على إيقاع الحرب والخوف… كيف استغل التيار الأصولي أوضاع الحرب في إيران؟

في اللحظات التي تعيش فيها الدول أزمات وجودية أو حروبا مفتوحة أو حالات اضطراب داخلي، تتبدل أولويات السلطة والخطاب العام، وتظهر قوى سياسية وأيديولوجية تسعى إلى إعادة تشكيل المجال الاجتماعي والثقافي بما يخدم مصالحها ورؤيتها للعالم. وفي إيران، التي تعيش منذ أشهر على وقع التوترات العسكرية والأزمات الاقتصادية والاضطراب السياسي، بدا التيار الأصولي الأكثر تشددا وكأنه وجد في أجواء الحرب والتعبئة العامة فرصة مثالية لإعادة فرض حضوره، واستعادة أدواته القديمة في صناعة الاستقطاب وإثارة القضايا الثقافية والاجتماعية والدينية.

ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة الإيرانية ترفع شعارات الوحدة الوطنية والتماسك الداخلي لمواجهة التهديدات الخارجية، كانت منابر بعض رجال الدين والشخصيات المحسوبة على التيار الأصولي تدفع باتجاه معاكس تماما؛ عبر إثارة قضايا الحجاب، والتحريض ضد النساء غير المحجبات، وافتعال أزمات حول مقاطع فيديو متداولة، وإطلاق دعوات صريحة لإعدام شخصيات سياسية سابقة، فضلا عن توجيه تهديدات علنية إلى دول عربية في المنطقة.

هذا التصعيد المتزامن لم يكن مجرد سلسلة مواقف منفصلة، بل بدا جزءا من محاولة منظمة لركوب الموجة العاطفية التي خلقتها الحرب، وتوجيه الرأي العام نحو معارك داخلية وخارجية جديدة، مستفيدا من اللغة الدينية ومن حالة التعبئة النفسية التي تعيشها البلاد.

الهجوم على النساء غير المحجبات وأزمة تصريحات إمام جمعة رشت

أثارت التصريحات التي أطلقها إمام جمعة مدينة رشت، رسول فلاحتي، موجة واسعة من الجدل داخل إيران وخارجها، بعدما تحولت خطبته في أحد التجمعات الليلية المؤيدة للدولة إلى منصة للهجوم الحاد على النساء غير المحجبات، مستخدما لغة اعتبرها كثيرون تحريضية وخطيرة، خصوصا في ظل الظروف الحساسة التي تمر بها البلاد.

وجاءت تصريحات فلاحتي في وقت كانت فيه السلطات الإيرانية، على الأقل في خطابها الرسمي، تشدد على أهمية الحفاظ على الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي في مواجهة التهديدات الخارجية. لكن رجل الدين المقرب من التيار المحافظ اختار أن يفتح جبهة داخلية جديدة، عبر مهاجمة النساء اللواتي لا يلتزمن بالحجاب الإلزامي، واتهامهن بمخالفة القرآن والوقوف ضد النظام.

Image

وخلال خطابه، قال فلاحتي إن النساء غير المحجبات يجب ألا يعتقدن أن الناس يتحملونهن، مضيفا أن من يقول إن المشاركين في التجمعات الشعبية يتعاطفون معهن فهو مخطئ. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استخدم عبارات أكثر حدة حين قال إن المرأة التي تكشف حجابها وتخرج بملابس فاضحة تخالف القرآن، مرددا عبارة الموت لمعارضي القرآن.

كما وجه خطابه إلى آباء وأزواج وإخوة النساء غير المحجبات، متسائلا عن الغيرة لديهم، ومعتبرا أن السماح للنساء بالخروج دون حجاب يعني تعريضهن لنظرات الرجال الأجانب. ولم يكتف بذلك، بل لوح أيضا بإمكانية تدخل النظام ضد هؤلاء النساء، مؤكدا أن النساء الموجودات في التجمعات لن يسمح لهن بالنزول إلى الشوارع.

هذه التصريحات لم تفهم بوصفها مجرد رأي ديني أو موقف فقهي، بل اعتبرت لدى كثيرين دعوة صريحة إلى الإقصاء والتحريض الاجتماعي. فالمشكلة الأساسية لم تكن فقط في مضمون الكلام، وإنما في السياق الذي قيل فيه، والطريقة التي جرى بها توظيف الدين والتعبئة الشعبية ضد فئة من المجتمع.

وكان لافتا أن هذه التصريحات جاءت في وقت كانت فيه وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية تحاول إبراز صور لنساء غير محجبات أو قليلات الحجاب يشاركن في التجمعات الوطنية أو الأنشطة المؤيدة للدولة، في محاولة لتأكيد أن الدفاع عن إيران لا يقتصر على فئة اجتماعية أو أيديولوجية بعينها.

فخلال الأشهر الأخيرة، انتشرت في الإعلام الإيراني صور ومقاطع لفتيات غير محجبات يشاركن في مسيرات أو تجمعات داعمة للجيش أو رافعات للأعلام الإيرانية، في رسالة بدت وكأنها تسعى إلى التأكيد على وجود إجماع وطني يتجاوز الخلافات الثقافية التقليدية. لكن تصريحات إمام جمعة رشت نسفت هذا الاتجاه، وأعادت خطاب التخوين والانقسام إلى الواجهة.

Image

وقد أثارت تصريحات فلاحتي ردود فعل غاضبة حتى داخل بعض الأوساط الأصولية، واعتبر منتقدوه أن خطابه يقوض مفهوم “الوحدة الوطنية” الذي تتحدث عنه الدولة، لأنه يقوم عمليا على إخراج جزء من المواطنين من دائرة القبول الاجتماعي بسبب نمط حياتهم أو طريقة لباسهم.

كما رأى كثيرون أن استخدام لغة التهديد في منبر رسمي قد يفتح الباب أمام أعمال عنف اجتماعي، خصوصا أن التجمعات الشعبية التي تحدث فيها فلاحي تتسم بالحماسة والانفعال، وأن أي خطاب تحريضي يمكن أن يتحول بسهولة إلى اعتداءات فعلية ضد النساء.

ولم يكن الجدل مرتبطا فقط بما قاله فلاحتي، بل أيضا باستمرار بث الخطاب مباشرة عبر التلفزيون المحلي رغم إمكانية قطعه أو التخفيف من حدته. وهو ما دفع البعض إلى التساؤل عما إذا كانت هذه اللغة التحريضية تحظى بقبول ضمني داخل بعض دوائر السلطة أو الإعلام الرسمي.

في المقابل، رأت أصوات إصلاحية أن ما جرى يعكس محاولة من التيار الأصولي لإعادة فرض قضية الحجاب إلى صدارة المشهد، بعد أن تراجعت قدرة الدولة على فرض القيود السابقة منذ احتجاجات عام 2022. وبحسب هذه القراءة، فإن الحرب والتهديدات الخارجية وفرت بيئة مناسبة لإعادة تعبئة القواعد المحافظة، عبر تصوير النساء غير المحجبات بوصفهن جزءا من الحرب الناعمة التي تستهدف المجتمع الإيراني.

أزمة فيديو الذكاء الاصطناعي… الهجوم الأصولي على الوجه الآخر لإيران

لم تكد أزمة تصريحات إمام جمعة رشت تهدأ، حتى اندلعت أزمة جديدة مرتبطة بمقاطع فيديو من جزيرة كيش، ظهرت فيها أجواء احتفالية وشباب وفتيات على الشاطئ، بعضهن بملابس اعتبرت غير لائقة وفق المعايير الرسمية الإيرانية، وسرعان ما تحولت هذه المقاطع إلى مادة سجالية ضخمة داخل الإعلام الإيراني، بعدما دخلت النيابة العامة في جزيرة كيش على الخط، وأعلنت أن الفيديو مركب ويجمع بين مقاطع أصلية وصور مولدة بالذكاء الاصطناعي.

لكن الأزمة لم تتوقف عند حدود التحقق التقني من الفيديو، بل تحولت إلى حملة سياسية وأيديولوجية واسعة شنها التيار الأصولي ووسائل الإعلام المقربة منه، التي اعتبرت أن الفيديو يمثل هجوما على القيم والأخلاق ومحاولة لنشر العري والانفلات، وذهبت بعض وسائل الإعلام الأصولية إلى أبعد من ذلك، حين ربطت الفيديو بمحاولات الحرب الناعمة ضد إيران، معتبرة أن نشر مثل هذه المقاطع يهدف إلى إظهار البلاد بصورة مغايرة للهوية الإسلامية التي تتبناها إيران.

Image

المفارقة أن السلطات القضائية نفسها أعلنت لاحقا أن الفيديو يحتوي على عناصر مولدة بالذكاء الاصطناعي، لكن هذا الإعلان لم يمنع استمرار الحملة الإعلامية والتحريضية. كما أغلق مقهى في كيش لأنه استخدم الفيديو لأغراض دعائية، وجرى الحديث عن ملاحقة كل من شارك في إنتاجه أو نشره.

وبينما كانت وسائل الإعلام الأصولية تركز على الانحلال الأخلاقي الذي يظهر في الفيديو، كانت هناك قراءة أخرى مختلفة تماما، فقد رأى معارضون ومراقبون أن الضجة المثارة حول الفيديو تكشف خوف التيار من الصورة المختلفة التي يمكن أن تظهر بها إيران، خصوصا بعد تراجع القبضة الاجتماعية الصارمة التي فرضتها السلطات عقب احتجاجات 2022.

Image

كما أشار بعض المراقبين إلى أن مقاطع الحياة الليلية والمقاهي والشواطئ الفاخرة التي انتشرت مؤخرا من طهران وكيش وغيرها، لا تمثل بالضرورة الواقع الإيراني كله، لكنها تكشف في الوقت نفسه وجود شريحة اجتماعية تحاول ممارسة حياتها الطبيعية رغم الأزمات والحروب والعقوبات.

وقد تعامل التيار الأصولي مع هذه المقاطع بوصفها تهديدا مزدوجا؛ فمن جهة، هي تشكل تحديا مباشرا للخطاب الأخلاقي الرسمي، ومن جهة أخرى، تخلق صورة مختلفة عن إيران لدى الجمهور الخارجي، صورة لا تقوم على الحرب والشعارات الثورية، بل على الحياة اليومية، واللهو، والموسيقى، والاختلاط.

ولذلك، وحسب قراءات، بدا واضحا أن الهدف من تضخيم أزمة الفيديو لم يكن فقط حماية الأخلاق العامة، وإنما أيضا إعادة رسم حدود المقبول اجتماعيا، وتوجيه رسالة بأن أي محاولة لإظهار إيران مختلفة ستواجه بالقمع القانوني والإعلامي، كما استخدمت القضية لإعادة إحياء الخطاب التقليدي حول الغزو الثقافي والمؤامرة الغربية، وهي مفاهيم لطالما استخدمها التيار الأصولي لتبرير التضييق الاجتماعي والثقافي.

العودة إلى الهجوم على روحاني وظريف… استخدام الدين لتبرير الدعوة إلى إعدامهما

في خضم هذا المناخ المشحون، عادت شخصيات محسوبة على التيار الأصولي إلى مهاجمة الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني ووزير خارجيته السابق محمد جواد ظريف، لكن هذه المرة بلغة غير مسبوقة وصلت إلى حد المطالبة بإعدامهما استنادا إلى “أحكام قرآنية”.

وكان رجل الدين غلام رضا قاسميان، المعروف بمواقفه المتشددة والمثيرة للجدل، في قلب هذه الحملة، بعدما تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو له يقول فيه إن الحكم القرآني للتعامل مع ظريف وروحاني هو الإعدام قطعا، وأضاف أنه إذا تعذر تنفيذ الإعدام فعلى الأقل يجب إسكاتهم.

Image

هذه التصريحات أثارت موجة انتقادات واسعة، ليس فقط بسبب مضمونها العنيف، وإنما أيضا لأنها صدرت من رجل دين يستخدم النصوص الدينية لتبرير الدعوة إلى تصفية خصوم سياسيين.

ورأى منتقدو قاسميان أن خطابه يمثل تجاوزا خطيرا لفكرة الدولة والقانون، لأنه يضع رجل الدين في موقع القاضي والمنفذ في الوقت نفسه. فإذا أصبح بإمكان أي شخص أن يستند إلى بعض الآيات والروايات لإصدار أحكام بالإعدام، فما الحاجة إلى المحاكم والقضاء والإجراءات القانونية؟

الكاتب والصحافي عبد الجواد موسوي كان من أبرز من هاجموا تصريحات قاسميان، معتبرا أن رجل الدين المتشدد يتعمد الظهور في اللحظات الحساسة لإثارة الفتن وتقويض الوحدة الوطنية، وأشار موسوي إلى أن قاسميان سبق أن أثار أزمات مشابهة، من بينها تصريحاته ضد السعودية في توقيت كانت فيه العلاقات بين طهران والرياض تشهد محاولات للتهدئة. وبحسب موسوي، فإن قاسميان “يعرف جيدا متى يدخل على الخط”، ويستغل المشاعر الدينية لتعبئة الشباب وتحريضهم.

كما اعتبر منتقدوه أن أخطر ما في خطاب قاسميان ليس فقط الدعوة إلى الإعدام، بل الإيحاء بأن القضاء إذا لم ينفذ “الحكم الإلهي”، فإن ذلك قد يدفع بعض المتحمسين إلى أخذ القانون بأيديهم.

Image

هذا فيما أعادت هذه الأزمة إلى الأذهان فترات سابقة في تاريخ إيران شهدت تصاعدا لخطاب التكفير والتخوين السياسي، خصوصا في العقود الأولى بعد الثورة، حين جرى استخدام الدين لتبرير تصفية الخصوم السياسيين أو المعارضين.

وفي الوقت الذي كانت فيه إيران تواجه ضغوطا عسكرية واقتصادية خارجية، بدت هذه التصريحات بالنسبة لكثيرين وكأنها محاولة لفتح معركة داخلية جديدة، تقوم على تقسيم المجتمع بين مؤمنين وخونة وبين ثوريين وعملاء، كما كشفت الأزمة عن استمرار الانقسام العميق داخل التيار المحافظ نفسه، بين من يرى ضرورة الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الداخلي في هذه المرحلة، وبين من يعتقد أن اللحظة الحالية مناسبة لتصفية الحسابات السياسية القديمة.

الإمارات في مرمى النياران الأصولية

لم يقتصر التصعيد الأصولي على الداخل الإيراني، بل امتد إلى دول المنطقة، خصوصا الإمارات العربية المتحدة وبعض الدول العربية الأخرى، التي تعرضت لتهديدات مباشرة من شخصيات برلمانية ودينية محسوبة على التيار المتشدد.

وكان النائب محمود نبويان، عضو جبهة الصمود الجناب الأصولي في البرلمان، من أبرز الأصوات التي أثارت الجدل بعد تصريحاته في أحد التجمعات بمدينة قم، حين هدد الحكام العرب بشكل مباشر، قائلا إن أي اعتداء على كبار المسؤولين الإيرانيين سيؤدي إلى تدمير قصور الحكام العرب، وإنهم سيرسلون إلى الجحيم. كما طالب نبويان دول المنطقة بمنع استخدام القواعد العسكرية التي تستضيف قوات أمريكية ضد إيران، ملوحا بأن الحكام الذين لا يفعلون ذلك “لن يبقوا أحياء”.

Image

هذه التصريحات جاءت في وقت كانت فيه المنطقة تعيش توترا شديدا بسبب الحرب والتهديدات المتبادلة، ما دفع مراقبين إلى التحذير من أن مثل هذا الخطاب يمكن أن يزيد احتمالات التصعيد الإقليمي.

ورغم أن التصريحات صدرت عن نائب برلماني وليس عن جهة رسمية تنفيذية، فإن خطورتها تكمن في أنها تعكس ذهنية موجودة داخل جزء من التيار الأصولي، ذهنية ترى أن التصعيد اللفظي والتهديد العلني يمكن أن يشكل وسيلة لحشد الجمهور وتعزيز صورة الثورية والمواجهة، كما استخدمت هذه التصريحات مرة أخرى مفردات دينية وأيديولوجية، عبر تصوير الصراع وكأنه معركة وجودية بين محور المقاومة وخصومه، وليس مجرد خلاف سياسي أو أمني.

وفي المقابل، رأى منتقدون أن مثل هذا الخطاب يضر بالمصالح الإيرانية نفسها، لأنه يعمق عزلة البلاد ويثير مخاوف دول الجوار، في وقت تحتاج فيه إيران إلى تخفيف التوترات وليس توسيعها، كما أشار مراقبون إلى أن التهديدات ضد الإمارات ودول الخليج جاءت بالتوازي مع محاولات بعض الأوساط الإيرانية الرسمية الحفاظ على قنوات اتصال مع دول المنطقة، ما يكشف مرة أخرى عن وجود خطابات متناقضة داخل النظام الإيراني نفسه.

كيف ركب الأصوليون الموجة واستغلوا الدين والحرب؟

حسب تقرير وكالة أنباء خبر أونلاين الإيرانية، الأربعاء 6 مايو/ آيار 2026، فعند جمع كل هذه الوقائع معا، من الهجوم على النساء غير المحجبات، إلى تضخيم أزمة فيديو كيش، إلى الدعوات لإعدام روحاني وظريف، وصولا إلى تهديد الحكام العرب، فإن الصورة التي تتشكل تكشف بوضوح كيف حاول التيار الأصولي في إيران ركوب موجة الحرب والتوترات لإعادة إنتاج نفوذه الاجتماعي والسياسي.

لقد أدرك هذا التيار، حسب تقرير الوكالة، أن الحروب والأزمات الكبرى تخلق دائما بيئة مناسبة لتعبئة الجمهور عاطفيا، ولإعادة طرح الخطابات الأيديولوجية القديمة تحت عناوين الدفاع عن الوطن ومواجهة الأعداء والحفاظ على القيم.

Image

ومن خلال هذه الاستراتيجية، جرى استخدام الدين بوصفه أداة مركزية في صناعة الاستقطاب. فكل قضية تقريبا جرى تحويلها إلى معركة بين الإيمان والانحلال، أو بين الثورة والخيانة. النساء غير المحجبات صورن كتهديد أخلاقي وديني، والفيديوهات الترفيهية اعتبرت جزءا من “الحرب الناعمة”، والسياسيون المختلف معهم وصفوا بأنهم يستحقون الإعدام وفق الحكم القرآني، وحتى الخلافات الإقليمية قدمت باعتبارها معارك وجودية مقدسة.

كما اعتمد التيار الأصولي على حالة الخوف والقلق التي خلقتها الحرب، ففي أوقات الأزمات، يصبح جزء من المجتمع أكثر قابلية لتقبل الخطابات الحادة والشعارات التعبوية، خصوصا إذا جرى تغليفها بالدين والهوية الوطنية.

لكن المفارقة أن هذا التيار، بينما يرفع شعار الوحدة الوطنية، كان يمارس عمليا خطابا قائما على الإقصاء والتقسيم. فالوحدة التي يطرحها لا تقوم على الاعتراف بالتعددية الاجتماعية والثقافية داخل إيران، بل على فرض نموذج أيديولوجي واحد، ومن يخرج عنه يصبح موضع تهديد أو تخوين أو تحريض.

وقد أظهرت ردود الفعل الواسعة على هذه التصريحات والأزمات أن جزءا كبيرا من المجتمع الإيراني لم يعد يتقبل بسهولة هذا النوع من الخطاب. فحتى داخل الأوساط المحافظة، ظهرت أصوات تحذر من خطورة التحريض والانقسام، وتدعو إلى التهدئة والحفاظ على التماسك الداخلي.

في المقابل، يعتقد كثير من المراقبين أن التيار الأصولي لا يتحرك فقط بدافع أيديولوجي، وإنما أيضا بدافع سياسي مرتبط بالصراع على النفوذ داخل النظام الإيراني. فكلما اشتدت الأزمات، يسعى هذا التيار إلى تثبيت نفسه بوصفه الحارس الحقيقي للثورة والقيم الإسلامية، حتى لو جاء ذلك على حساب الاستقرار الاجتماعي أو العلاقات الخارجية.

Image

وفي النهاية، يبدو أن إيران تعيش اليوم صراعا يتجاوز مجرد الخلافات السياسية التقليدية. إنه صراع على شكل المجتمع نفسه، وعلى تعريف الوطنية والدين والهوية. وبينما يحاول بعض الإيرانيين تقديم صورة أكثر تنوعا وانفتاحا عن بلادهم، يسعى التيار الأصولي إلى إعادة المجتمع إلى منطق الاستقطاب الحاد والانضباط الأيديولوجي.

لكن التجارب السابقة داخل إيران تشير إلى أن استخدام الأزمات والحروب لإعادة فرض السيطرة الاجتماعية قد يحقق نتائج مؤقتة، إلا أنه في الوقت نفسه يعمق الفجوة بين المجتمع والسلطة، ويزيد من الاحتقان الداخلي. ولذلك، فإن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط الخطابات المتشددة نفسها، بل تحولها إلى جزء طبيعي من المجال العام، في وقت تحتاج فيه البلاد أكثر من أي وقت مضى إلى التهدئة والعقلانية والحوار.