- زاد إيران - المحرر
- 22 Views
فرضت التطورات العسكرية الأخيرة في المنطقة واقعا سياسيا جديدا دفع مختلف الأطراف إلى إعادة تقييم مواقفها وتحالفاتها وخياراتها الاستراتيجية. ومع تصاعد حدة التوترات وتداخل الأبعاد الإقليمية والدولية للصراع، برزت محاولات متعددة لتفسير نتائج المواجهة وتحديد انعكاساتها على مستقبل المنطقة. وفي هذا السياق، عادت النقاشات المتعلقة بمفهوم الأمن الإقليمي، ودور القوى الخارجية، وطبيعة العلاقات بين دول الجوار، إلى واجهة المشهد السياسي والإعلامي. كما كشفت المرحلة الماضية عن تحولات لافتة في الخطاب السياسي لعدد من الفاعلين الإقليميين، في ظل سعي كل طرف إلى تثبيت روايته للأحداث وتعزيز موقعه ضمن التوازنات الجديدة التي أفرزتها الحرب.
مقال ظريف… قراءة شاملة في رسائل الحرب والتحالفات والأمن الإقليمي
شكل المقال الذي نشره وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف في الجزيرة، والذي نقله موقع خبر فوري الخميس 7 مايو/ آيار 2026، واحدة من أكثر الرسائل السياسية الإيرانية وضوحا منذ انتهاء المواجهة العسكرية الأخيرة التي شهدتها المنطقة. فالمقال لم يكن مجرد قراءة فكرية لنتائج الحرب، بل بدا أقرب إلى وثيقة سياسية متكاملة تسعى إلى إعادة صياغة رواية طهران للحرب، وإعادة تعريف طبيعة العلاقة مع دول الخليج والولايات المتحدة وإسرائيل، فضلا عن رسم تصور إيراني جديد لمعادلات الأمن في غرب آسيا.

منذ السطور الأولى، حاول ظريف تقديم الحرب الأخيرة باعتبارها نتيجة حسابات خاطئة ارتكبتها الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض القوى الإقليمية، مؤكدا أن تلك الأطراف بنت استراتيجيتها على افتراض أن إيران أصبحت دولة منهكة وغير قادرة على الرد. وبحسب طرحه، فإن الرهان الأمريكي الإسرائيلي قام على إمكانية إخضاع إيران عبر مزيج من العقوبات الاقتصادية والعمليات الأمنية والاغتيالات والضربات العسكرية، غير أن الرد الإيراني، وفق توصيفه، قلب تلك التقديرات وأثبت أن إيران لا تزال تمتلك قدرة عسكرية كبيرة وقدرة عالية على الصمود والمواجهة.
وفي هذا السياق، ركز ظريف على ما اعتبره الرسالة الأساسية للحرب، وهي أن إيران ليست دولة يمكن عزلها أو إخضاعها بسهولة، وأنها استطاعت تجاوز مرحلة طويلة من العقوبات والضغوط والحروب الهجينة دون أن تنهار مؤسساتها أو تتفكك بنيتها السياسية والأمنية. وأعاد ظريف التأكيد على فكرة طالما رددها المسؤولون الإيرانيون، وهي أن المجتمع الإيراني، رغم تنوعه الداخلي، يتوحد سريعا في مواجهة التهديدات الخارجية.

لكن الجزء الأكثر حساسية في المقال كان ذلك المتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، فقد وجه ظريف انتقادات حادة وغير مسبوقة نسبيا لبعض الدول الخليجية، معتبرا أنها ساهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الحسابات الخاطئة التي سبقت الحرب، متهما تلك الدول بأنها وقفت تاريخيا، بحسب تعبيره، في الجانب الخطأ من التاريخ، بدءا من دعم نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين خلال الحرب العراقية الإيرانية، وصولا إلى التعاون الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الحرب الأخيرة.
ولم يكتف ظريف بانتقاد المواقف السياسية الخليجية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين تحدث عن سماح بعض الدول باستخدام أراضيها وقواعدها العسكرية لتنفيذ عمليات ضد إيران أو تقديم دعم لوجستي للعمليات الأمريكية والإسرائيلية. واعتبر أن هذا السلوك وضع تلك الدول عمليا في موقع الشريك في الحرب، وليس مجرد طرف محايد أو مراقب للأحداث.
وفي مقابل هذا الاتهام، حاول ظريف تبرير الضربات الإيرانية التي استهدفت مواقع مرتبطة ببعض الدول الخليجية خلال فترة الحرب، مؤكدا أن طهران لم يكن أمامها خيار آخر سوى الرد على الهجمات التي انطلقت من أراضي تلك الدول أو حصلت على دعم منها. وقدم هذا الرد باعتباره محسوبا ومحدودا، في محاولة واضحة لنفي أي نية إيرانية لتوسيع المواجهة مع الجوار الخليجي.

كما خصص ظريف مساحة واسعة للحديث عن مفهوم الأمن الإقليمي، وهو المحور الذي بدا الأكثر أهمية في مقاله. إذ اعتبر أن الحرب كشفت هشاشة المنظومة الأمنية المستوردة في المنطقة، في إشارة إلى الاعتماد الخليجي على الولايات المتحدة، مقابل ما وصفه بقوة الأمن المحلي والإقليمي. ومن هنا، دعا بشكل مباشر إلى إعادة التفكير في بنية التحالفات التقليدية، معتبرا أن استمرار الرهان على الحماية الأمريكية لم يعد يوفر أمنا حقيقيا لدول المنطقة.
وفي هذا الإطار، قدم ظريف نقدا لاذعا لما سماه نموذج الأمن والتنمية الخليجي، القائم، بحسب رأيه، على شراء الأسلحة الأمريكية واستضافة القواعد العسكرية الأجنبية مقابل ضمانات أمنية وحماية سياسية. وبرأيه، فإن هذا النموذج لم يؤد إلى استقرار دائم، بل جعل المنطقة أكثر عرضة للتوترات والحروب، وربط مستقبلها الاقتصادي والسياسي بمصالح القوى الخارجية.
وتوقف ظريف مطولا عند الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، معتبرا أن القواعد الأمريكية لم تنشأ لحماية الدول المضيفة، بل لاستخدامها في الضغط على إيران وتهديدها. وأكد أن هذه القواعد أصبحت، بعد الحرب الأخيرة، تمثل تهديدا وجوديا مباشرا للأمن الإيراني، وهو ما يحمل دلالات مهمة بشأن طبيعة النظرة الإيرانية المستقبلية للوجود الأمريكي في المنطقة.
أما إسرائيل، فقد احتلت موقعا مركزيا في المقال بوصفها، وفق طرح ظريف، عاملا رئيسيا في زعزعة استقرار المنطقة. واعتبر أن التوسع الإسرائيلي في العلاقات الإقليمية، خصوصا بعد اتفاقات التطبيع، لا يؤدي إلا إلى زيادة الانقسامات والتوترات وإضعاف استقلال القرار السياسي للدول العربية. كما هاجم النفوذ الإسرائيلي داخل المؤسسات السياسية الغربية، مستشهدا بدور جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة وأوروبا.

ومن النقاط اللافتة أيضا، أن ظريف حاول إعادة إحياء المبادرات الإيرانية السابقة المتعلقة بالأمن الإقليمي، مثل مبادرة هرمز للسلام ومنتديات الحوار الإقليمي، معتبرا أن تجاهل تلك المبادرات كان “خطأ تاريخيا” ارتكبته دول المنطقة عندما فضلت الاعتماد على واشنطن بدلا من بناء ترتيبات أمنية محلية مشتركة.
وفي الجانب الاقتصادي، أشار ظريف إلى أن العقوبات الأمريكية حرمت إيران من الاستفادة الطبيعية من موقعها الجغرافي ومن مضيق هرمز، بينما استفادت دول الجوار اقتصاديا من عزل طهران. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن إيران لا تزال تملك أوراق ضغط استراتيجية مرتبطة بالجغرافيا والطاقة والتجارة الدولية، وأن أي محاولة لخنقها أو تجاهل مصالحها ستكون لها انعكاسات خطيرة على الأسواق العالمية.
وفي خاتمة مقاله، حاول ظريف تقديم خطاب أقل تصادمية وأكثر انفتاحا، مؤكدا أن إيران لا تسعى إلى الحرب الدائمة مع جيرانها، بل ترغب في بناء مستقبل قائم على الاحترام المتبادل والأمن المشترك والازدهار الإقليمي. إلا أن هذا الخطاب التصالحي جاء بعد سلسلة طويلة من الاتهامات الحادة، ما جعل المقال يبدو مزيجا بين التحذير السياسي والدعوة إلى إعادة التفاوض على شكل النظام الإقليمي في مرحلة ما بعد الحرب.
قراءة في دلالات مقال ظريف… رسائل داخلية وخارجية بعد الحرب
يحمل مقال ظريف أبعادا تتجاوز كونه مجرد رأي سياسي أو تحليل شخصي لنتائج الحرب، إذ يمكن قراءته بوصفه محاولة إيرانية لإعادة صياغة الخطاب السياسي بعد مرحلة عسكرية شديدة الحساسية. فالرجل، الذي ارتبط اسمه لسنوات بالدبلوماسية الإيرانية والانفتاح على الغرب، بدا هذه المرة أقرب إلى التعبير عن الإجماع الأمني داخل المؤسسة الإيرانية، وليس فقط عن تيار إصلاحي أو دبلوماسي.
وخلال فترة الحرب الأخيرة، كانت تصريحات ظريف محدودة نسبيا مقارنة بحضوره الإعلامي المعروف، إلا أن مواقفه القليلة اتسمت بلهجة حادة تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، مع تركيز واضح على تحميلهما مسؤولية التصعيد الإقليمي. ولذلك، فإن مقاله الأخير يبدو استكمالا لتلك المواقف، لكنه يذهب أبعد من ذلك عبر محاولة تأطير الحرب ضمن سردية استراتيجية طويلة المدى، تقوم على فكرة أن إيران خرجت من المواجهة أكثر قوة وثقة، بينما اكتشفت دول المنطقة حدود الاعتماد على الحماية الخارجية.

كما يعكس المقال تحولا مهما في الخطاب الإيراني تجاه الخليج. فعلى الرغم من أن طهران حرصت خلال السنوات الأخيرة على إرسال رسائل تهدئة إلى العواصم الخليجية، فإن ظريف استخدم لغة مباشرة وغير معتادة في تحميل بعض تلك الدول مسؤولية المساهمة في الحرب. وهذا التحول قد يعكس شعورا إيرانيا بأن مرحلة المجاملات السياسية انتهت مؤقتا بعد الحرب، وأن طهران تريد إعادة رسم الخطوط الحمراء بوضوح أكبر.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن المقال تضمن أيضا دعوة ضمنية إلى فتح صفحة جديدة، لكن وفق شروط إيرانية مختلفة. فظريف لا يطرح مصالحة مجانية أو تسوية تقليدية، بل يدعو إلى نظام أمني إقليمي تكون إيران فيه لاعبا مركزيا لا يمكن تجاوزه أو محاصرته. ومن هنا، فإن المقال يبدو رسالة مزدوجة، تحذير من استمرار السياسات السابقة، وعرض سياسي لإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية على أسس جديدة.

ومن الناحية الإعلامية والسياسية، فإن أهمية المقال تكمن كذلك في توقيته. فإيران تسعى بعد الحرب إلى تثبيت روايتها بأنها لم تتعرض للهزيمة، بل استطاعت فرض توازن ردع جديد. ولذلك، فإن حديث ظريف عن “فشل الحسابات الأمريكية والإسرائيلية” لا يستهدف الداخل الإيراني فقط، بل يخاطب أيضا الرأي العام في المنطقة، خصوصا في دول الخليج.
في المحصلة، يكشف مقال ظريف عن مرحلة سياسية جديدة في الخطاب الإيراني بعد الحرب، عنوانها الأساسي أن طهران تريد تحويل نتائج المواجهة العسكرية إلى فرصة لإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية في غرب آسيا. وبين لغة التحذير والدعوة للحوار، يحاول ظريف تثبيت معادلة تقول إن إيران لم تعد تقبل أن تكون مجرد طرف يطلب منه ضبط النفس، بل لاعبا يطالب بإعادة تعريف قواعد اللعبة الإقليمية بأكملها.

