- زاد إيران - المحرر
- 624 Views
كتبت: كريمة هاني
في خضم أزمة المياه المتصاعدة في إيران، لم يعد سد ماندكان مجرد منشأة هندسية، بل تحول إلى محك حقيقي لطبيعة صنع القرار في البلاد. يجسد هذا المشروع التناقض الصارخ بين الحاجة الملحة لتأمين المياه من جهة، والإخفاق في مراعاة الأبعاد البيئية والاجتماعية من جهة أخرى. الجدل تجاوز الأوساط البيئية إلى المؤسسات الرسمية والبرلمانية، مما يضفي عليه بعدا سياسيا وإداريا بالغ الخطورة.
ماهية المشروع والأهداف المتنازع عليها
بدأت أعمال إنشاء سد ماندكان أواخر عام 2023، ويقوم المشروع على فكرة نقل المياه من روافد نهر كارون إلى نهر زايندهرود، بهدف نقل ٢٨٠ مليون متر مكعب من المياه سنويا. يُعلن مؤيدو المشروع أنه ضروري لتأمين مياه الشرب والزراعة للمناطق المركزية في البلاد، لتعويض النقص المائي الهائل الذي تعاني منه أصفهان، والمقدر بـ 1.5 مليار متر مكعب سنويا. ومن المقرر تخصيص 30 مليون متر مكعب منها لمدن شهرضا، دهاقان، وسميرم، والباقي لمدينة أصفهان نفسها. في المقابل، يرى الناشطون والخبراء أن المشروع يهدف فعليا إلى تأمين المياه اللازمة للمناطق الصناعية في أصفهان. هذا التناقض الجوهري في تحديد الهدف الحقيقي هو ما يغذي الشكوك وفقدان الثقة، خاصة أن الخبراء يؤكدون أن غياب الشفافية والتقييم غير المكتمل هما أكبر المخاطر التي تواجه المشروع. وقد بلغت نسبة إنجاز المشروع نحو 10% فقط حتى الآن.
الاحتجاج المدني ورفض “التظاهر بالمشاركة”
في خطوة غير مسبوقة، وجّهت 35 منظمة بيئية ومحلية رسالة رسمية إلى رئيسة منظمة حماية البيئة، شينا أنصاري، معترضة على المهلة الزمنية القصيرة الممنوحة لمراجعة المشروع.
وقد وصفت هذه المنظمات المهلة المحددة بخمسة أيام لإبداء الرأي بأنها “ليست مشاركة حقيقة، بل تظاهر بالمشاركة”، بل وذهبوا إلى وصفها بأنها “ذبح لمفهوم المشاركة على مذبح المصلحة والضغوط السياسية”.
تشدد هذه المنظمات على أن التقرير الحالي الخاص بتقييم الأثر البيئي للمشروع قد أُعدّ على عجل وبمعزل عن أعين المجتمع المدني والرقابة المستقلة. وتحذر من أن أي قرار حكومي يستند إلى هذا التقرير “الناقص وغير الموثوق” سيؤدي إلى عواقب “لا يمكن تداركها” على جبال زاغروس، محافظة خوزستان، وأمن المياه في البلاد. هذا التوحد النادر لمنظمات من مختلف أنحاء البلاد، من خوزستان إلى بوشهر، يعكس حجم فقدان الثقة في عمليات تقييم مشاريع نقل المياه.
تقدم ميداني رغم الغياب القانوني
على الرغم من عدم حصول المشروع على ترخيص بيئي رسمي، تستمر أعمال البناء بشكل ملحوظ. وقد كشفت التقارير الحديثة عن تطور بالغ الأهمية، وهو استكمال تركيب أنابيب نقل المياه الخاصة بالمشروع. هذا التقدم يشير إلى أن المشروع يدخل مرحلة متقدمة من التنفيذ، حيث أصبح نظام نقل المياه جاهزا عمليا، مما يضع الجميع أمام أمر واقع. وقد وصف الناشط البيئي سيد جواد هادي أصل هذه الخطوة بأنها “كارثة تهدد حياة سكان منطقة دنا”، مؤكدا أن “مافيا المياه” تسعى لانتزاع حق الحياة من المنطقة.
تداعيات بيئية محتملة وتجاهل للدراسات العلمية
يثير مشروع سد ماندكان تحذيرات بيئية خطيرة من خبراء متخصصين، حيث يحذرون من أن تنفيذ السد سيؤدي إلى تدمير النظام البيئي الفريد في محمية دنا التي تضم أنواعا نادرة من النباتات والحيوانات. ويشير الخبير الجيوتقني حميدرضا ياقوتي إلى قصور كبير في الدراسات المعتمدة للمشروع، حيث تتجاهل تماما تأثير تغير المناخ وتقلص الأنهار الجليدية في المنطقة، كما تبالغ في تقدير كميات المياه المتاحة بناءً على افتراضات غير واقعية. ويحذر من أن السد سيؤدي إلى انخفاض تدفق الأنهار، وتراجع منسوب المياه الجوفية، وتدهور جودة التربة، مما يهدد الاستقرار البيئي والزراعي في المنطقة بأكملها.
تناقضات مؤسسية صارخة وأزمة ثقة متعمقة
في قلب هذه الأزمة، تكشف التناقضات الإجرائية عن عمق أزمة الثقة بين المؤسسات الرسمية. فقد انعقد اجتماع لجنة تقييم المشروع في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بمشاركة ممثلين عن رئاسة الجمهورية ووزارتي الداخلية والطاقة، وانتهى دون اتخاذ أي قرار بسبب معارضة جميع الأعضاء باستثناء ممثل محافظة أصفهان.
وفي تناقض صارخ، كشفت وسائل إعلام أن تقرير تقييم الأثر البيئي نفسه الذي نوقش في ذلك الاجتماع لم يصل رسميا إلى دائرة البيئة في محافظة كهكيلويه وبويرأحمد، وفقا لتأكيدات مديرها العام! هذا التناقض بين ما يتم مناقشته في العاصمة وما تصل إليه المحافظة المعنية مباشرة يغذي أزمة الثقة في نزاهة العملية برمتها.
وفي تحدٍ واضح لكل هذه المعارضة المؤسسية، تستمر الجهات المنفذة في المضي قدما عبر إجراء ثلاث مناقصات جديدة. والأكثر إثارة أن المشروع يُدار تحت إشراف محافظة أصفهان ووزارة الداخلية – وليس وزارة الطاقة – في خطوة يراها المراقبون وسيلة للالتفاف على الإجراءات القانونية والمتطلبات البيئية.

التناقض في المواقف بين مؤيد ومعارض
ينقسم الرأي حول المشروع إلى معسكرين واضحين:
المعارضين: يرى الخبراء والناشطون البيئيون أن المشروع كارثة بيئية بكل المقاييس. يحذر يوسف فرهادي بابادي، عضو جمعية “أبوش”، من أن السد سيُلحق “ضررا بالغا بمحمية دنا الطبيعية وسيتسبب في تدمير العديد من الحيوانات والنباتات النادرة”.
المؤيدين: من ناحية أخرى، يرى مؤيدو المشروع، مثل عبدالحسين ميرميران مدير جمعية “أمل محبي زايندهرود”، أن السد “ضرورة لإنقاذ أصفهان من العطش”. ويؤكد أن حجم المياه المنقولة ضئيل ولا يضر بحوض كارون، بينما يعوض العجز المائي الكبير في أصفهان الذي يؤدي إلى جفاف بحيرة غاوخوني وهبوط التربة.
وفي الختام، تُجسد أزمة سد ماندكان نموذجا لأزمة الحوكمة البيئية في إيران، حيث يتقدم التنفيذ الميداني للمشروع بوتيرة متسارعة بينما تتخلف عنه الأسس العلمية والشرعية. فغياب الترخيص البيئي، وتقارير التقييم غير المكتملة، وإقصاء المجتمع المحلي، تضع علامات استفهام كبرى حول مصداقية المشروع برمته.
هذه الأزمة لم تعد مجرد صراع بين التنمية والبيئة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لإرادة الدولة في الموازنة بين الحاجات الملحة للمياه والالتزام بالمعايير البيئية. الخيار الآن بين مسارين: إما التوقف لمراجعة شاملة تضع المصالح الوطنية والبيئية في المقدمة، أو المضي قدما في تنفيذ المشروع مجازفين بعواقب بيئية واجتماعية لا تحمد عقباها.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل ستظل السياسات المائية في إيران رهينة الحلول قصيرة النظر التي تنقل الأزمة من منطقة إلى أخرى، أم أن اللحظة الحالية تشكل منعطفا تاريخيا لاعتماد منهجية شفافة توفق بين الحق في التنمية وواجب الحفاظ على الموروث الطبيعي للأجيال القادمة؟

