صفوي يثير العاصفة… اتهامات قديمة تعود وظلال الشك تحيط بموت رفسنجاني

في إيران، حيث تتشابك السياسة بالدين والتاريخ، يكفي تصريح عابر ليوقظ ذاكرة مشتعلة ويعيد إلى الواجهة ملفات ظن كثيرون أنها أُغلقت منذ زمن، فالكلمات في هذا البلد ليست مجرد أصوات، بل مفاتيح لماضٍ لا ينام، ورموز تختزن في طياتها معارك فكرية وصراعات سلطة تتجاوز حدود الأفراد إلى عمق النظام نفسه، وفي كل مرة يثار فيها جدل حول الموت أو الشهادة أو الزعامات التي رحلت، تتجدد الأسئلة حول من يملك الحقيقة ومن يكتب التاريخ. وفي هذا السياق المحتدم، انفجرت موجة جديدة من الجدل الإيراني، لتعيد للسطح وجوها من الماضي وتفتح باباً على حاضر مأزوم بالتأويلات والاتهامات والرمزية الثقيلة للموت ذاته.

صفوي.. لا أريد الموت في المسبح

فقد أثار يحيى رحيم صفوي، القائد الأسبق للحرس الثوري الإيراني والمستشار العسكري الأعلى للمرشد الإيراني علي خامنئي، عاصفة من الجدل في إيران بعد تصريحات فهمت على نطاق واسع على أنها سخرية أو تلميح مهين إلى وفاة الرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي رحل في يناير/كانون الثاني 2017 في ظروف غامضة داخل مسبح تابع لمجمع تشخيص مصلحة النظام.

فخلال مراسم تشييع جثمان القائد العسكري اللواء علي رضا أفشار، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2025، صرح صفوي، متحدثاً عن الموت والشهادة، قائلاً: “أنا شخصياً لا أحبذ أن أموت في السرير أو في المسبح أو أشياء من هذا القبيل، أسأل الله أن يرزقني شهادة عظيمة وفورية مثل قاسم سليماني أو السيد حسن نصر الله أو الشهداء رشيد ومحمد باقري”.

أبناء رفسنجاني يردّون

لم تهدأ الساحة الإيرانية، المحب منها لرفسنجاني على وجه الخصوص، بعد تلك التصريحات، فكانت عائلة رفسنجاني أول من خرج للرد على تصريحات صفوي، معتبرة أنها طعنة في كرامة رجل راحل وإساءة تتنافى مع قيم الاحترام الإسلامي، فقد  كتبت فاطمة هاشمي، ابنة رفسنجاني، بياناً شديد اللهجة قالت فيه: “وهل لا يمكن أن يستشهد المرء في المسبح على يد العدو؟ إن العدو هو من يختار مكان الشهادة، أنتم تعلمون جيدا لماذا كان المسبح هو المكان المختار!”، وأضافت: “أنتم تعلمون أن مكان ووسيلة الشهادة يحددهما العدو عادة، ويمكن الاستشهاد في المسبح أيضًا، كما استشهد الغواصون في الحرب المفروضة، الحرب الإيرانية العراقية، في نهر الأروند”.

أما محسن هاشمي، رئيس مجلس بلدية طهران السابق والأبن الآخر لرفسنجاني من بين خمسة أبناء، فقد علق على تصريحات صفوي بقوله: “لقد آلمت تصريحاتكم مشاعر محبي السيد هاشمي رفسنجاني، الذين رأوا فيها سخرية من طريقة وفاته، بل ومن وفاة المرحوم أفشار أيضاً، فكما تعلمون، كان والدي ابن قرية في قلب الصحراء، عشق الماء والإعمار، وكرس عمره لتأمين رفاه وسلام الإيرانيين، وبعد وفاته تغيرت السياسات، وأصبحت إيران تواجه الجفاف والفقر والحرب”.

وفي فقرة لافتة قال محسن: “أنتم تعلمون أن التحقيق في كيفية وفاة أبي، ورغم متابعته في مجلس الأمن القومي، لم يكن بالمتانة الكافية، ولم يقنع الأسرة ولا حتى الرئيس حسن روحاني، وما زال الأمر غامضاً حتى الآن”.

وختم بيانه بالتأكيد على أن “الشهادة في المفهوم الديني أمر باطني يقوم على نية الشهيد لا على مكان موته”، في إشارة واضحة إلى أن المسبح لا ينتقص من قيمة الرجل ولا من إيمانه.

ردود الأفعال على التصريحات

ما إن انتشرت تصريحات صفوي ورد أبناء رفسنجاني حتى انضم عدد كبير من الشخصيات السياسية والإعلامية والأكاديمية إلى موجة الردود، بعضهم من المعسكر الإصلاحي، وبعضهم من التيار الأصولي نفسه، فقد قال الأكاديمي الإيراني المعروف صادق زيبا کلام، أستاذ العلوم السياسية بجامعة طهران: “الأهم من العقيدة والأيديولوجيا هو الأدب والاحترام تجاه من رحلوا، يا ليتنا لم نكن أسرى السياسة والسلطة وراعينا حرمة الكبار”، واصفاً كلام صفوي بأنه تجاوز أخلاقي قبل أن يكون سياسياً، وداعياً إلى الترفع عن الخلافات بعد الموت.

أما جهان بخش خانجاني، عضو المجلس المركزي لحزب كوادر البناء، فرأى أن في كلام صفوي وجهين على حد تعبيره، فقال: “ربما أراد أن يلمح إلى حقيقة يعرفها حول وفاة هاشمي، أو ربما زل لسانه وسخر دون قصد، إن كان الأول، فليتحدث بصراحة، وإن كان الثاني، فعليه الاعتذار”، كما أشار خانجاني إلى أن صفوي نفسه يعلم الدور الكبير الذي لعبه رفسنجاني في إدارة الحرب، ولولاه لكان كثير من القادة عرضة للمساءلة.

من جهته، قال غلام علي رجائي، أحد مستشاري رفسنجاني السابقين، إن صفوي كان يحمل موقفاً قديماً من الرئيس الراحل، وأضاف: “لم نكن نتوقع من قائد خاض الحرب وعرف تاريخها أن يوجه طعناً لرجل ميت، الموت في المسبح ليس عيباً، فالموت يأتي حيث يشاء الله”، كما دعا صفوي إلى الاعتذار لعائلة رفسنجاني، معتبراً أن تصريحاته “لا تنقص من الراحل شيئاً، لكنها تسيء إلى قائلها”.

أما الإعلامي الأصولي البارز محمد مهاجري، فاختار نبرة دينية في نقده فقال: “تصريحات صفوي تنطبق على قوله تعالى “ويل لكل همزة لمزة”، لا أفهم لماذا يصر على هدم تاريخه بجملة واحدة، لا يليق بقائد كبير أن يسخر من موت رجل خدم بلاده”.

في المقابل، كتبت صحيفة جمهوري إسلامي الأصولية افتتاحية حملت عنوان الشهادة في المسبح، قالت فيها: “إن مكان الشهادة وزمانها ليس شأن الإنسان، بل شأن الله، فرب مؤمن يموت على فراشه وهو شهيد، فالأدب أمام الله يقتضي أن نقول اللهم ارزقني الشهادة ولو كانت في المسبح”.

كذلك، وفي منشور مطول على موقع إنستغرام، روى السياسي الإصلاحي فياض زاهد تجربة شخصية جمعته بصفوي قبل سنوات عندما طلب مساعدته في انتخابات البرلمان، فقال: “بدل أن يساعدني، بدأ يحدثني عن حسن العاقبة! حين رأيت تصرفه تجاه المرحوم هاشمي أدركت أن بعض الصفات لا تكتسب؛ الأصالة في الإنسان هي ما تبقى”.

حول موت رفسنجاني.. هل كان طبيعياً أم لا؟

أعادت تلك التصريحات ملف وفاة أحد أكبر رجال البازار وآخرهم إلى دائرة الضوء مرة أخرى، لتفتح جرحاً لم يندمل منذ مساء الأحد الثامن من يناير/كانون الثاني عام 2017، حين أُعلن عن وفاة رفسنجاني في ظروفٍ ظلت موضع شك وريبة رغم مرور السنوات.

فمن جهة أفادت الرواية الرسمية التي صدرت آنذاك بأن رفسنجاني، الذي كان يبلغ من العمر 82 عاماً، أصيب بتوقف قلبي مفاجئ أثناء ممارسته السباحة في مسبح كوشك التابع للمجمع قرب مجمع سعد آباد في شمال طهران، حيث كان يمارس الرياضة بانتظام مرتين أسبوعياً، ثم نقل على وجه السرعة إلى مستشفى شهداء تجريش، وهناك حاول الأطباء إنعاشه لأكثر من ساعة دون جدوى، قبل أن يعلن عن وفاته في الساعة السابعة والنصف مساء.

غير أن هذه الرواية لم تقنع كثيرين داخل إيران، إذ بدأت الشكوك تتكاثر منذ اللحظة الأولى، بعدما تبين أن الفريق الطبي والحراس الشخصيين لم يكونوا برفقته في لحظة الحادث، وهو ما أكده وزير الصحة حينها، حسن قاضي زاده هاشمي، الذي وصف غياب الطاقم الطبي بأنه تقصير واضح، قائلاً إن وجوده كان يمكن أن يُحدث فارقاً ولو من باب التوثيق، حتى لو لم يكن لينقذ الموقف.

 كما زادت علامات الاستفهام مع تصريحات شقيقه محمد هاشمي، الذي شدد على أن الراحل لم يكن يعاني من أي مرض قلبي، وأن طبيبه الألماني أكد قبل أسابيع من وفاته أن قلبه في صحة تامة، موضحاً أن القسطرة التي أجراها لم تكن إلا إجراء احترازياً، كما أشار محمد إلى أن شقيقه كان بكامل نشاطه في يوم وفاته، وأنه رفض وجود الحراس أو تشغيل الكاميرات أثناء ممارسته السباحة، ولذلك لم يكتشف أحد ما حدث إلا بعد فوات الأوان.

لكن التطور الأخطر جاء بعد شهور، حين كشفت ابنته فاطمة هاشمي أن المنشفة التي نقل بها إلى المستشفى كانت ملوثة بمواد مشعة، مستندة في ذلك إلى تقرير صادر عن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وأوضحت أن المجلس أجرى فحوصات على عينات بول من والدها ووالدتها ومن نفسها، أظهرت جميعها وجود نسب من الإشعاع وصفت بأنها غير خطرة، لكنها قالت إن الأرقام غير منطقية، وإن المجلس لم يقدم للأسرة تفسيراً علمياً واضحاً، كما أضافت أن المنشفة التي كانت على جسده أثناء نقله إلى المستشفى تبين لاحقاً أنها ملوثة أيضا، مؤكدة أن الأسرة لم تتلقّ أي توضيح رسمي، وأن الملف ما زال مفتوحاً في مجلس الأمن القومي.

 ومنذ ذلك الحين، ظلت العائلة تؤكد أن الوفاة لم تكن طبيعية، فيما تصر الحكومة على أنها نتيجة نوبة قلبية عادية، غير أن الملابسات المحيطة، من غياب الحراسة والتصوير إلى قضية التلوث الإشعاعي، جعلت من المستحيل، في نظر كثير من الإيرانيين، إغلاق هذا الملف نهائياً، ويزيد من ترسيخ هذه الشكوك الخلاف السياسي العميق الذي كان قائماً في السنوات الأخيرة بين رفسنجاني وبعض التيارات المتشددة داخل النظام، وهو خلاف غذى نظرية الاغتيال الصامت، حتى في غياب الأدلة القاطعة، فالرجل الذي كان يعرف بشيخ السياسة الإيرانية لم يكن مجرد مسؤول رفيع، بل أحد مهندسي الثورة وأعمدتها الفكرية والاقتصادية، ومن أكثر رموزها تأثيراً في رسم توازنات السلطة بين المؤسسة الدينية والعسكرية.

 وفقاً لما سبق، فإن رحيل رفسنجاني لم يكن حدث وفاة كغيره، بل نقطة تحول سياسية كبرى غيّرت وجه النظام الإيراني، وخلفت فراغاً في معسكر الاعتدال ما زال أثره قائماً حتى اليوم وفق محبيه، ولعل هذا ما يجعل أي إشارة إلى موته، مثل التصريح الذي أطلقه صفوي، قادرة على إعادة إشعال الجدل الوطني حول الرجل، بين من يرى أن الله اختاره في ساعة عادية داخل المسبح، ومن يؤمن أنه رحل ضحية صراع مكتوم داخل أروقة السلطة، فيما تبقى الحقيقة عالقة بين روايتين متناقضتين، رواية الدولة التي تطلب الطمأنينة، ورواية العائلة التي تطالب بالحقيقة.