طهران على حافة الهاوية المائية.. إخلاء العاصمة بين التحذير والواقع

كتبت: كريمة هاني 

يشهد المشهد الإيراني اليوم تحولا جذريا في أولوياته الوطنية، حيث ارتفعت قضية شح المياه من مجرد ملف بيئي إلى أزمة مصيرية تهدد استدامة أكبر تجمع سكاني في البلاد. بعد دخول إيران عامها السادس على التوالي من الجفاف، وانخفاض منسوب السدود المغذية للعاصمة طهران إلى مستويات هي الأدنى خلال الستين عاما الأخيرة، اضطرت وزارة الطاقة للإعلان عن عجز رسمي يتطلب إدارة استهلاك إجبارية بنسبة 10% لضمان استدامة التوفير. وبناءً على ذلك، لم يعد الحديث مقتصرا على ترشيد الاستهلاك، بل وصل إلى تحذيرات رسمية صريحة من فرض نظام الحصص الإجباري، وتلميحات باحتمال “إخلاء العاصمة” إذا استمر الوضع على هذا النحو.

الواقع المائي المأساوي: أرقام تُنذر بالكارثة

دخلت إيران عامها السادس على التوالي من الجفاف، وسط انخفاض شديد وغير مسبوق في هطول الأمطار. محافظة طهران وحدها شهدت انخفاضا كبيرا جدا في الأمطار مقارنة بالمعدل الطبيعي للعام، ما يعكس حدة الأزمة وتأثيرها المباشر على السكان

تعتمد العاصمة على خمسة سدود رئيسية لتأمين مياه الشرب، إلا أن مستوياتها الحالية تكاد تكون كارثية. سد طالقان يعتبر الأفضل بين هذه السدود بنسبة امتلاء تصل إلى 36%، بينما بلغت مستويات سد لتيان 11%، وسد ماملو 7% فقط. أما سد أمير كبير فبلغت نسبة امتلائه 8%، وسد لار، الأكثر تأثرا بالجفاف، لا تتجاوز طاقته التخزينية 1% فقط، ما يعكس الانخفاض الحاد في المخزون المائي للعاصمة.

ويبلغ معدل استهلاك المياه في طهران حاليا 33.5 متر مكعب في الثانية، مع عجز يومي يقدر بـ 3 أمتار مكعبة في الثانية، أي نحو 10% من إجمالي الاحتياجات. هذا النقص دفع وزارة الطاقة إلى وضع السيناريو المتشائم وإعلان الحاجة إلى إدارة صارمة للاستهلاك لمواجهة الجفاف المستمر.

الهدر الهيكلي وإجراءات الطوارئ

تكمن الأزمة الحقيقية في طهران في شبكة توزيع المياه المتهالكة، التي يزيد عمر بعض أنابيبها عن 100 عام. هذا القدم في البنية التحتية يؤدي إلى فقدان 15% إلى 30% من المياه الموزعة سنويا بسبب التسربات والتوصيلات غير القانونية، أي أن الهدر أكبر من العجز البالغ 10% المطلوب تعويضه عبر خفض استهلاك المواطنين.

لمواجهة هذا الهدر، لجأت السلطات إلى إجراءات طارئة، أبرزها خفض ضغط المياه ليلا من منتصف الليل حتى السادسة صباحا بهدف تقليل الفاقد في الشبكات القديمة، وفقا لوزير الطاقة عباس علي آبادي. كما أكد المتحدث باسم صناعة المياه، عيسى بزرك زاده، أن الوزارة تطبق “السيناريو المتشائم” فعليًا، الذي يفرض على المواطنين خفض استهلاكهم بنسبة 10% لتجنب قيود إضافية على التوزيع.

توضح هذه الإجراءات أن الأزمة المائية ليست فقط نقصا في الموارد أو استهلاك المواطنين، بل هي تحدٍ مركب بين الهدر الهيكلي والإدارة غير الكافية للبنية التحتية، ما يهدد استدامة المياه لملايين السكان يوميا.

اختلال الأولويات المائية

رغم تركيز الحكومة على ترشيد استهلاك المنازل، فإن مياه الشرب تمثل فقط 6% من إجمالي المياه المستخرجة في إيران، بينما يذهب الجزء الأكبر إلى الزراعة والصناعة. ويشير الخبراء إلى أن سوء الإدارة الزراعية هو السبب الرئيسي للأزمة، مؤكدين أن توفير 10% فقط من الهدر في هذا القطاع يمكن أن يضاعف كمية مياه الشرب المتاحة حاليا .

بالتالي، الحل لا يقتصر على خفض استهلاك المواطنين، بل يتطلب إصلاح نمط الري القديم والمكلف مائياً، وإعادة النظر في سياسة توزيع المياه بين القطاعات بما يتوافق مع الواقع البيئي المتردي، لضمان استدامة الموارد المائية لجميع المستخدمين.

إخلاء طهران.. تحذير رسمي أم مناورة غير عملية؟

حذر الرئيس الإيراني مسعود پزشكيان من احتمال إخلاء طهران في حال استمرار الجفاف، مشيرا إلى أن توزيع المياه قد يتم بنظام الحصص إذا لم تهطل الأمطار حتى ديسمبر/كانون الأول، وأن استمرار الوضع قد يجعل الإخلاء خيارا واردا. ويأتي هذا التحذير في ظل وصول مخزون السدود الخمسة المغذية للعاصمة إلى أدنى مستوى له منذ ستين عاما، ما يعكس خطورة الأزمة المائية.

ومع ذلك، يرى الخبراء أن هذا التحذير رمزي أكثر منه عمليا. فـ علي بيت‌اللهي، خبير الأزمات ومدير قسم المخاطر في مركز بحوث الطرق والإسكان والتنمية الحضرية، يؤكد أن نقل كتلة سكانية تصل إلى 10 إلى 15 مليون نسمة أمر “غير ممكن” لوجستيا وبشريا. كما يشير إلى أن أزمة المياه لا تقتصر على العاصمة، بل تشمل 19 محافظة تعاني انعداما مطلقا للأمطار، ما يجعل أي إخلاء عمليا شبه مستحيل ويؤدي إلى تفاقم الأزمة في المحافظات الأخرى التي تفتقر للبنى التحتية اللازمة لاستقبال هذا العدد الكبير من السكان.

من جهته، يرى عضو المجلس الاستراتيجي في مركز “تدبير آب إيران” أن طهران لم تصل بعد إلى نقطة الإخلاء أو أزمة اللاعودة، إذ تعتمد على مصادر مائية متعددة تمنحها هامشا محدودا للتعامل مع الأزمة قبل بلوغ مرحلة حرجة لا يمكن العودة منها.

التهديد الحقيقي.. أزمة الثقة والتكدس السكاني

بعيدا عن الجانب اللوجستي، يشير الخبراء إلى أن هذا التحذير يعكس أبعادا أعمق مرتبطة بالحوكمة والثقة الاجتماعية والتكدس السكاني. حسين آخاني، الأكاديمي والناشط البيئي، يعتبر فكرة الإخلاء “غير واقعية وأقرب إلى النكتة”، موضحا أنها مناورة للتهرب من مواجهة المشكلة الحقيقية المتمثلة في سوء إدارة الموارد والهدر الهيكلي الكبير.

ويشير آخاني إلى أن المجتمع يعاني من نسبة سخط تتجاوز 80٪، وبالتالي قد لا تُصغى تحذيرات الحكومة، ما يعيق أي جهود للتعاون في ترشيد الاستهلاك. ويشبّه الوضع بـ”مريض سرطاني” حيث لا يجرؤ الطبيب على تحمل مسؤولية العلاج في ظل انعدام الثقة العامة.

ويجمع الخبراء على أن التكدس السكاني المفرط في طهران، حيث يعيش أكثر من 40٪ من سكان البلاد في عشر مناطق مركزية، يشكل ضغطا هائلا على المياه ويجعل العاصمة “مدينة جالسة على فوهة بركان طبيعي”. 

ويؤكدون أن الحل الحقيقي يكمن في إصلاح الحوكمة، تقليص الكثافة السكانية، وتطوير إدارة مستدامة للمياه، عبر إعادة تدوير المياه، معالجة المياه الرمادية، إصلاح الشبكات القديمة، فرض قيود على الاستهلاك غير الضروري، وإشراك المواطنين في المراقبة والتوعية لترشيد استخدام الموارد المائية.

الحلول المستدامة.. بدائل عملية أمام الكارثة

في مواجهة الأزمة المائية الحادة، يقترح الخبراء مجموعة من الحلول العاجلة والمستدامة التي قد تمنع الوصول إلى مرحلة إخلاء طهران أو انهيار مواردها. 

تعد إعادة تدوير المياه من أبرز هذه الحلول، حيث تُظهر محطة معالجة رباط كريم، التي افتتحت مؤخراً، قدرة عملية على إنتاج نحو 8 ملايين متر مكعب سنويا من المياه المعالجة للاستخدام في الزراعة والصناعة، ما يخفف الضغط على المصادر الجوفية.

ويؤكد الخبير محمدرضا فرزانه أهمية الإدارة المتكاملة للموارد المائية، مشددا على ضرورة التحول من النهج البنيوي التقليدي إلى نمط إداري يقوم على الحوكمة والمشاركة المجتمعية، بحيث يُنظر إلى المياه كجزء من النظام الاجتماعي والاقتصادي والبيئي وليس كمورد طبيعي فقط.

أما ترشيد الاستهلاك، فقد شدد وزير الطاقة عباس علي آبادي على خفض استهلاك المواطنين لمواجهة شح المياه، ويمكن تحقيقه أيضا باستخدام التقنيات الحديثة لتقليل الهدر بنسبة تصل إلى 20٪، كما يمثل إصلاح الشبكات القديمة ومعالجة التسربات خطوة ضرورية لتوفير مليارات الأمتار المكعبة سنويا، مما يعزز قدرة العاصمة على مواجهة الجفاف

تجمع هذه الإجراءات بين الجانب التقني والإداري والمجتمعي، وتشكل خط الدفاع الأمثل للحفاظ على استدامة المياه في طهران، وتؤكد أن الحلول العملية والتخطيط السليم يمكن أن يحول الأزمة الحالية إلى فرصة لإدارة الموارد بشكل أكثر ذكاءً واستدامة.

وفي الختام، رغم التشاؤم السائد، يرى بعض الخبراء أن طهران لم تصل بعد إلى نقطة اللاعودة. فبحسب عضو المجلس الاستراتيجي في مركز “تدبير آب إيران”، لا تزال العاصمة تعتمد على مصادر مائية متعددة، لكن استمرار الوضع الحالي يهدد استدامة هذه المصادر.

ويبقى السؤال معلقا: هل ستدفع أزمة المياه في طهران إلى إصلاح حقيقي وشامل، أم ستظل مجرد حلقة جديدة في سلسلة الإدارة المتخلفة؟ الجواب يعتمد على قدرة النظام على تبني رؤية استراتيجية شاملة تضع الموارد المائية في قلب الأمن القومي الإيراني.