الجزر الثلاث… نزاع قديم يدخل مرحلة أكثر حساسية

تشهد منطقة الخليج في الآونة الأخيرة تصاعدا ملحوظا، ليس فقط على الجانب العسكري، ولكن في حدة الخطاب السياسي المرتبط بقضايا السيادة والنفوذ أيضا، ذلك في ظل تداخل معقد بين العوامل التاريخية والتوازنات الإقليمية والمصالح الدولية. ويأتي هذا التصاعد في وقت تتزايد فيه التحركات الدبلوماسية والمواقف الإعلامية التي تعكس احتدام التنافس حول ملفات حساسة، لم تعد مجرد خلافات تقليدية، بل تحولت إلى نقاط ارتكاز في رسم ملامح المرحلة المقبلة. وفي خضم هذه التطورات، تبرز رؤى وتحليلات تعكس كيفية إدراك الأطراف المعنية لطبيعة التحديات، وآليات التعامل معها، بما يكشف عن أبعاد أعمق للصراع تتجاوز حدود الجغرافيا إلى حسابات القوة والتأثير.

خطاب اطلاعات… رحلوا غير الإيرانيين من جزيرة أبو موسى

جاء مقال صحيفة اطلاعات الإيرانية، السبت 11 إبريل/ نيسان 2026، في صيغة خطاب سياسي تعبوي متكامل، لا يقتصر على تناول جزيرة أبو موسى كقضية حدودية فحسب، بل يضعها ضمن سياق أوسع يتعلق بالصراع الإقليمي، والهوية الوطنية، ومفهوم السيادة الإيرانية في مواجهة الضغوط الخارجية، فيبدأ المقال بدعوة مباشرة وصريحة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة داخل جزيرة أبو موسى، أبرزها ضرورة حسم الوضع القانوني لجميع سكان الجزيرة، والتشديد على أن أي شخص لا يحمل الجنسية الإيرانية يجب ترحيله، في إشارة واضحة إلى توجه نحو تكريس السيطرة القانونية والديموغرافية الكاملة على الجزيرة باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الأراضي الإيرانية.

Image

ولا يطرح المقال هذه الدعوة بمعزل عن السياق العام، بل يربطها بما يصفه بتجربة حرب الأربعين يوما التي مرت بها إيران في مواجهة عسكرية قاسية أمام الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث يقدم، في سرد يمزج بين البعد الرمزي والديني والتاريخي، أن إيران خرجت من هذه المحنة أكثر صلابة ورفعة. ويستخدم المقال لغة تصويرية تستحضر مفاهيم الصمود والكرامة، مشبها إيران بنبات السرو بين الأشواك، في محاولة لتعزيز صورة الدولة التي واجهت التحديات منفردة ونجحت في تجاوزها.

في سياق ذلك، يوجه المقال اتهامات حادة للولايات المتحدة وحلفائها، متهما إياهم باللجوء إلى استهداف المدنيين والبنية التحتية بعد فشلهم في تحقيق أهداف عسكرية، حيث يسرد قائمة طويلة من الأهداف التي تعرضت للقصف، تشمل المصانع والجامعات والمستشفيات والجسور وخطوط السكك الحديدية. ويقدم ذلك كدليل على ما يعتبره انحطاطا أخلاقيا وازدواجية في المعايير الغربية، خاصة في ظل صمت المجتمع الدولي عن هذه الأحداث.

Image

كما يوسع المقال نطاق طرحه ليشمل نقدا شاملا للنظام الدولي، متسائلا عن مصداقية مفاهيم مثل حقوق الإنسان في الغرب، ومستحضرا أمثلة تاريخية وثقافية لتعزيز هذا الطرح. وفي هذا الإطار، يربط بين السياسات الغربية الحالية وجذور ما يسميه العداء التاريخي على حد وصفه، مشيرا إلى قضايا مثل الهولوكوست والصهيونية، ومؤكدا أن ما يحدث في المنطقة هو امتداد لصراعات أعمق.

هذا فيما يخصص المقال مساحة مهمة للحديث عن الجغرافيا الإيرانية، حيث يبرز الموقع الاستراتيجي للبلاد، الممتد بين سلاسل جبلية وسواحل بحرية واسعة، معتبرا أن هذا الموقع يشكل عامل قوة دفاعية طبيعية، ويجعل من إيران دولة عصية على الاختراق. كما يشير إلى تطور القدرات العسكرية الإيرانية، خاصة في ظل العقوبات، حيث تمكنت، بحسب المقال، من تعويض نقصها عبر تطوير منظومات محلية تشمل الطائرات المسيرة والصواريخ والأسلحة البحرية، بما يعزز قدرتها على الردع ويجعل أي تهديد خارجي غير مضمون النتائج.

Image

وفي جانب آخر، ينتقد المقال بعض الدول العربية، متهما إياها بالوقوف إلى جانب الولايات المتحدة في المواجهة مع إيران، سواء عبر تقديم قواعد عسكرية أو فتح الأجواء، معتبرا أن هذه السياسات يجب أن تواجه برد حازم، وهنا تعود اطلاعات إلى جزيرة أبو موسى، لتؤكد أن التعامل مع أي ادعاءات أو مواقف صادرة عن هذه الدول يجب أن يكون من موقع القوة، سواء على المستوى السياسي أو الميداني.

ويختتم المقال برؤية سياسية عامة تدعو إلى إعادة تشكيل معادلة الأمن في المنطقة، بحيث تكون بيد دولها بعيدا عن التدخلات الخارجية، مؤكدا أن الاستقرار لا يمكن تحقيقه عبر التحالفات العسكرية أو الدعم الخارجي، بل من خلال الاعتماد على القدرات الذاتية. كما يشدد على ضرورة أن يتحول أي وقف لإطلاق النار إلى سلام دائم بضمانات حقيقية، مع التشكيك الواضح في مصداقية الوعود الغربية.

الصراع الإيراني الإماراتي حول الجزر الثلاث… الخلفية والتطور

يعود النزاع بين إيران والإمارات العربية المتحدة حول الجزر الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، إلى بدايات سبعينيات القرن الماضي، تحديدا قبيل انسحاب بريطانيا من منطقة الخليج عام 1971. ففي تلك الفترة، بسطت إيران سيطرتها على هذه الجزر، وهو ما رفضته دولة الإمارات التي تأسست في العام نفسه، معتبرة أن هذه الجزر جزء من أراضيها.

Image
Image

ومنذ ذلك الحين، ظل هذا الملف أحد أبرز نقاط التوتر بين الجانبين، حيث تصر إيران على سيادتها الكاملة على الجزر، مستندة إلى وثائق تاريخية وخرائط قديمة، بينما تؤكد الإمارات أن هناك نزاعًا قانونيًا يستوجب الحل عبر المفاوضات أو التحكيم الدولي.

خلال العقود الماضية، سعت الإمارات إلى تدويل القضية، من خلال طرحها في المحافل الدولية، وكسب دعم الدول الكبرى والمنظمات الإقليمية، وهو ما تجلى في مواقف مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، فضلا عن بيانات مشتركة مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا. في المقابل، ترفض إيران بشكل قاطع أي تدويل للملف، وتعتبره شأنا سياديا غير قابل للنقاش.

Image

وقد شهدت السنوات الأخيرة تصعيدا ملحوظا في هذا الملف، مع تزايد التصريحات السياسية، وإجراء مناورات عسكرية إيرانية في محيط الجزر، إلى جانب زيارات رسمية لمسؤولين إيرانيين إليها، وهو ما تراه الإمارات خطوات استفزازية، بينما تعتبره طهران ممارسة طبيعية لسيادتها.

ويعكس هذا الصراع تداخل الأبعاد السياسية والقانونية والاستراتيجية، حيث لا يقتصر على الخلاف الحدودي فحسب، بل يمتد ليشمل توازنات القوى في منطقة الخليج، ودور القوى الدولية في التأثير على هذا النزاع.

بين الاقتصاد والأمن…الأهمية الاستراتيجية للجزر الثلاث لإيران

تتمتع الجزر الثلاث، وخاصة جزيرة أبو موسى، بأهمية استراتيجية بالغة بالنسبة لإيران، سواء من الناحية الاقتصادية أو العسكرية. فمن الناحية الجغرافية، تقع هذه الجزر في موقع حيوي بالقرب من مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية. وهذا الموقع يمنح إيران قدرة كبيرة على مراقبة حركة الملاحة البحرية، بل والتأثير عليها في حال حدوث أزمات.

Image

اقتصاديا، تكتسب هذه الجزر أهمية متزايدة نظرا لاحتوائها على موارد طبيعية، بالإضافة إلى قربها من حقول نفطية وغازية، مثل حقل آرش، الذي يعد محل نزاع أيضا، كما أن تطوير هذه الجزر يمكن أن يحولها إلى مراكز اقتصادية وسياحية، على غرار جزر كيش وقشم، وهو ما تسعى إيران إلى تحقيقه من خلال مشاريع البنية التحتية وتشجيع الاستيطان.

من الناحية العسكرية، فتعد هذه الجزر نقاط ارتكاز متقدمة للقوات الإيرانية في الخليج، حيث تتيح نشر أنظمة مراقبة ورادارات، بالإضافة إلى منصات صاروخية وقواعد بحرية، مما يعزز من قدرة إيران على الردع والسيطرة في المنطقة. كما أن وجودها في هذه الجزر يمنحها عمقا استراتيجيا في مواجهة أي تهديدات محتملة.

غير أن هذه الأهمية الاستراتيجية لا تنفصل عن الواقع المعيشي المعقد في جزيرة أبو موسى، وهو ما يسلط الضوء عليه تقرير لصحيفة اعتماد الذي يقدم صورة ميدانية لحياة السكان في الجزيرة. فبحسب التقرير، فإن الطابع العسكري للجزيرة يفرض قيودا واضحة على الدخول إليها، حيث لا يمكن لغير السكان زيارتها دون تصاريح مسبقة من الجهات الحكومية أو العسكرية، ما يعكس حساسية موقعها وأهميتها الأمنية.

ويكشف التقرير أن سكان الجزيرة ينقسمون إلى إيرانيين ومجموعة محدودة من الإماراتيين الذين يعيشون في نطاق جغرافي منفصل، في إطار ترتيبات خاصة تعود إلى مرحلة تثبيت السيادة الإيرانية. ويشير إلى أن هؤلاء لا يشكلون حضورا سياسيا أو عسكريا، بل يعيشون ضمن ضوابط محددة وتحت إشراف السلطات الإيرانية، ما يعكس تعقيد البعد السيادي والديموغرافي في الجزيرة.

Image

على المستوى الخدمي، فتعتمد الجزيرة على موارد محلية في تأمين المياه والكهرباء، عبر محطات تحلية ومولدات ديزل، مع دعم حكومي يغطي معظم التكاليف، غير أن التحديات تظهر بوضوح في مسألة الإمدادات والسلع. فبسبب صعوبة النقل، ترتفع أسعار المواد الغذائية بشكل ملحوظ، وقد تصل إلى ضعف أسعارها في المدن الساحلية، كما تتأخر الشحنات والطلبات لأسابيع، ما يخلق ضغطًا مستمرًا على الحياة اليومية للسكان.

وتبرز أزمة النقل كأحد أبرز التحديات، حيث تراجعت الرحلات الجوية من رحلات يومية إلى رحلة أسبوعية غير منتظمة، كما تقلصت حركة السفن إلى حد كبير، ما يجعل السكان عرضة للعزلة، خاصة في فترات اضطراب الأحوال الجوية، حين تتوقف حركة التنقل تماما، ويجد السكان أنفسهم محاصرين داخل الجزيرة دون إمكانية دخول أو خروج.

ولا يقتصر الأمر على الجوانب المعيشية، بل يمتد إلى النواحي الاجتماعية، حيث يفتقر سكان الجزيرة إلى المرافق الترفيهية والثقافية، ما يدفع الشباب إلى مغادرتها بحثًا عن فرص أفضل للعمل أو الدراسة، وهو ما يشكل تحديًا إضافيًا أمام أي خطط لتثبيت السكان وتعزيز الوجود المدني.

Image

وفي هذا السياق، تتقاطع المعطيات التي يقدمها تقرير اعتماد مع الطروحات التي وردت في مقال صحيفة اطلاعات، والتي دعت إلى تعزيز الحضور الإيراني في الجزيرة، سواء من خلال ضبط الوضع السكاني أو تطوير البنية التحتية. إذ يعكس الواقع الميداني أن الأهمية الاستراتيجية للجزر لا تكتمل دون معالجة التحديات اليومية للسكان، بما يضمن تحويل هذه الجزر من نقاط عسكرية متقدمة إلى مجتمعات مستقرة قادرة على دعم السيادة بشكل فعلي ومستدام.

وبذلك، يتضح أن الجزر الثلاث لا تمثل فقط موقعا استراتيجيا في الحسابات العسكرية والاقتصادية، بل تشكل أيضا اختبارا لقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن واحتياجات التنمية، في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد.