- زاد إيران - المحرر
- 326 Views
سعت واشنطن عبر فرض حصار بحري وضغوط عسكرية وعقوبات واسعة إلى تقييد التجارة البحرية الإيرانية، ومع ذلك، تُظهر بيانات من مصادر تتبع بحرية مثل شركة كيبلر، العالمية الرائدة لتحليلات بيانات الشحن وتدفقات الطاقة والسلع، ومنصة MarineTraffic العالمية لتتبع السفن، في 27 أبريل/ نيسان 2026، أن هذا النهج أدى إلى انخفاض حاد في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ما خلق اختناقات أمام الشحن الدولي، فبعد أن كان عدد السفن اليومية يتراوح بين 100 و140 سفينة، تراجع في كثير من الأيام إلى 3–5 فقط، مع انخفاض حركة ناقلات النفط بنسبة تصل إلى 90–92٪، حيث اضطرت العديد من السفن إلى الانتظار أو اختيار طرق بديلة أكثر تكلفة.
وفي مواجهة الحصار البحري الأمريكي، تُظهر إيران مرونة كبيرة في البحث عن حلول مبتكرة لمواجهة هذا التحدي، ومع تقلص سعة التخزين المتاحة والتي لا تتجاوز بضعة أسابيع، بدأت إيران في البحث عن طرق غير تقليدية لتخزين النفط، مثل إحياء “مستودعات النفايات” واستخدام الحاويات القديمة والمرافق المهجورة، إضافة إلى ذلك، تسعى طهران لاستغلال وسائل النقل البديلة مثل السكك الحديدية لنقل النفط إلى الصين، في محاولة لتقليص تأثير الحصار وتخفيف الضغوط على اقتصادها، مُظهرة قدرة على التكيف والابتكار رغم الظروف القاسية.
تأثير الحصار البحري على النفط الإيراني
ادعت وكالة “بلومبرج” الأمريكية، في 28 أبريل/ نيسان 2026 أن إيران تواجه نقصا في سعة تخزين النفط نتيجة هذا الحصار البحري، وأنها لا تمتلك سوى سعة تخزين تكفي لفترة تتراوح بين 12 و22 يوما فقط، وإذا استمر هذا الوضع، فقد تضطر إيران بحلول منتصف مايو/ أيار إلى خفض إنتاجها بمقدار إضافي يصل إلى 1.5 مليون برميل يوميا، إلى جانب التخفيضات الكبيرة التي قامت بها بالفعل، ومع ذلك، لن يظهر التأثير المالي لهذا الانخفاض فورا، نظرا لأن وصول شحنات النفط إلى المشترين يستغرق وقتا، كما أن المدفوعات تتأخر، ما يمنح إيران بضعة أشهر من هامش التحرك رغم تزايد نقص الإمدادات.
وفي المقابل، قال محللو شركة FGE NextantECA العالمية المتخصصة في أبحاث أسواق النفط، في تصريحات لوكالة رويترز: «يمكن لإيران الحفاظ على إنتاجها الحالي البالغ نحو 3.5 مليون برميل يوميا لمدة تقارب شهرين دون تصدير، ويمكن تمديد هذه الفترة إلى نحو ثلاثة أشهر إذا تم خفض الإنتاج بمقدار 500 ألف برميل يوميًا».
كما أشار خبراء Energy Aspects، شركة رائدة عالميا في تحليلات أسواق الطاقة، في حديثهم إلى رويترز إلى أن الحصار الأمريكي قد لا يكون له تأثير كبير على إنتاج إيران خلال شهر أبريل، لكن إذا استمر حتى مايو، فسيتعين خفض الإنتاج بشكل ملحوظ، وتوقع أحد الخبراء أيضا أن تلجأ إيران إلى استخدام ناقلات النفط المتواجدة في الموانئ كوسيلة للتخزين العائم، ما قد يؤخر عملية خفض الإنتاج.
وذكر موقع تانكر تراكرز، المتخصص في تتبع شحنات النفط الخام وتخزينه عالميا باستخدام صور الأقمار الصناعية، أن نحو 4 ملايين برميل من النفط الإيراني تمكنت من عبور خط الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة، مضيفا، مساء الأحد 26 أبريل/ نيسان 2026، أن إيران قامت أيضا بتحميل 4.6 مليون برميل من النفط في موانئ تصدير الخام الخاصة بها.
ووفقا لتقرير شركة كيبلر، العالمية الرائدة لتحليلات بيانات الشحن وتدفقات الطاقة والسلع، بلغت صادرات إيران من النفط الخام في شهر مارس/ آذار 2026 نحو 1.87 مليون برميل يوميا، بينما وصلت في شهر أبريل/ نيسان 2026 حتى الآن إلى نحو 1.71 مليون برميل يوميا.

حلّ جديد لإيران للالتفاف على الحصار البحري
ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال في 28 أبريل/ نيسان 2026، أن إيران تسعى إلى إيجاد طرق جديدة لتخزين نفطها، على أمل تجنب توقف الإنتاج المُشلّ، في ظل تعطّل صادراتها بسبب الحصار البحري، واستمرار تعثّر المفاوضات لإنهاء الحرب.
ومع تزايد مخزونات النفط داخل البلاد، تعمل إيران على إحياء مواقع مهجورة تُعرف باسم «مستودعات النفايات»، وتستخدم حاويات مُصنّعة يدويا، كما تحاول نقل النفط الخام إلى الصين عبر السكك الحديدية، وتهدف هذه الإجراءات غير التقليدية إلى تأجيل أزمة البنية التحتية وتقليص نفوذ واشنطن في أزمة مضيق هرمز، وفقا لما قاله حميد حسيني، المتحدث باسم اتحاد مصدّري المنتجات النفطية في إيران.
وأضافت الصحيفة الأمريكية، نقلا عن مسؤولين حاليين وسابقين في إيران، أن طهران تلجأ إلى أساليب لم تستخدمها من قبل لتوفير مساحات التخزين، وبحسب هؤلاء المسؤولين، تستخدم إيران حاويات وخزانات قديمة وفي ظروف غير ملائمة في المراكز النفطية الجنوبية مثل الأهواز وعسلويه.
ومن جانبه، قال مسعود بيلمة، الأمين العام لجمعية الشحن البحري، إن حركة التجارة البحرية الإيرانية لم تتوقف رغم إعلان الولايات المتحدة فرض حصار بحري، إذ تواصل السفن عبور الحصار والوصول إلى الموانئ، فيما ساهم تعزيز المسارات البديلة في زيادة مرونة الاقتصاد بشكل ملحوظ.
وأكد بيلمة، في تصريحات صحفية 26 أبريل/ نيسان 2026، أن نطاق الحصار البحري الأمريكي يبلغ 300 ميل بحري (نحو 500 كيلومتر)، وهو ما تسبب في إعاقة حركة عدد محدود فقط من السفن، مضيفا أن هذا الإجراء الأمريكي يُعد انتهاكا للقوانين الدولية، ويمثل مجرد ضغط نفسي وإعلامي، مشيرا إلى أن معظم السفن الإيرانية، سواء ناقلات النفط أو سفن الحاويات، تعبر الحصار بدعم القوات المسلحة وتصل إلى الموانئ الجنوبية.
وفيما يتعلق باستيراد السلع الأساسية بعد الحصار الذي أعلنه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أكد بيلمة أن تدفق هذه السلع مستمر، وأنه في حال استمرار الوضع الحالي فإن اقتصادات دول الخليج العربية والولايات المتحدة قد تتضرر أكثر من إيران، موضحا أن أسباب ذلك تعود إلى تراجع أسواق الأسهم في الدول العربية وتأثير ذلك على الاستثمارات في الولايات المتحدة، إضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود والسلع، وهو ما يظهر بوضوح في أسعار نفط خام برنت، واصفا تصريح ترامب بعدم الحاجة إلى مضيق هرمز بأنه غير صحيح.
وأشار أيضا إلى أن الموانئ الجنوبية الإيرانية تتمتع بوصول مباشر إلى المياه المفتوحة، وفي حال حدوث أي إغلاق، فإن الموانئ الشمالية إلى جانب الحدود البرية، وخاصة خطوط السكك الحديدية المتصلة بالصين ودول آسيا الوسطى وروسيا، ستتيح استمرار تدفق السلع الأساسية، مضيفا أن إيران ترتبط بريا بأكثر من سبع دول، وبحريا بنحو خمس دول، وهو ما يعزز من قدرتها على الصمود الاقتصادي، مشيرا إلى أن الطاقة التشغيلية الحالية للموانئ الشمالية تبلغ نحو 20%، ويمكن زيادتها لتلبية الاحتياجات.
يُذكر أن إيران تُعد تقليديا دولة ذات تركيز تجاري جنوبي، إذ يتم أكثر من 80% من تجارتها البحرية عبر موانئ الخليج العربي وبحر عُمان، مثل ميناء الشهيد رجائي وميناء الإمام الخميني وميناء بوشهر وميناء تشابهار، التي تُعد العمود الفقري للواردات والصادرات، وفي المقابل، تقع الموانئ الشمالية على سواحل بحر قزوين، وتشمل ميناء أميرآباد وميناء أنزلي وميناء نوشهر وميناء فريدونكنار وميناء آستارا، وترتبط هذه الموانئ بحريا مع دول مثل كازاخستان وتركمانستان وأذربيجان، كما يمر عبرها جزء مهم من التجارة الإقليمية وممر النقل الدولي شمال–جنوب.
الحصار البحري الأمريكي وتحسّن مبيعات النفط الإيراني
من جانبه، قال علي خضريان، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، في 22 أبريل/ نيسان 2026، إن بلاده تمكنت خلال أسبوعين من زيادة صادراتها النفطية رغم الحصار البحري الأمريكي، بل ونجحت في جذب عملاء جدد.
وأكد خضريان، خلال ظهوره في برنامج مباشر على القناة الثالثة، أن إيران ما تزال قادرة على تصدير نفطها رغم القيود المفروضة، مضيفا أن تدفق مبيعات النفط لم يتوقف، بل تحسّن خلال الخمسين يوما الماضية، وخاصة في الأسبوعين الأخيرين مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب، معتبرا أن ذلك يدل على امتلاك إيران أدوات فعالة لمواجهة الضغوط الأمريكية.
وأشار إلى أن الأدلة على ذلك تتمثل في الأرقام التي تنشرها وسائل الإعلام الغربية حول حركة السفن في مضيق هرمز، والتي تُظهر، بحسب قوله، أن إيران صدّرت ملايين البراميل من النفط خلال أسبوعين، وتمكنت من العثور على عملاء جدد وبيع نفطها بشكل نقدي.

أدوات إيران المحتملة لمواجهة الحصار البحري الأمريكي
ورغم أن إيران لم تُعلن تغييرا جذريا في نموذج تجارتها، فإن المؤشرات الميدانية تُظهر أن الحصار لم يشلّها، إذ تعتمد طهران على مزيج من القدرات الردعية واللوجستية، مثل مرافقة السفن عسكريا، والرد بالمثل عبر احتجاز سفن مرتبطة بخصومها عند الضرورة، وتسريع تفعيل الممرات البرية والسكك البديلة.
وتتضمن أدوات إيران المحتملة لمواجهة الحصار:
- القوة الصلبة والردع: تمتلك إيران القدرة على مرافقة سفنها تجاريا بشكل مسلح، مع تبني سياسة الرد بالمثل، بما في ذلك احتجاز سفن تابعة لخصومها عند الضرورة، وتدعم هذه الاستراتيجية قدرات صاروخية وبحرية متقدمة.
- تنويع المسارات اللوجستية: تسعى إيران إلى تقليل الاعتماد على المسارات البحرية عبر تطوير ممرات بديلة، منها: ممر الشمال–الجنوب (INSTC) الذي يربطها بروسيا والقوقاز وأوروبا، المسار الشرقي عبر باكستان، وخطوط سكك حديدية نحو آسيا الوسطى وأفغانستان، وهذه المشاريع تعزز النقل متعدد الوسائط وتدعم تحول إيران إلى مركز لوجستي إقليمي.
وحتى الآن، لم يتمكن الحصار البحري من وقف تجارة إيران بشكل كامل، بل أدى إلى رفع تكاليف الطاقة والشحن عالميا وتعقيد المشهد البحري، ومن مضيق هرمز إلى باب المندب وسواحل الصومال، تشير التطورات إلى تراجع فعالية الاستراتيجيات الأحادية، وبداية تحول تدريجي في ميزان القوى البحرية، ما يفرض الحاجة إلى مقاربات أكثر واقعية وتعددية.
وبينما يعكس هذا التحرك قدرة إيران على التكيف مع الظروف الاستثنائية، فإن استمرار هذه الحلول قد لا يكون كافيا على المدى الطويل إذا استمر الحصار، مما يفرض على إيران البحث عن مزيد من التنوع في أسواقها وأساليبها الاقتصادية، ومع تزايد تعقيد الوضع البحري الدولي، يبقى من الواضح أن التحديات أمام إيران تتطلب حلولا مبتكرة ومقاربات أكثر مرونة لتجاوز الضغوط الخارجية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

