 2025، هذه الأزمة ليست مجرد إحصاءات صماء، إنها قصة إنسانية عن مجتمع يصارع من أجل البقاء النفسي وسط عواصف التغيير.
أعراض وتحديات الاكتئاب
علي ناظري، المتخصص في الطب النفسي، وصف الاكتئاب بأنه واحد من أكثر التحديات النفسية انتشاراً في عصرنا، واصفاً إياه بأنه “ظلال داكنة تُغلّف المزاج، تجرد الإنسان من شغفه بالحياة، وتحيله إلى سجينِ حزنٍ لا ينقطع، حيث يتلاشى الإقبال على ما كان مصدر بهجة وسرور”، وأوضح ناظري أن الاكتئاب يتجاوز مجرد شعور عابر بالحزن، إذ يُشخص عندما تستمر هذه الحالة لأكثر من أسبوعين، مصحوبة بأعراض سريرية تعيق إيقاع الحياة اليومية، وأضاف: “عندما يفقد الإنسان قدرته على العيش بنشاطه المعتاد، وتتسلل الأعراض إلى روتينه، فإن ذلك إشارة واضحة إلى وجود الاكتئاب”.

وأشار ناظري إلى أن هذا الاضطراب النفسي بات يشكل تحدياً عالمياً يطال المجتمعات المتقدمة والنامية على حد سواء، واستدل بإحصاءات حديثة تُظهر أن معدل الإصابة يبلغ حوالي 3500 حالة لكل 100 ألف رجل، ويصل إلى 5000 حالة بين النساء.

وفي إيران، ترتفع هذه الأرقام إلى 3947 حالة للرجال و5037 للنساء لكل 100 ألف نسمة، مما يعكس تفاقم الوضع محلياً، وأضاف: “على مدى السنوات الـ26 الماضية، تضاعفت أعداد المصابين بالاكتئاب في إيران، حيث تتربع طهران على رأس المحافظات من حيث عدد الحالات.
بينما تتمتع محافظتا جيلان ويزد بأوضاع أقل حدة نسبياً”، وعن علامات الاكتئاب، أوضح ناظري أنها تشمل “ضبابية الذاكرة، صعوبة التركيز، القلق المزمن، الانفعال السريع، الإرهاق المستمر، الابتعاد عن الأنشطة المحببة، مشاعر الذنب المبهمة، الآلام الجسدية غير المفسرة، التفكير السلبي، وحتى الأفكار الانتحارية”.

وأكد أن هذه الأعراض لا تهدد حياة الفرد الشخصية والاجتماعية فحسب، بل قد تتسبب في أضرار مجتمعية خطيرة إذا تفاقمت على نطاق واسع، واتفق معه شاهين أخوند زادة، رئيس مستشفى روزبه، تزايد الاضطرابات النفسية عالمياً وفي إيران بعد جائحة كورونا، نتيجة تدهور العلاقات الاجتماعية، وسوء التغذية، وقلة الحركة، والعزلة المنزلية، والإفراط في استخدام الإنترنت، واضطراب النوم، مما أدى إلى أنماط حياة غير صحية تؤثر سلباً على الصحة النفسية والعاطفية.

وأشار إلى أن الاكتئاب والقلق هما الأكثر انتشاراً، متأثرين بالتحديات الاجتماعية والاقتصادية، ووصف أعراضهما:
• الأرق
• تغيرات الشهية
• فقدان الحافز
• الأفكار الانتحارية
• الحزن
اضطراب القلق
وفقاً لجمعية طب الشيخوخة الأمريكية (ISNA)، يُعد القلق من أكثر مشاكل الصحة النفسية شيوعاً حول العالم، مع أن الشعور بقدر ضئيل من القلق أمر طبيعي، بل ومفيد في المواقف العصيبة، إلا أنه عندما تتجاوز شدته الحدود الطبيعية ويستمر بشكل مزمن لا يمكن السيطرة عليه، فإنه يفقد قدرته على التكيف ويصبح نوعاً من الاضطراب النفسي، يمكن أن يؤثر هذا الاضطراب على حياة الشخص في جوانب مختلفة، بما في ذلك العلاقات الاجتماعية والمهنية والتعليمية، يشعر العديد من المصابين بالقلق من أمور قد لا تحدث أبداً، أو يتفاعلون بشدة مع المواقف العادية.
أعراض القلق
• خفقان القلب
• التعرق
• التفكير المزعج
• التوتر من الأنشطة اليومية

كما تتخذ اضطرابات القلق أشكالاً أخرى مختلفة باختلاف الأعمار، خاصة لدى الأطفال والمراهقين وكبار السن، قد تظهر لدى الأطفال على شكل قلق اجتماعي أو قلق انفصالي، ولدى البالغين على شكل قلق عام، ولدى كبار السن على شكل شعور بالوحدة والخوف من المستقبل، غالباً ما تصاحب هذه الحالات أعراض جسدية كالتعرق والرعشة واحمرار الوجه والارتباك، ونظراً لانتشار هذه المشكلة وآثارها السلبية على الصحة النفسية والأداء اليومي، فإن إيجاد طرق فعالة للوقاية من القلق والحد منه أمر بالغ الأهمية.
الوباء الصامت.. هل الإحصاءات الرسمية مجرد وَهْم؟
منذ عام 2011 إلى 2022، كانت نسبة انتشار الاضطرابات النفسية في إيران حوالي 25%، وفقاً للبيانات الرسمية، لكن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت تصعيداً دراماتيكياً، حيث أدت الأزمات الاقتصادية الخانقة، مثل التضخم المتسارع والبطالة المرتفعة، إلى جانب الضغوط السياسية والاجتماعية، إلى دفع هذه النسبة إلى أعلى مستوياتها.
كيف تحارب القلق؟
يُقلل التدريب على مهارات حل المشكلات أيضًا من الأعراض الفسيولوجية للقلق، كالتعرق والارتعاش وخفقان القلب، يُمكّن هذا التدريب الأفراد من إدراك المواقف الإشكالية وردود أفعالهم العاطفية بشكل أفضل، وبالتالي يُمكّنهم من إدارة قلقهم بشكل أفضل.

يؤكد علي رضا شريفي يزدي، الأخصائي النفسي والاجتماعي وعضو أكاديمية العلوم الطبية، في حديث لـ “فرارو“، أن الملاحظات الميدانية والدراسات الاستكشافية تشير إلى أن النسبة الحقيقية تتجاوز 50%، وربما تصل إلى 60% في بعض المناطق، “الإحصاءات الرسمية من وزارة الصحة تعود إلى عام 2022، وهي بعيدة كل البعد عن الواقع الحالي بعد الأحداث المتلاحقة مثل الجائحة والتوترات الإقليمية”، يقول شريفي يزدي، وفي تفصيل جديد، أظهرت دراسة حديثة من جامعة طهران أن معدلات القلق في العاصمة وحدها بلغت 37.1%، مع تأثر النساء بنسبة 45% مقابل 28% للرجال، مما يعكس تأثير الضغوط الاجتماعية المتنامية.
أما الإحصاءات الرسمية لعام 2025 فهي غير موثوقة تماماً، حيث توقفت الحكومة عن نشر بعض المؤشرات الاجتماعية مثل معدلات الطلاق، التي ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، يضيف شريفي يزدي: “الأحداث السياسية، بما في ذلك التوترات الدولية والعقوبات، خلقت بيئة نفسية سامة، تجعل تحديث الإحصاءات أمراً ضرورياً لفهم الواقع”، وفي إضافة مثيرة، أشارت تقارير حديثة إلى أن تأثير جائحة كوفيد-19 في شرق إيران زاد من حالات الاكتئاب بنسبة 30%، مع تسجيل أكثر من 7 ملايين مصاب باضطرابات نفسية على المستوى الوطني.
الستار الثقافي: لماذا يخفي الإيرانيون ألمهم النفسي؟
في مجتمع يغلب عليه التحفظ الثقافي، يُعتبر الحديث عن الاضطرابات النفسية “تابوه اجتماعي”، يشرح شريفي يزدي أن “الوصمة الاجتماعية تحول دون طلب المساعدة، حيث يخشى الكثيرون من وصفهم بـ’المجنون’ أو استخدام ذلك ضدهم في العائلة أو المجتمع”، هذا الصمت ليس مجرد عادة؛ إنه نتيجة لنقص التثقيف العام حول الصحة النفسية، خاصة في بلد يضم أكثر من 10 ملايين أمي، “الضغوط الأسرية والمعايير الثقافية الصارمة تضيف إلى التوتر، مع تراجع الدعم التقليدي في السنوات الأخيرة”.

تخيل أمّاً إيرانية تواجه توقعات المجتمع في تربية الأبناء وسط أزمة اقتصادية، فتجد نفسها محاصرة بين الواجب والانهيار النفسي، دون أن تجرؤ على الاعتراف بذلك.
الفقر والفجوات الاجتماعية
كما يلعب البعد الاجتماعي والاقتصادي دوراً حاسماً في تفاقم الأزمة، “الفقر والتفاوت الطبقي يولدان قلقاً مزمناً، خاصة في المدن الكبرى؛ حيث تنخفض الروابط الاجتماعية الحقيقية”، يقول شريفي يزدي، إن الفجوات بين الأجيال، مع تغير أنماط الحياة والتكنولوجيا، تسبب ارتباكاً ووحدة، حيث لا تتناسب التعاليم التقليدية مع احتياجات الشباب، أما العنف الأسري والطلاق – بأشكاله الرسمية والعاطفية والصامتة – فيزيدان من الاضطرابات.
كما أظهرت دراسة من منظمة الصحة العالمية أن العبء النفسي في إيران ارتفع بنسبة 77% منذ عام 1990، مقارنة بـ55% عالمياً، بسبب الركود الاقتصادي والعقوبات.
“الخوف من اختلال التوازن بين الدخل والإنفاق يجعل الحياة كابوساً يومياً”، يؤكد الخبير يزدي.
كيف تحوَّل الجهل السياسي إلى إحباط جماعي؟
لا تقل أهمية العوامل السياسية، حيث يسبب “الجهل السياسي واليأس الاجتماعي، إلى جانب العقوبات الدولية، قلقاً وإحباطاً عميقاً”، القيود على الحريات الاجتماعية ونقص الاستثمار في الصحة النفسية يعززان الشعور بالعجز، “التضخم والبطالة تضاعفان التوتر، مع عدم توافر خدمات نفسية كافية في المحافظات”، يضيف شريفي يزدي، وفي الكثير من المناطق، لا يوجد سوى قسم أو اثنين للطب النفسي، مما يجبر المرضى على الانتظار الطويل.
لماذا يعتبر الاكتئاب أكثر شيوعا عند النساء؟
عالمياً، يصيب الاكتئاب 20% من النساء مقابل 10% من الرجال، ليس بسبب انتشار أكبر، بل لأن النساء يطلبن العلاج أكثر. في إيران، يتفاقم الوضع بسبب الأسباب الثقافية والاقتصادية، “الإحباط واليأس وانعدام الأمن هي أسباب رئيسية، وهي بارزة هنا”، يقول شريفي يزدي، كما تشير الدراسات الميدانية إلى نسب تصل إلى 60%، بينما الإحصاءات الرسمية قريبة من المتوسط العالمي (13-16%).
الدكتورة مطهرة شريفي، أخصائية علم النفس، تشرح بأسلوب مؤثر لماذا تُعاني النساء من الاكتئاب أكثر من الرجال، مُقسمة الأسباب إلى ثلاثة جوانب: بيولوجية، ونفسية، واجتماعية.
بيولوجيا، ترتبط زيادة الاكتئاب لدى النساء بالتغيرات الهرمونية التي تحدث خلال الدورة الشهرية، الحمل، الولادة، أو انقطاع الطمث، هذه التغيرات قد تُسبب تقلبات مزاجية وتُقلل من مادة السيروتونين في الدماغ، التي تُساعد على الحفاظ على التوازن النفسي، كما أن أدمغة النساء أكثر حساسية للتوتر والمشاعر مقارنةً بالرجال، مما يجعلهن أكثر عرضةً للاكتئاب.

نفسيا، تميل النساء إلى التفكير الزائد في المشاكل والمشاعر السلبية، وهو ما يُعرف بـ”الاجترار النفسي”، هذا التفكير المستمر يُزيد من احتمالية الاكتئاب، إضافةً إلى ذلك، غالباً ما تشعر النساء بالذنب أو يلمن أنفسهن أكثر من الرجال، مما يُثقل كاهلهن عاطفياً.
اجتماعيا، تواجه النساء في إيران ضغوطاً هائلة بسبب أدوارهن المتعددة كأمهات، زوجات، وموظفات، إلى جانب التوقعات الاجتماعية الصارمة، العنف الأسري، التمييز الجندري، وقلة الدعم الاقتصادي والاجتماعي تُضاعف من هذه الضغوط، مما يُساهم في ارتفاع معدلات الاكتئاب، ومن ناحية أخرى، تُشير الدكتورة شريفي إلى أن الرجال في إيران غالباً لا يتحدثون عن اكتئابهم بسبب الثقافة التي تُطالبهم بأن يكونوا “أقوياء” و”لا يبكون”، هذا يجعلهم يتجنبون طلب المساعدة، مما يعني أن أعداد الرجال المصابين بالاكتئاب قد تكون أكبر مما تُظهره الإحصائيات الرسمية.
الاضطراب العقلي
في تصريح يعكس الواقع النفسي الذي يعيشه المجتمع، أكد رئيس الجمعية الإيرانية للطب النفسي، الدكتور وحيد شريعت، أن تخصيص الموارد الكافية لمعالجة الاضطرابات النفسية سيُسهم بشكل كبير في تقليص حجم هذه المشكلة الصحية المتفاقمة، وأشار إلى أن الاهتمام بالصحة النفسية يظل دون المستوى المطلوب مقارنةً بالأمراض الأخرى، مما يستدعي إعادة تقييم الأولويات وتخصيص ميزانيات تتناسب مع حجم التحدي.
مسوحات الصحة النفسية
كشف شريعت عن نتائج المسح الوطني الأول للصحة النفسية عام 2010، والذي أظهر أن 21% من الإيرانيين عانوا من اضطرابات نفسية في تلك الفترة، وأضاف أن مسحاً آخر أُجري في 2022، لكن نتائجه لم تُنشر بعد، مشيراً إلى أن المسح الأول يُعد الأكثر دقة حتى الآن.
وعلى صعيد آخر، أوضح أن مسوحات الفحص، رغم دقتها الأقل، تشير إلى أن نسبة الإصابة بالاضطرابات النفسية ارتفعت إلى حوالي 30% من السكان، مما يعكس تفاقم الوضع.
الاكتئاب والقلق: التحدي الأكبر
يتصدر الاكتئاب قائمة الاضطرابات النفسية شيوعاً في إيران، يليه اضطراب القلق، وأشار شريعت إلى أن هذه الاضطرابات لا تقتصر على إيران، بل تتشابه إحصاءاتها عالمياً.
في سياق آخر، أوضح شريعت أن اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) يُعد من أبرز الاضطرابات في الحركة بين الأطفال، حيث تصل نسبة الإصابة به إلى ما بين 4% و8%، وأضاف أن عوامل بيولوجية تلعب دوراً رئيسياً في حدوثه، كما أشار إلى اضطرابات أخرى شائعة بين الأطفال مثل اضطرابات التعلم وطيف التوحد، والتي تظل أسبابها غامضة نسبياً، ولم يغفل عن اضطرابات السلوك والعصيان المعارض، التي ترتبط غالباً بأساليب التربية، مؤكداً أن علاجها غالباً ما يكون غير دوائي.
دراسة عالمية صادمة

كشفت دراسة واسعة النطاق شملت بيانات 14.8 مليون شخص من تايوان والدنمارك والسويد، نُشرت في مجلة Nature Human Behaviour، أن الأزواج يميلون للإصابة باضطرابات نفسية متشابهة، مثل الفصام، الاكتئاب، القلق، أو التوحد، النتائج، أظهرت أن الشخص المصاب باضطراب نفسي غالباً ما يرتبط بشريك يعاني من اضطراب مماثل، بنسبة تفوق الارتباط بشخص غير مصاب.
تشون تشي فان، الباحث في معهد لوريت لأبحاث الدماغ، أوضح أن احتمالية إصابة الزوجين بنفس الاضطراب تفوق إصابة أحدهما باضطراب مختلف، الدراسة لم تحدد الأسباب، لكن فان يقترح ثلاثة تفسيرات:
• الانجذاب للمتشابهين بسبب المعاناة المشتركة.
• تأثير العيش المشترك الذي يزيد التشابه (التقارب).
• قيود الوصمة الاجتماعية على اختيار الشريك.
وتحذر الدراسة من أن هذا التوجه قد يرفع مخاطر انتقال الاضطرابات النفسية للأبناء، حيث يصبح الأطفال الذين يعاني والداهم من نفس الاضطراب أكثر عرضة للإصابة به بضعف الاحتمال مقارنة بمن لديه والد واحد مصاب.
ماذا يمكننا أن نفعل الآن للوقاية من الاضطرابات النفسية؟

في عام 2022، أجرى الخبراء تحليلاً عالمياً دقيقاً يهدف إلى تحديد عوامل الخطر المهمة للاضطرابات العقلية، والتي إذا تمت معالجتها، يمكن أن تقلل من الأمراض العقلية، وجدوا أن معاناة الطفولة كانت على رأس القائمة، إذا استطعنا الحد من معاناة الطفولة، فمن المحتمل أن نخفض انتشار اضطرابات طيف الفصام بنحو 38%.
تحديات توفير الأدوية النفسية
تطرق شريعت إلى مشكلة نقص الأدوية النفسية، واصفاً الوضع بـ”الفوضوي”، ففي فترات مختلفة، يعاني المرضى من انقطاع أدوية معينة، مما يفاقم معاناتهم، وأوضح أن هذا النقص المتقطع يُشكل عائقاً كبيراً أمام العلاج الفعال، داعياً إلى تحسين إدارة توفير هذه الأدوية لضمان استمرارية العلاج.
تعزيز الوعي
شدد شريعت على أهمية رفع مستوى الوعي بالصحة النفسية، حاثاً الأفراد على استقاء المعلومات من مصادر رسمية موثوقة بدلاً من الاعتماد على المعلومات المغلوطة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأوصى باستشارة المتخصصين عند ظهور أي علامات لاضطرابات نفسية، سواء لدى الأفراد أو من حولهم، مؤكداً أن الاستشارة المبكرة تُسهم في إدارة المشكلة بفاعلية.
دعوة إلى صانعي السياسات
وجَّه شريعت انتقاداً لصانعي السياسات بسبب إهمالهم النسبي لقضايا الصحة النفسية، مشيراً إلى أنها لا تحظى بالاهتمام الكافي مقارنةً بالأمراض الأخرى، وأكد أن تخصيص الموارد والميزانيات المناسبة سيُحدث فارقاً كبيراً في الحد من انتشار الاضطرابات النفسية، وفي ختام حديثه، عبَّر عن أمله في تحسين الوعي المجتمعي وتوفير الموارد اللازمة لدعم الصحة النفسية، لتكون في متناول الجميع.
ولا يزال الانتحار يُمثل عواقب وخيمة على حياة المجتمعات، إذ يُقدر بأنه أودى بحياة 727 ألف شخص حول العالم في عام 2021 وحده، وهو سبب رئيسي للوفاة بين الشباب في جميع البلدان والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية، ورغم الجهود العالمية المبذولة، فإن التقدم في الحد من وفيات الانتحار بطيء للغاية، ولا يكفي لتحقيق هدف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة المتمثل في خفض معدلات الانتحار بمقدار الثلث بحلول عام 2030 وبالاعتماد على المسارات الحالية، لن يتحقق سوى انخفاض بنسبة 12% بحلول ذلك الموعد.

وفي سياق متصل، أوصت الدكتورة قدسية حكيم زادة، أخصائية علم النفس السريري: “بشبكة الدعم القوية، كالعائلة والأصدقاء ومجموعات الدعم، إلى جانب العلاج السريري، والتي تقلل من خطر السلوك الانتحاري، كما أن تثقيف المجتمع والحد من الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي يؤديان إلى إحالة أفضل للمرضى لتلقي العلاج”.
وفي معرض إشارتها إلى أهمية الكشف المبكر عن الاضطرابات النفسية وعلاجها، قالت: “يُعد الكشف المبكر عن الاضطرابات النفسية وعلاجها بالغ الأهمية، وكلما تم تشخيص الاضطراب وعلاجه مبكرًا، قلّ احتمال ظهور أفكار وسلوكيات انتحارية، كما أن توعية المرضى وعائلاتهم بالعلامات التحذيرية وضرورة العلاج من شأنها أن تساعد في الوقاية”.
التحديات الرئيسية
“الوصمة الاجتماعية تحولُ دون زيارة الأطباء النفسيين، حتى داخل العائلات”، يؤكد الخبير النفسي شريفي يزدي، كما أن نقص تدريس مهارات التعامل مع التوتر في المدارس يفاقم الأمر، أما التكلفة العالية للجلسات النفسية، غير المشمولة بالتأمين، فتجعل العلاج رفاهية للقلة، “العلاج يتطلب جلسات أسبوعية لأشهر، مما يجعل الكثيرين يتخلون عنه بسبب الظروف الاقتصادية”.
في الختام، تتضافر العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية لخلق أزمة نفسية غير مسبوقة في إيران، الحاجة ماسة إلى تدابير شاملة: حملات توعية، استثمارات في الخدمات، وإزالة الوصمة إلا أنه بدون تغيير جذري، قد يستمر هذا الوباء الصامت في تهديد مستقبل طهران.

