- زاد إيران - المحرر
- 789 Views
كتب الترجمان
شهدت ساحة ميدان الثورة وسط العاصمة طهران، مساء الجمعة 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حدثاً ثقافياً وسياسياً لافتاً، تمثّل في الكشف عن تمثال جديد باسم «الراكعون أمام إيران»، وهو عمل نحتي يستعيد واقعة تاريخية تعود إلى القرن الثالث الميلادي عندما أُسِر الإمبراطور الروماني فاليريان خلال إحدى المعارك، ووقف أمام الملك الساساني شابور الأول في وضعية خضوع. وقد انتشرت صور التمثال وفيديوهات مراسم التدشين بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، مصحوبة بتفاعلات واسعة داخل البلاد وخارجها.
رمزية الحدث وأبعاده
يأتي التمثال في سياق خطاب ثقافي وسياسي يشهد تعزيزاً تدريجياً لفكرة الهوية الوطنية الإيرانية بالمعنى التاريخي الممتد، دون قطع مع الهوية الدينية التي كانت محور الخطاب الرسمي طوال العقود الماضية. فالاستدعاء المتكرر لشخصيات مثل كوروش الكبير وداريوش وشابور يعكس محاولة لإعادة دمج الذاكرة الإمبراطورية في سردية الدولة المعاصرة، بوصفها جزءاً من رصيد القوة لا مجرد مادة تاريخية.
هذا التحول لم يأتِ فجأة؛ فقد سبقه خلال السنوات الأخيرة اهتمام حكومي ـ إعلامي متزايد بما يُسمّى «التراث ما قبل الإسلامي»، سواء عبر المناهج، أو المشاريع الثقافية، أو الإشارات الرمزية في الفضاء العام. ويبدو التمثال الجديد حلقة جديدة في هذا المسار.
ما وراء المشهد الاحتفالي
شهدت مراسم تدشين التمثال تجمعاً لشخصيات عامة ومسؤولين وناشطين، إلى جانب حضور شعبي ملحوظ. وقد رُصدت لقطات لمجموعات من المواطنين وهم يرددون النشيد الوطني غير الرسمي «أی إیران»، وهو مشهد اعتُبر بحد ذاته رسالة رمزية تتجاوز الاحتفال الفني.
فالهتاف باسم «إيران» في فضاء سياسي اعتاد لعقود تقديم الهوية الدينية قبل الوطنية، يشير إلى إعادة ترتيب أولويات التعبير الرمزي والمشترك العام.

ردود الفعل الرسمية
كان لافتاً أن عدداً من السياسيين والمسؤولين استخدموا لغة تربط بين حدث تاريخي يعود لأكثر من 1700 عام وبين اللحظة السياسية الراهنة. فقد تحدث بعضهم عن «إعادة الغرب إلى حجمه الطبيعي»، فيما ذهب آخرون إلى الربط بين فاليريان و«ترامب»، في محاولة لتسييق الماضي داخل خطاب التحدي المعاصر.
وبالمقابل، ركّز آخرون على البعد الثقافي البحت، واعتبروا أن إعادة تقديم التاريخ القديم للجمهور الإيراني تسهم في تعزيز الثقة بالنفس الجماعية داخل مجتمع يواجه ضغوطاً اقتصادية ومعيشية لا تخفى.
وفي السياق نفسه أوضح علي رضا ناد علي، المتحدث باسم مجلس مدينة طهران، فكرة التمثال مستوحاة من كلام المرشد الأعلى الإيراني الذي أشار لأول مرة إلى ركوع الإمبراطور الروماني أمام الجيش الإيراني، مشيداً بإبداع موظفي البلدية في تقديم هذه الفكرة على شكل فن بصري يربط بين الهوية الإسلامية والإيرانية والثورية.
السردية الوطنية بين الماضي والحاضر
في قراءة أكثر تركيباً، يمكن القول إن التمثال لا يأتي فقط في إطار «الفخر القومي»، بل في سياق بحث مستمر عن توازن بين مكونات الهوية الإيرانية. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979 هيمنت الهوية الدينية بوصفها المرجعية السياسية والثقافية الأساسية، بينما جرى التعامل مع الهوية الإيرانية التاريخية بوصفها تراثاً رمزياً لا يتصدر المشهد. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت بوادر تحول تدريجي جعل «الهوية الوطنية» تظهر إلى جانب «الهوية العقائدية»، وليس في مواجهتها.بعبارة أخرى، يمكن فهم التمثال على أنه محاولة لتأكيد أن الانتماء لإيران يمكن أن يجمع ولا يفرّق، وأن سردية الدولة الحديثة ليست مقصورة على إطار ديني أو إمبراطوري، بل على إعادة تركيب الاثنين ضمن معادلة جديدة.

نقاشات وانتقادات
مع ذلك، لم يمر الحدث من دون نقاش. فقد شهدت منصات التواصل طرح أسئلة تتعلق بجدوى توظيف التاريخ في سياقات سياسية معاصرة، وهل يمكن للرموز أن تحلّ محلّ معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
في المقابل، رأى آخرون أن تعزيز الذاكرة التاريخية في الوعي العام قد يسهم في رفع الثقة الاجتماعية، شرط أن لا يتحوّل إلى بديل عن السياسات العملية.
كما طُرح سؤال حول العلاقة بين استدعاء التاريخ والدولة الحديثة: هل الهدف تأكيد المكانة الإقليمية لإيران؟ أم صناعة سردية مواجهة دائمة مع القوى الخارجية؟
أم أنّ الأمر لا يتجاوز كونه مشروعاً فنياً اتخذ حجماً إعلامياً كبيراً؟

ردود الفعل الخارجية
حظي الحدث بتغطية عبر مواقع ووكالات إخبارية عربية وأجنبية حاولت قراءة الحدث في سياق التوتر بين إيران والغرب. أما وكالة «شينخوا» الصينية فقدّمت تغطية مختلفة ركّزت على الجانب الفني والجمالي للعمل والمشهد الميداني في ساحة الثورة، ما يعكس الاختلاف في طريقة قراءة الحدث بحسب زاوية المراقب.
سواء اعتُبر التمثال استعادة لرمز تاريخي أو رسالة سياسية أو إحياء للذاكرة الوطنية، فإن حضوره يشير إلى مسار ثقافي يتطور داخل إيران، يقوم على محاولة بناء سردية وطنية جامعة قادرة على استحضار الماضي دون إلغاء الحاضر، والربط بين الهوية القومية والهوية الدينية في إطار واحد.
لكن تبقى الأسئلة مفتوحة، هل يمكن للرموز وحدها أن تخلق وحدة اجتماعية مستدامة؟ أم أنّ الأمر يحتاج إلى توافقات سياسية واقتصادية توازي الرمزية في أثرها؟ هذا ما ستكشفه المرحلة المقبلة.

