تحت ظلال “النصر الورقي”: واشنطن تعلن انتهاء الحرب مع إيران وتفتح جبهة الحصار المزدوج

كتب: الترجمان

في منعطف دراماتيكي أعاد صياغة موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسميا أمام الكونجرس “انتهاء الحرب” مع إيران. هذا الإعلان الذي جاء بعد أربعين يوما من الصدام العسكري الأعنف في تاريخ العلاقة بين البلدين، لم يكن مجرد بيان لانتهاء الأعمال القتالية، بل كان إشارة البدء لمرحلة جديدة من الصراع الجيوسياسي والقانوني. 

فبينما تسعى واشنطن لتسويق هذا الإعلان كـ “نصر استراتيجي” يتجاوز عقبات الداخل الأمريكي، ترى طهران أن الحرب لم تنتهِ بل “تغير شكلها” لتصبح حصارا بحريا خانقا يهدد شرايين الطاقة العالمية، مما يضع المنطقة والعالم أمام حالة فريدة من “السلم المسلح” القابل للانفجار في أي لحظة.

المناورة القانونية: ترامب وسباق الـ 60 يوما

جاء توقيت إعلان ترامب انتهاء الحرب في الأول من مايو/أيار 2026 مدروسا بعناية فائقة من الناحية الدستورية. فبموجب “قانون سلطات الحرب الصادر عام 1973، لا يملك الرئيس الأمريكي الحق في إبقاء القوات المسلحة في نزاع خارجي لأكثر من 60 يوما دون تفويض رسمي من الكونجرس. 

ومع اقتراب هذه المهلة من نهايتها، وجد البيت الأبيض نفسه أمام خيارين: إما الذهاب إلى الكونجرس وطلب تفويض قد يواجه بالرفض في ظل انقسام داخلي حاد، أو إعلان انتهاء “الأعمال العدائية” من جانب واحد.

اختار ترامب المسار الثاني، حيث أرسل رسالة إلى قادة الكونجرس يؤكد فيها أن “العمليات القتالية النشطة التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026 قد انتهت”، مستشهدا بوقف إطلاق النار القائم منذ 7 أبريل/نيسان.

هذه الخطوة لم تكن تهدف للسلام بقدر ما كانت “هندسة قانونية” تهدف لتعطيل الساعة القانونية للكونجرس، مما يتيح للإدارة مواصلة الحصار البحري لموانئ إيران تحت مسمى “تأمين الملاحة الدولية” بدلا من “إدارة الحرب”، وهو التفاف قانوني أثار غضبا واسعا بين الديمقراطيين الذين اعتبروا أن الحصار بحد ذاته هو “عمل حربي” مستمر.

Image

ردود الفعل في واشنطن: صراع الصلاحيات وفشل الأهداف

لم ينجح إعلان ترامب في احتواء العاصفة السياسية داخل واشنطن. فقد أصدر أعضاء بارزون في لجان الشؤون الخارجية والقوات المسلحة بمجلس النواب بيانا مشتركا وصفوا فيه “نهاية الحرب” بأنها ادعاء لا يمت للواقع بصلة. وأكد البيان أن الأهداف الثلاثة الكبرى التي بررت الحرب (تفكيك البرنامج النووي، وإخراج اليورانيوم المخصب، وتغيير السلوك الجذري للنظام) لم يتحقق منها شيء؛ بل إن إيران اليوم تملك قيادة أكثر شبابا وراديكالية عقب رحيل قادتها التاريخيين في هجمات فبراير/شباط 2026.

تصاعدت حدة الانتقادات مع ظهور شقوق في وحدة الحزب الجمهوري، حيث تراجعت السيناتور سوزان كالينز عن دعمها للحرب، معتبرة أن تخطي مهلة الـ 60 يوما دون تفويض هو انتهاك دستوري صارخ.

ويخشى الجمهوريون أن تتحول هذه الحرب “الاختيارية” إلى عبء انتخابي ثقيل في الانتخابات النصفية القادمة، خاصة مع وصول أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية (تجاوزت 4 دولارات للجالون) نتيجة اختناق إمدادات الطاقة من الخليج، مما جعل الناخب الأمريكي يرى “حسابا سلبيا” للمغامرة العسكرية في الشرق الأوسط.

الموقف الإيراني: قراءة نجل الرئيس الإيراني

في ظل مشهد سياسي معقد وخارطة تحالفات متبدلة، تبرز قراءة يوسف بزشكيان، نجل الرئيس الإيراني، كتحليل سوسيوسياسي عميق يتجاوز لغة الرصاص إلى لغة المصالح والاستراتيجيات. تعكس تدويناته محاولة لفهم “اليوم التالي” للحرب، موازناً بين المكاسب المعنوية والسياسية التي تحققت في الفضاء الدولي، وبين الأزمات الهيكلية والمعيشية التي تتربص بالداخل الإيراني، مقدماً رؤية تجمع بين التحليل العسكري والمنظور النفسي لكيفية نجاة الشعوب في زمن عدم اليقين.

يرصد بزشكيان أربعة سيناريوهات لمستقبل الصراع، تتأرجح بين إصرار ترامب وإيران على حسم النصر دون تنازلات، ورغبة إسرائيل في استمرار الحرب لإنهاك طهران، وضغط دولي لفتح مضيق هرمز وتأمين الطاقة. وبينما يرى أن القوى الكبرى كالصين وروسيا وإسرائيل حققت مكاسب استراتيجية، يوضح أن أمريكا تعرضت لشرخ في هيبتها الدولية رغم تفوقها المادي، في حين تضررت الدول العربية اقتصادياً بشكل مباشر من تداعيات هذا النزاع.

أما داخليا، فيؤكد بزشكيان أن إيران حققت مكاسب في مكانتها العالمية وتماسكها الشعبي، لكنه يحذر من “انتصار مؤقت” قد يتبدد بسبب الدمار الهيكلي، والتضخم، وفقدان الكوادر النخبوية. ويدعو في الختام إلى تبني نهج “الفرد الفاعل” عبر الاستعداد لأسوأ السيناريوهات الاقتصادية والمعيشية مع عدم الاستسلام للقلق من المجهول، مشدداً على ضرورة الفصل بين العمل الحاضر وبين مخاوف المستقبل غير اليقيني.

Image

سيناريوهات ما بعد الإعلان: “لا حرب ولا سلم”

يرى الخبراء الاستراتيجيون، ومنهم غلام رضا كريمي، أن المنطقة دخلت في وضعية “البرزخ الجيوسياسي”، حيث لا توجد حرب شاملة ولا يوجد سلام حقيقي. وفي هذا الفضاء، تبرز أربعة سيناريوهات أساسية:

  • سيناريو “جنوح الحرب الباردة”:  استدامة الوضع الراهن مع استمرار الحصار البحري والتوتر في هرمز، مما يبقي أسعار النفط ملتهبة ويعمق الركود التضخمي العالمي.
  • سيناريو “التصعيد التدريجي“:  محاولة واشنطن ملاحقة الممرات البرية والمصارف التي تتعامل مع إيران، مما قد يدفع طهران لردود فعل عسكرية محدودة تعيد إشعال الجبهات.
  • سيناريو “الصدام الشامل”:  وهو الأخطر، حيث قد تطلق شرارة غير محسوبة أو استفزاز إسرائيلي جديد موجة ثانية من القصف المتبادل، مما يحطم “الهدنة الهشة” تمامً.
  • سيناريو “التراجع التكتيكي“:  اضطرار ترامب لتقديم تنازلات في الحصار البحري قبل نوفمبر لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي وحظوظه الانتخابية، وهو ما تراهن عليه طهران تحت مسمى “لعبة الصبر”.
Image

التداعيات الدولية: تصدع النظام العالمي وارتفاع كلفة الطاقة

لم ينجح إعلان “انتهاء الحرب” في طمأنة الأسواق العالمية أو القوى الكبرى. فالصين وروسيا، اللتان استخدمتا الفيتو ضد المحاولات الأمريكية لإضفاء الشرعية على الحصار، تريان في تصرفات ترامب تقويضا للنظام الدولي. كما أن دول الاتحاد الأوروبي واليابان، المتضررين الأكبر من شوك الطاقة، باتوا يحملون واشنطن مسؤولية “الاضطراب العمدي” في سلاسل التوريد.

تحول مضيق هرمز إلى “منطقة حصار مزدوجة”؛ فواشنطن تحاصر الموانئ الإيرانية، وإيران تفرض قيودا على العبور، والنتيجة هي “ضريبة أمنية” باهظة تُضاف على كل برميل نفط. هذا الوضع أدى إلى نشوء “واقعية جديدة” في العلاقات الدولية، حيث لم تعد القوى الإقليمية تكتفي بالمظلة الأمريكية، بل تسعى لعلاقات متوازنة مع بكين وموسكو، مما قلص النفوذ التقليدي لواشنطن رغم تفوقها العسكري الواضح.

انتصار إعلامي أمام مأزق استراتيجي

إن إعلان دونالد ترامب عن انتهاء الحرب مع إيران هو، في جوهره، محاولة للخروج من مأزق قانوني داخلي أكثر من كونه رؤية لاستقرار إقليمي. لقد نجح ترامب في “تسكين” الجبهة السياسية في واشنطن مؤقتاً، لكنه ترك خلفه فتيله مشتعلا في الخليج. إن استراتيجية “الحصار بلا حرب” التي يتبناها البيت الأبيض تصطدم بصلابة “المقاومة بلا استسلام” التي تتبناها طهران.

وبينما يتحدث ترامب عن “نصر” وعودة القوات (رغم بقاء الآلاف منهم في المنطقة)، يظل الواقع الميداني يشير إلى أننا أمام “هدنة قلقة” فوق فوهة بركان. إن مستقبل الصراع سيتحدد في الشهور القادمة ليس من خلال الصواريخ فحسب، بل من خلال قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل الحصار، وقدرة الناخب الأمريكي على تحمل أسعار الوقود. لقد انتهت الحرب “الورقية”، لكن المعركة الحقيقية على حقوق السيادة، والملف النووي، وهيبة القوى العظمى، قد بدأت لتوها فصلا جديدا من فصول الاستنزاف الطويل.

كلمات مفتاحية: