إيران والفضاء.. كيف أصبحت القوة التاسعة في الإطلاق المستقل للأقمار الصناعية؟

كتب: علي دشتي

في 25 يوليو/تموز 2025، أعلنت وسائل الإعلام عن نجاح إطلاق القمر الصناعي الإيراني “ناهيد 2” بواسطة الصاروخ الروسي «سويوز». وقد شكّل هذا الإطلاق من قاعدة «فوستوشني» الفضائية في روسيا محطة جديدة لإبراز القدرات الإيرانية في ميدان الفضاء.

جاءت العملية ضمن مهمة روسية شاملة حملت عددا من الأقمار الصناعية، بينها قمران رئيسيان للأرصاد الجوية من طراز “يونيسفير-إم 3 و4″، إضافة إلى 18 قمرا أصغر، من بينها «ناهيد 2» وعدة أقمار كيوبسات دولية.

ومن اللافت في هذه المهمة أن الشعار الرسمي لوكالة الفضاء الإيرانية ومعهد أبحاث الفضاء الإيراني طُبع على هيكل الصاروخ «سويوز»، في إشارة واضحة إلى مشاركة إيران في مشروع فضائي دولي. وبعد الإطلاق، استقر القمر الصناعي بنجاح في مداره المحدّد، وتم استقبال أولى بيانات التليمترية في محطة التحكم الأرضية، مؤكدة سلامة القمر بعد الانفصال.

على مدى العقود الأخيرة، استطاعت إيران أن تحجز لنفسها موقعا متقدما بين الدول القليلة التي طوّرت دورة التكنولوجيا الفضائية كاملة بشكل محلي، وهو ما منحها مكانة خاصة في صناعة الطيران والفضاء العالمية. وتبرهن عمليات الإطلاق الناجحة للأقمار الصناعية الإيرانية ليس فقط على التقدّم التقني الذي أحرزته البلاد، بل أيضا على قدرتها في تعزيز التعاون الدولي وتجاوز التحديات التي تفرضها العقوبات المفروضة عليها.

صاروخ سويوز، أحد أكثر الصواريخ الناقلة موثوقية في العالم مع سجلّ يتجاوز 1900 عملية إطلاق ناجحة، كان الخيار الاستراتيجي لهذه المهمة، فهذا الصاروخ ثنائي المراحل، القادر على حمل حمولات متعددة، يتيح إمكانية إطلاق عدة أقمار صناعية في وقت واحد، وقد جاء اختيار «سويوز» بسبب نسبة نجاحه العالية وقدرته على حمل الأقمار الصناعية الثقيلة الخاصة بإيران.

القمر الصناعي للاتصالات “ناهيد 2”، الذي صمّمه معهد أبحاث الفضاء الإيراني، جرى تطويره لاختبار تقنيات الاتصال الحديثة وتقييم أنظمة التحكم ثلاثي المحاور وإدارة الطاقة. ويُعد هذا القمر جزءا من جهود إيران لتعزيز البنية التحتية الفضائية للاتصالات وتقديم خدمات اتصالية أكثر أمانا وسرعة. وقد وُضع «ناهيد 2»، الذي يزن نحو 100 كيلوجرام، في مدار منخفض (LEO) على ارتفاع يقارب 500 كيلومتر، ليؤدي مهمته المتمثلة في اختبار تقنيات جديدة تدعم الاستخدامات التجارية والبحثية في سوق الفضاء العالمي.

لم يكن إطلاق «ناهيد 2» إنجازا فنيا فحسب، بل حمل أيضا أبعادا اقتصادية واستراتيجية بالغة الأهمية. فهذا القمر الصناعي يُعد جزءا من برنامج إيران لتطوير مجموعات أقمار صناعية (Constellations) يمكنها أن توفر خدمات متقدمة مثل إنترنت الأشياء، والاستشعار عن بُعد، والاتصالات الآمنة. كما أن التعاون مع روسيا أتاح لإيران الاستفادة من منصات إطلاق أجنبية لتعويض القيود التي تواجهها منصات الإطلاق المحلية، وفي الوقت ذاته كسب خبرة تشغيلية أوسع تدعم تطوير تقنياتها الفضائية المحلية.

تعود جذور البرنامج الفضائي الإيراني إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين سعى النظام الملكي آنذاك إلى استثمار التكنولوجيا الفضائية، غير أن الخطوات الأكثر جدية في هذا المجال انطلقت بعد الثورة الإسلامية، لتتطور لاحقا إلى برنامج متكامل يضع إيران ضمن الفاعلين في صناعة الفضاء.

بعد الثورة الإسلامية، واجهت إيران قيودا شديدة في الوصول إلى التقنيات الغربية، وهو ما دفعها إلى التوجّه نحو تطوير التكنولوجيا المحلية، وفي عام 1987، تم تنفيذ أول رحلة شبه مدارية عبر صاروخ “كاوشكر-1”من القاعدة الفضائية في شهركرد، وهو حدث بالغ الأهمية في برنامج إيران الصاروخي، فقد مكّن هذا الصاروخ، القادر على حمل حمولات بحثية إلى ارتفاعات شاهقة، من وضع الأساس لتطوير منصات الإطلاق المستقبلية.

خلال تسعينيات القرن الماضي، بدأت إيران، عبر تعاون محدود مع دول مثل روسيا وإيطاليا، مشاريع مثل الأقمار الصناعية “مصباح” و “زهرة” ورغم أن هذه المشاريع لم تكتمل بسبب عقبات فنية وسياسية، فإنها وفّرت خبرة قيّمة للمهندسين الإيرانيين.

كان عقد الألفية الجديدة نقطة تحوّل في برنامج الفضاء الإيراني. ففي عام 2005، أُطلق القمر الصناعي “سينا-1”، وهو أول قمر صناعي إيراني، بواسطة صاروخ كوزموس-3 من قاعدة بليستسك الروسية، ليضع إيران رسميا ضمن قائمة الدول المالكة لأقمار صناعية في المدار. غير أن الإنجاز الأبرز تحقق عام 2009 مع إطلاق القمر الصناعي “أميد”.

فقد تمكّن هذا القمر، الذي يزن 27 كيلوغراما وصُمّم وصُنع بالكامل على يد الصناعات الإلكترونية الإيرانية، من دخول مدار الأرض المنخفض (LEO) باستخدام الصاروخ المحلي “سفير“ من قاعدة سمنان الفضائية. وبذلك أصبحت إيران تاسع دولة في العالم تمتلك القدرة المستقلة على إطلاق أقمار صناعية، بعد دول كبرى مثل روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا. وكان «أميد» يدور حول الأرض 15 مرة كل 24 ساعة، ويرسل بيانات التليمترية إلى المحطات الأرضية الإيرانية، حتى أنهى مهمته في 25 أبريل/نيسان 2009.

شهد عقد 2010 تقدما ملحوظا للبرنامج الفضائي الإيراني، حيث أُطلقَت الأقمار “رصد” و«نويد» و«فجر” بواسطة صاروخ «سفير»، وقد صُممت هذه الأقمار أساسا لأغراض التصوير الفضائي واختبار تقنيات جديدة، مما عكس تطور إيران في تصميم الأقمار الصناعية الخفيفة.

وفي عام 2012، أظهرت إيران قدراتها في الإطلاقات البيولوجية عبر إطلاق مسبار “بيشكام“، الذي حمل قردا من فصيلة المكاك الريسوسي يُدعى “آفتاب”إلى ارتفاع 120 كيلومترا. وقد شكّل هذا الإطلاق، الذي جاء بعد 54 عاما من أول تجربة أمريكية لإرسال قرد إلى الفضاء، دليلا على تقدم إيران في تقنيات استعادة الحمولات الفضائية.

ومع ذلك، لم يخلُ هذا العقد من التحديات، إذ فشلت بعض عمليات الإطلاق، مثل إطلاق أقمار “پيام” و”ظفر” بواسطة صاروخ “سيمُرغ“، بسبب مشكلات تقنية تتعلق بتعقيدات الصاروخ ونقص السرعة المدارية، لكن هذه الإخفاقات مثّلت دروسا مهمة أسهمت في دفع إيران نحو تطوير تكنولوجيات أكثر تقدما.

خلال فترة حكومة الراحل إبراهيم رئيسي، أولت إيران اهتماما خاصا بتطوير صناعتها الفضائية عبر إعادة تفعيل المجلس الأعلى للفضاء بعد توقف دام 11 عاما،  وفي هذه المرحلة، لم تقتصر إيران على الاعتماد على منصات الإطلاق المحلية مثل قاصد وسيمرغ، بل وسّعت تعاونها مع روسيا أيضا، وكان إطلاق القمر الصناعي “خيّام”في أغسطس/آب 2022 من قاعدة بايكونور في كازاخستان بواسطة صاروخ «سويوز» نموذجا بارزا لهذا التعاون، وقد صُمّم «خيّام»، وهو قمر استشعار عن بُعد يزن 600 كيلوجرام، للتصوير عالي الدقة ووُضع في مدار يبعد 500 كيلومتر عن الأرض.

وفي عام 2023، أُطلق القمر الصناعي “بارس-1”، وهو قمر استشعار عن بُعد بوزن 134 كيلوجراما، من قاعدة «فوستوشني» الروسية عبر صاروخ «سويوز»، وتم تزويده بثلاث كاميرات تعمل في الأطياف المرئية، والأشعة تحت الحمراء القريبة، والأشعة تحت الحمراء الحرارية، ما مكّنه من تصوير 95% من الأراضي الإيرانية خلال أقل من 100 يوم، واستخدامه في إدارة الموارد ورصد الكوارث الطبيعية.

أما في عام 2024، فقد شهد البرنامج الفضائي الإيراني نقلة جديدة بإطلاق الأقمار الصناعية “كوثر“ و”هدهد” اللذين صُمّما وصُنعا من قِبل القطاع الخاص الإيراني عبر شركة المعرفة التكنولوجية “أميد فضا“، وقد خُصّص هذان القمران للاستشعار عن بُعد وتقديم خدمات إنترنت الأشياء، وجاءا كجزء من برنامج إيران لإنشاء كوكبة فضائية تضم 200 قمرا صناعيا، وفي العام نفسه، أُطلق القمر الصناعي “تشمران-1”، المخصّص لاختبار المناورات المدارية وتقنية الدفع بالغاز البارد، بنجاح، ليؤكد قدرة إيران على تنفيذ مناورات فضائية معقدة.

ورغم العقوبات الواسعة والقيود الدولية، استطاعت إيران أن تترسخ كقوة صاعدة في صناعة الفضاء العالمية. فهي تُعد من الدول القليلة التي تمتلك الدورة الكاملة للتكنولوجيا الفضائية، ابتداء من تصميم وصناعة الأقمار الصناعية، مرورا بتطوير منصات الإطلاق المحلية، وصولا إلى إنشاء البنى التحتية الأرضية مثل القواعد الفضائية ومحطات التحكم.

رغم أن صواريخ الإطلاق “سفير“و«سيمرغ» تعاني من بعض القيود في قدرة حمل الحمولات، فإنها تعكس بوضوح قدرة إيران على تطوير تقنيات صاروخية محلية، وإلى جانب ذلك، مكّنت عمليات الإطلاق الناجحة عبر الصواريخ الأجنبية مثل “سويوز” إيران من وضع أقمار صناعية أثقل وأكثر تعقيدا في مدارات أعلى.

الأقمار الصناعية الاستشعارية مثل “بارس-“1و “خيّام” بما تمتلكه من دقة تصوير عالية، وضعت إيران في مصاف دول مثل الهند والصين التي تستخدم تقنيات الاستشعار عن بُعد في إدارة الموارد وحماية الأمن، كما أن تطوير أقمار الاتصالات مثل “ناهيد 2“ يعكس توجه إيران نحو تقديم خدمات فضائية تجارية، تشمل إنترنت الأشياء والاتصالات الآمنة.

ويُعد التعاون الإيراني مع روسيا، ولا سيما في عمليات الإطلاق عبر صواريخ «سويوز»، نقطة قوة لبرنامج إيران الفضائي. فهذا التعاون لم يمنح إيران الوصول إلى منصات إطلاق متطورة فحسب، بل ساهم أيضا في اكتساب خبرة تشغيلية وتعزيز نقل التكنولوجيا، ومع ذلك، فقد أثارت هذه الشراكة قلقا في الغرب، خصوصا في الولايات المتحدة، التي تتهم إيران بالسعي لتطوير تقنيات صاروخية مزدوجة الاستخدام. غير أن إيران تنفي هذه الاتهامات، مؤكدة أن برنامجها الفضائي يقتصر على الأغراض السلمية فقط.

تتحول صناعة الفضاء العالمية إلى واحد من المحركات الرئيسية للاقتصاد، إذ توقّعت الجمعية العالمية لصناعة الأقمار الصناعية أنه بحلول عام 2029 سيكون هناك أكثر من 100 ألف مركبة فضائية تجارية نشطة في مدارات الأرض. وتسعى إيران، من خلال تطوير منظومات أقمار صناعية مثل “هدهد” و«كوثر»، إلى الحصول على حصة من هذا السوق المتنامي، وتلعب الشركات الإيرانية المعرفية (شركات التكنولوجيا المتقدمة) مثل “أميد فضا” دورا مهما في تسويق التكنولوجيا الفضائية تجاريا، فيما أظهرت عمليات الإطلاق الأخيرة دخول القطاع الخاص بقوة إلى هذا المجال.

ومع ذلك، فإن إيران لكي تنافس قوى كبرى مثل الولايات المتحدة “859  قمرا صناعيا نشطا”، والصين “250 قمرا” وروسيا “146 قمرا” تحتاج إلى استثمارات أوسع في البنية التحتية، ومعالجة الاختناقات التكنولوجية. ويُعد معدل الفشل المرتفع في الإطلاقات المحلية أحد أبرز التحديات، وهو ما تحاول إيران تجاوزه عبر تطوير صواريخ إطلاق أكثر تقدما مثل “قاصد” وسلاسل جديدة من “سيمرغ”.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، لم يسهم البرنامج الفضائي الإيراني في تعزيز القوة الوطنية فحسب، بل مكّن أيضا من تطوير تطبيقات عسكرية مثل الاستشعار عن بُعد، والاتصالات الآمنة، وأنظمة التموضع. وكان إطلاق القمر الصناعي “نور-1” بواسطة الحرس الثوري عام 2020 مؤشرا واضحا على دخول إيران المجال الفضائي العسكري. ورغم ما أثاره ذلك من قلق في الغرب، فقد مكّن إيران من أن تُعَرَّف في الشرق الأوسط بوصفها قوة فضائية ناشئة.

أما على المدى البعيد، فتتضمن الخطط الطموحة للبرنامج الفضائي الإيراني:

  • تطوير منظومات فضائية تضم مئات الأقمار الصناعية.
  • إطلاق أقمار صناعية أثقل إلى المدارات العليا، مثل المدار المتزامن مع الأرض على ارتفاع 36 ألف كيلومتر.
  • استكمال تطوير منصات الإطلاق المحلية مثل قاصد وسلاسل أكثر تقدما من سيمرغ.
  • إنشاء قاعدة فضائية في تشابهار، التي يُتوقع أن تكون أكثر كفاءة بفضل موقعها الجغرافي القريب من خط الاستواء.
  • في المجال الدولي، تسعى إيران إلى توسيع تعاونها مع دول مثل روسيا والصين، وفي الوقت نفسه تعمل على تنويع منظومات الإطلاق التي تعتمد عليها، بما يقلل من اعتمادها على الصواريخ الأجنبية ويعزز مستوى الاكتفاء الذاتي.
  • أما من الناحية الاقتصادية، فإن تطوير الخدمات المعتمدة على الفضاء، مثل الإنترنت للأشياء، الاستشعار عن بُعد والملاحة، قد يجعل من إيران لاعبا نشطا في اقتصاد الفضاء. غير أن تحديات كبيرة ما زالت قائمة، أبرزها العقوبات، ونقص الاستثمارات الأجنبية، والمنافسة الشرسة مع الشركات الكبرى العالمية.
  • إطلاق القمر الصناعي “ناهيد-2” بصاروخ “سويوز” خلال الأسابيع الأخيرة ليس سوى مثال واحد على إنجازات إيران في هذا المجال، وهو يبرهن على مزيج ناجح من التكنولوجيا المحلية والتعاون الدولي. إن تاريخ البرنامج الفضائي الإيراني – من محاولاته الأولى إلى أن أصبح تاسع دولة في العالم قادرة على الإطلاق المستقل للأقمار الصناعية – يمثل قصة مثابرة في مواجهة العقبات.
  • على الرغم من العقوبات والصعوبات التقنية، نجحت إيران في ترسيخ موقعها كقوة فضائية ناشئة. لكن لمواصلة هذا المسار، لا بد لها من زيادة الاستثمار في البنية التحتية، وخفض معدلات فشل عمليات الإطلاق المحلية، وتعزيز التعاون الدولي

 بتحقيق هذه الأهداف، يمكن لإيران أن تتحول إلى لاعب رئيسي ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل أيضا على الساحة العالمية. إن برنامجها الفضائي، القائم على المعرفة المحلية والإرادة الوطنية، يعيد صياغة مكانة إيران في الفضاء.

كتب: علي دشتي

في 25 يوليو/تموز 2025، أعلنت وسائل الإعلام عن نجاح إطلاق القمر الصناعي الإيراني “ناهيد 2” بواسطة الصاروخ الروسي «سويوز». وقد شكّل هذا الإطلاق من قاعدة «فوستوشني» الفضائية في روسيا محطة جديدة لإبراز القدرات الإيرانية في ميدان الفضاء.

جاءت العملية ضمن مهمة روسية شاملة حملت عددا من الأقمار الصناعية، بينها قمران رئيسيان للأرصاد الجوية من طراز “يونيسفير-إم 3 و4″، إضافة إلى 18 قمرا أصغر، من بينها «ناهيد 2» وعدة أقمار كيوبسات دولية.

ومن اللافت في هذه المهمة أن الشعار الرسمي لوكالة الفضاء الإيرانية ومعهد أبحاث الفضاء الإيراني طُبع على هيكل الصاروخ «سويوز»، في إشارة واضحة إلى مشاركة إيران في مشروع فضائي دولي. وبعد الإطلاق، استقر القمر الصناعي بنجاح في مداره المحدّد، وتم استقبال أولى بيانات التليمترية في محطة التحكم الأرضية، مؤكدة سلامة القمر بعد الانفصال.

على مدى العقود الأخيرة، استطاعت إيران أن تحجز لنفسها موقعا متقدما بين الدول القليلة التي طوّرت دورة التكنولوجيا الفضائية كاملة بشكل محلي، وهو ما منحها مكانة خاصة في صناعة الطيران والفضاء العالمية. وتبرهن عمليات الإطلاق الناجحة للأقمار الصناعية الإيرانية ليس فقط على التقدّم التقني الذي أحرزته البلاد، بل أيضا على قدرتها في تعزيز التعاون الدولي وتجاوز التحديات التي تفرضها العقوبات المفروضة عليها.

صاروخ سويوز، أحد أكثر الصواريخ الناقلة موثوقية في العالم مع سجلّ يتجاوز 1900 عملية إطلاق ناجحة، كان الخيار الاستراتيجي لهذه المهمة، فهذا الصاروخ ثنائي المراحل، القادر على حمل حمولات متعددة، يتيح إمكانية إطلاق عدة أقمار صناعية في وقت واحد، وقد جاء اختيار «سويوز» بسبب نسبة نجاحه العالية وقدرته على حمل الأقمار الصناعية الثقيلة الخاصة بإيران.

القمر الصناعي للاتصالات “ناهيد 2”، الذي صمّمه معهد أبحاث الفضاء الإيراني، جرى تطويره لاختبار تقنيات الاتصال الحديثة وتقييم أنظمة التحكم ثلاثي المحاور وإدارة الطاقة. ويُعد هذا القمر جزءا من جهود إيران لتعزيز البنية التحتية الفضائية للاتصالات وتقديم خدمات اتصالية أكثر أمانا وسرعة. وقد وُضع «ناهيد 2»، الذي يزن نحو 100 كيلوجرام، في مدار منخفض (LEO) على ارتفاع يقارب 500 كيلومتر، ليؤدي مهمته المتمثلة في اختبار تقنيات جديدة تدعم الاستخدامات التجارية والبحثية في سوق الفضاء العالمي.

لم يكن إطلاق «ناهيد 2» إنجازا فنيا فحسب، بل حمل أيضا أبعادا اقتصادية واستراتيجية بالغة الأهمية. فهذا القمر الصناعي يُعد جزءا من برنامج إيران لتطوير مجموعات أقمار صناعية (Constellations) يمكنها أن توفر خدمات متقدمة مثل إنترنت الأشياء، والاستشعار عن بُعد، والاتصالات الآمنة. كما أن التعاون مع روسيا أتاح لإيران الاستفادة من منصات إطلاق أجنبية لتعويض القيود التي تواجهها منصات الإطلاق المحلية، وفي الوقت ذاته كسب خبرة تشغيلية أوسع تدعم تطوير تقنياتها الفضائية المحلية.

تعود جذور البرنامج الفضائي الإيراني إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين سعى النظام الملكي آنذاك إلى استثمار التكنولوجيا الفضائية، غير أن الخطوات الأكثر جدية في هذا المجال انطلقت بعد الثورة الإسلامية، لتتطور لاحقا إلى برنامج متكامل يضع إيران ضمن الفاعلين في صناعة الفضاء.

بعد الثورة الإسلامية، واجهت إيران قيودا شديدة في الوصول إلى التقنيات الغربية، وهو ما دفعها إلى التوجّه نحو تطوير التكنولوجيا المحلية، وفي عام 1987، تم تنفيذ أول رحلة شبه مدارية عبر صاروخ “كاوشكر-1”من القاعدة الفضائية في شهركرد، وهو حدث بالغ الأهمية في برنامج إيران الصاروخي، فقد مكّن هذا الصاروخ، القادر على حمل حمولات بحثية إلى ارتفاعات شاهقة، من وضع الأساس لتطوير منصات الإطلاق المستقبلية.

خلال تسعينيات القرن الماضي، بدأت إيران، عبر تعاون محدود مع دول مثل روسيا وإيطاليا، مشاريع مثل الأقمار الصناعية “مصباح” و “زهرة” ورغم أن هذه المشاريع لم تكتمل بسبب عقبات فنية وسياسية، فإنها وفّرت خبرة قيّمة للمهندسين الإيرانيين.

كان عقد الألفية الجديدة نقطة تحوّل في برنامج الفضاء الإيراني. ففي عام 2005، أُطلق القمر الصناعي “سينا-1”، وهو أول قمر صناعي إيراني، بواسطة صاروخ كوزموس-3 من قاعدة بليستسك الروسية، ليضع إيران رسميا ضمن قائمة الدول المالكة لأقمار صناعية في المدار. غير أن الإنجاز الأبرز تحقق عام 2009 مع إطلاق القمر الصناعي “أميد”.

فقد تمكّن هذا القمر، الذي يزن 27 كيلوغراما وصُمّم وصُنع بالكامل على يد الصناعات الإلكترونية الإيرانية، من دخول مدار الأرض المنخفض (LEO) باستخدام الصاروخ المحلي “سفير“ من قاعدة سمنان الفضائية. وبذلك أصبحت إيران تاسع دولة في العالم تمتلك القدرة المستقلة على إطلاق أقمار صناعية، بعد دول كبرى مثل روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا. وكان «أميد» يدور حول الأرض 15 مرة كل 24 ساعة، ويرسل بيانات التليمترية إلى المحطات الأرضية الإيرانية، حتى أنهى مهمته في 25 أبريل/نيسان 2009.

شهد عقد 2010 تقدما ملحوظا للبرنامج الفضائي الإيراني، حيث أُطلقَت الأقمار “رصد” و«نويد» و«فجر” بواسطة صاروخ «سفير»، وقد صُممت هذه الأقمار أساسا لأغراض التصوير الفضائي واختبار تقنيات جديدة، مما عكس تطور إيران في تصميم الأقمار الصناعية الخفيفة.

وفي عام 2012، أظهرت إيران قدراتها في الإطلاقات البيولوجية عبر إطلاق مسبار “بيشكام“، الذي حمل قردا من فصيلة المكاك الريسوسي يُدعى “آفتاب”إلى ارتفاع 120 كيلومترا. وقد شكّل هذا الإطلاق، الذي جاء بعد 54 عاما من أول تجربة أمريكية لإرسال قرد إلى الفضاء، دليلا على تقدم إيران في تقنيات استعادة الحمولات الفضائية.

ومع ذلك، لم يخلُ هذا العقد من التحديات، إذ فشلت بعض عمليات الإطلاق، مثل إطلاق أقمار “پيام” و”ظفر” بواسطة صاروخ “سيمُرغ“، بسبب مشكلات تقنية تتعلق بتعقيدات الصاروخ ونقص السرعة المدارية، لكن هذه الإخفاقات مثّلت دروسا مهمة أسهمت في دفع إيران نحو تطوير تكنولوجيات أكثر تقدما.

خلال فترة حكومة الراحل إبراهيم رئيسي، أولت إيران اهتماما خاصا بتطوير صناعتها الفضائية عبر إعادة تفعيل المجلس الأعلى للفضاء بعد توقف دام 11 عاما،  وفي هذه المرحلة، لم تقتصر إيران على الاعتماد على منصات الإطلاق المحلية مثل قاصد وسيمرغ، بل وسّعت تعاونها مع روسيا أيضا، وكان إطلاق القمر الصناعي “خيّام”في أغسطس/آب 2022 من قاعدة بايكونور في كازاخستان بواسطة صاروخ «سويوز» نموذجا بارزا لهذا التعاون، وقد صُمّم «خيّام»، وهو قمر استشعار عن بُعد يزن 600 كيلوجرام، للتصوير عالي الدقة ووُضع في مدار يبعد 500 كيلومتر عن الأرض.

وفي عام 2023، أُطلق القمر الصناعي “بارس-1”، وهو قمر استشعار عن بُعد بوزن 134 كيلوجراما، من قاعدة «فوستوشني» الروسية عبر صاروخ «سويوز»، وتم تزويده بثلاث كاميرات تعمل في الأطياف المرئية، والأشعة تحت الحمراء القريبة، والأشعة تحت الحمراء الحرارية، ما مكّنه من تصوير 95% من الأراضي الإيرانية خلال أقل من 100 يوم، واستخدامه في إدارة الموارد ورصد الكوارث الطبيعية.

أما في عام 2024، فقد شهد البرنامج الفضائي الإيراني نقلة جديدة بإطلاق الأقمار الصناعية “كوثر“ و”هدهد” اللذين صُمّما وصُنعا من قِبل القطاع الخاص الإيراني عبر شركة المعرفة التكنولوجية “أميد فضا“، وقد خُصّص هذان القمران للاستشعار عن بُعد وتقديم خدمات إنترنت الأشياء، وجاءا كجزء من برنامج إيران لإنشاء كوكبة فضائية تضم 200 قمرا صناعيا، وفي العام نفسه، أُطلق القمر الصناعي “تشمران-1”، المخصّص لاختبار المناورات المدارية وتقنية الدفع بالغاز البارد، بنجاح، ليؤكد قدرة إيران على تنفيذ مناورات فضائية معقدة.

ورغم العقوبات الواسعة والقيود الدولية، استطاعت إيران أن تترسخ كقوة صاعدة في صناعة الفضاء العالمية. فهي تُعد من الدول القليلة التي تمتلك الدورة الكاملة للتكنولوجيا الفضائية، ابتداء من تصميم وصناعة الأقمار الصناعية، مرورا بتطوير منصات الإطلاق المحلية، وصولا إلى إنشاء البنى التحتية الأرضية مثل القواعد الفضائية ومحطات التحكم.

رغم أن صواريخ الإطلاق “سفير“و«سيمرغ» تعاني من بعض القيود في قدرة حمل الحمولات، فإنها تعكس بوضوح قدرة إيران على تطوير تقنيات صاروخية محلية، وإلى جانب ذلك، مكّنت عمليات الإطلاق الناجحة عبر الصواريخ الأجنبية مثل “سويوز” إيران من وضع أقمار صناعية أثقل وأكثر تعقيدا في مدارات أعلى.

الأقمار الصناعية الاستشعارية مثل “بارس-“1و “خيّام” بما تمتلكه من دقة تصوير عالية، وضعت إيران في مصاف دول مثل الهند والصين التي تستخدم تقنيات الاستشعار عن بُعد في إدارة الموارد وحماية الأمن، كما أن تطوير أقمار الاتصالات مثل “ناهيد 2“ يعكس توجه إيران نحو تقديم خدمات فضائية تجارية، تشمل إنترنت الأشياء والاتصالات الآمنة.

ويُعد التعاون الإيراني مع روسيا، ولا سيما في عمليات الإطلاق عبر صواريخ «سويوز»، نقطة قوة لبرنامج إيران الفضائي. فهذا التعاون لم يمنح إيران الوصول إلى منصات إطلاق متطورة فحسب، بل ساهم أيضا في اكتساب خبرة تشغيلية وتعزيز نقل التكنولوجيا، ومع ذلك، فقد أثارت هذه الشراكة قلقا في الغرب، خصوصا في الولايات المتحدة، التي تتهم إيران بالسعي لتطوير تقنيات صاروخية مزدوجة الاستخدام. غير أن إيران تنفي هذه الاتهامات، مؤكدة أن برنامجها الفضائي يقتصر على الأغراض السلمية فقط.

تتحول صناعة الفضاء العالمية إلى واحد من المحركات الرئيسية للاقتصاد، إذ توقّعت الجمعية العالمية لصناعة الأقمار الصناعية أنه بحلول عام 2029 سيكون هناك أكثر من 100 ألف مركبة فضائية تجارية نشطة في مدارات الأرض. وتسعى إيران، من خلال تطوير منظومات أقمار صناعية مثل “هدهد” و«كوثر»، إلى الحصول على حصة من هذا السوق المتنامي، وتلعب الشركات الإيرانية المعرفية (شركات التكنولوجيا المتقدمة) مثل “أميد فضا” دورا مهما في تسويق التكنولوجيا الفضائية تجاريا، فيما أظهرت عمليات الإطلاق الأخيرة دخول القطاع الخاص بقوة إلى هذا المجال.

ومع ذلك، فإن إيران لكي تنافس قوى كبرى مثل الولايات المتحدة “859  قمرا صناعيا نشطا”، والصين “250 قمرا” وروسيا “146 قمرا” تحتاج إلى استثمارات أوسع في البنية التحتية، ومعالجة الاختناقات التكنولوجية. ويُعد معدل الفشل المرتفع في الإطلاقات المحلية أحد أبرز التحديات، وهو ما تحاول إيران تجاوزه عبر تطوير صواريخ إطلاق أكثر تقدما مثل “قاصد” وسلاسل جديدة من “سيمرغ”.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، لم يسهم البرنامج الفضائي الإيراني في تعزيز القوة الوطنية فحسب، بل مكّن أيضا من تطوير تطبيقات عسكرية مثل الاستشعار عن بُعد، والاتصالات الآمنة، وأنظمة التموضع. وكان إطلاق القمر الصناعي “نور-1” بواسطة الحرس الثوري عام 2020 مؤشرا واضحا على دخول إيران المجال الفضائي العسكري. ورغم ما أثاره ذلك من قلق في الغرب، فقد مكّن إيران من أن تُعَرَّف في الشرق الأوسط بوصفها قوة فضائية ناشئة.

أما على المدى البعيد، فتتضمن الخطط الطموحة للبرنامج الفضائي الإيراني:

  • تطوير منظومات فضائية تضم مئات الأقمار الصناعية.
  • إطلاق أقمار صناعية أثقل إلى المدارات العليا، مثل المدار المتزامن مع الأرض على ارتفاع 36 ألف كيلومتر.
  • استكمال تطوير منصات الإطلاق المحلية مثل قاصد وسلاسل أكثر تقدما من سيمرغ.
  • إنشاء قاعدة فضائية في تشابهار، التي يُتوقع أن تكون أكثر كفاءة بفضل موقعها الجغرافي القريب من خط الاستواء.
  • في المجال الدولي، تسعى إيران إلى توسيع تعاونها مع دول مثل روسيا والصين، وفي الوقت نفسه تعمل على تنويع منظومات الإطلاق التي تعتمد عليها، بما يقلل من اعتمادها على الصواريخ الأجنبية ويعزز مستوى الاكتفاء الذاتي.
  • أما من الناحية الاقتصادية، فإن تطوير الخدمات المعتمدة على الفضاء، مثل الإنترنت للأشياء، الاستشعار عن بُعد والملاحة، قد يجعل من إيران لاعبا نشطا في اقتصاد الفضاء. غير أن تحديات كبيرة ما زالت قائمة، أبرزها العقوبات، ونقص الاستثمارات الأجنبية، والمنافسة الشرسة مع الشركات الكبرى العالمية.
  • إطلاق القمر الصناعي “ناهيد-2” بصاروخ “سويوز” خلال الأسابيع الأخيرة ليس سوى مثال واحد على إنجازات إيران في هذا المجال، وهو يبرهن على مزيج ناجح من التكنولوجيا المحلية والتعاون الدولي. إن تاريخ البرنامج الفضائي الإيراني – من محاولاته الأولى إلى أن أصبح تاسع دولة في العالم قادرة على الإطلاق المستقل للأقمار الصناعية – يمثل قصة مثابرة في مواجهة العقبات.
  • على الرغم من العقوبات والصعوبات التقنية، نجحت إيران في ترسيخ موقعها كقوة فضائية ناشئة. لكن لمواصلة هذا المسار، لا بد لها من زيادة الاستثمار في البنية التحتية، وخفض معدلات فشل عمليات الإطلاق المحلية، وتعزيز التعاون الدولي

 بتحقيق هذه الأهداف، يمكن لإيران أن تتحول إلى لاعب رئيسي ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل أيضا على الساحة العالمية. إن برنامجها الفضائي، القائم على المعرفة المحلية والإرادة الوطنية، يعيد صياغة مكانة إيران في الفضاء.

كتب: علي دشتي

في 25 يوليو/تموز 2025، أعلنت وسائل الإعلام عن نجاح إطلاق القمر الصناعي الإيراني “ناهيد 2” بواسطة الصاروخ الروسي «سويوز». وقد شكّل هذا الإطلاق من قاعدة «فوستوشني» الفضائية في روسيا محطة جديدة لإبراز القدرات الإيرانية في ميدان الفضاء.

جاءت العملية ضمن مهمة روسية شاملة حملت عددا من الأقمار الصناعية، بينها قمران رئيسيان للأرصاد الجوية من طراز “يونيسفير-إم 3 و4″، إضافة إلى 18 قمرا أصغر، من بينها «ناهيد 2» وعدة أقمار كيوبسات دولية.

ومن اللافت في هذه المهمة أن الشعار الرسمي لوكالة الفضاء الإيرانية ومعهد أبحاث الفضاء الإيراني طُبع على هيكل الصاروخ «سويوز»، في إشارة واضحة إلى مشاركة إيران في مشروع فضائي دولي. وبعد الإطلاق، استقر القمر الصناعي بنجاح في مداره المحدّد، وتم استقبال أولى بيانات التليمترية في محطة التحكم الأرضية، مؤكدة سلامة القمر بعد الانفصال.

على مدى العقود الأخيرة، استطاعت إيران أن تحجز لنفسها موقعا متقدما بين الدول القليلة التي طوّرت دورة التكنولوجيا الفضائية كاملة بشكل محلي، وهو ما منحها مكانة خاصة في صناعة الطيران والفضاء العالمية. وتبرهن عمليات الإطلاق الناجحة للأقمار الصناعية الإيرانية ليس فقط على التقدّم التقني الذي أحرزته البلاد، بل أيضا على قدرتها في تعزيز التعاون الدولي وتجاوز التحديات التي تفرضها العقوبات المفروضة عليها.

صاروخ سويوز، أحد أكثر الصواريخ الناقلة موثوقية في العالم مع سجلّ يتجاوز 1900 عملية إطلاق ناجحة، كان الخيار الاستراتيجي لهذه المهمة، فهذا الصاروخ ثنائي المراحل، القادر على حمل حمولات متعددة، يتيح إمكانية إطلاق عدة أقمار صناعية في وقت واحد، وقد جاء اختيار «سويوز» بسبب نسبة نجاحه العالية وقدرته على حمل الأقمار الصناعية الثقيلة الخاصة بإيران.

القمر الصناعي للاتصالات “ناهيد 2”، الذي صمّمه معهد أبحاث الفضاء الإيراني، جرى تطويره لاختبار تقنيات الاتصال الحديثة وتقييم أنظمة التحكم ثلاثي المحاور وإدارة الطاقة. ويُعد هذا القمر جزءا من جهود إيران لتعزيز البنية التحتية الفضائية للاتصالات وتقديم خدمات اتصالية أكثر أمانا وسرعة. وقد وُضع «ناهيد 2»، الذي يزن نحو 100 كيلوجرام، في مدار منخفض (LEO) على ارتفاع يقارب 500 كيلومتر، ليؤدي مهمته المتمثلة في اختبار تقنيات جديدة تدعم الاستخدامات التجارية والبحثية في سوق الفضاء العالمي.

لم يكن إطلاق «ناهيد 2» إنجازا فنيا فحسب، بل حمل أيضا أبعادا اقتصادية واستراتيجية بالغة الأهمية. فهذا القمر الصناعي يُعد جزءا من برنامج إيران لتطوير مجموعات أقمار صناعية (Constellations) يمكنها أن توفر خدمات متقدمة مثل إنترنت الأشياء، والاستشعار عن بُعد، والاتصالات الآمنة. كما أن التعاون مع روسيا أتاح لإيران الاستفادة من منصات إطلاق أجنبية لتعويض القيود التي تواجهها منصات الإطلاق المحلية، وفي الوقت ذاته كسب خبرة تشغيلية أوسع تدعم تطوير تقنياتها الفضائية المحلية.

تعود جذور البرنامج الفضائي الإيراني إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين سعى النظام الملكي آنذاك إلى استثمار التكنولوجيا الفضائية، غير أن الخطوات الأكثر جدية في هذا المجال انطلقت بعد الثورة الإسلامية، لتتطور لاحقا إلى برنامج متكامل يضع إيران ضمن الفاعلين في صناعة الفضاء.

بعد الثورة الإسلامية، واجهت إيران قيودا شديدة في الوصول إلى التقنيات الغربية، وهو ما دفعها إلى التوجّه نحو تطوير التكنولوجيا المحلية، وفي عام 1987، تم تنفيذ أول رحلة شبه مدارية عبر صاروخ “كاوشكر-1”من القاعدة الفضائية في شهركرد، وهو حدث بالغ الأهمية في برنامج إيران الصاروخي، فقد مكّن هذا الصاروخ، القادر على حمل حمولات بحثية إلى ارتفاعات شاهقة، من وضع الأساس لتطوير منصات الإطلاق المستقبلية.

خلال تسعينيات القرن الماضي، بدأت إيران، عبر تعاون محدود مع دول مثل روسيا وإيطاليا، مشاريع مثل الأقمار الصناعية “مصباح” و “زهرة” ورغم أن هذه المشاريع لم تكتمل بسبب عقبات فنية وسياسية، فإنها وفّرت خبرة قيّمة للمهندسين الإيرانيين.

كان عقد الألفية الجديدة نقطة تحوّل في برنامج الفضاء الإيراني. ففي عام 2005، أُطلق القمر الصناعي “سينا-1”، وهو أول قمر صناعي إيراني، بواسطة صاروخ كوزموس-3 من قاعدة بليستسك الروسية، ليضع إيران رسميا ضمن قائمة الدول المالكة لأقمار صناعية في المدار. غير أن الإنجاز الأبرز تحقق عام 2009 مع إطلاق القمر الصناعي “أميد”.

فقد تمكّن هذا القمر، الذي يزن 27 كيلوغراما وصُمّم وصُنع بالكامل على يد الصناعات الإلكترونية الإيرانية، من دخول مدار الأرض المنخفض (LEO) باستخدام الصاروخ المحلي “سفير“ من قاعدة سمنان الفضائية. وبذلك أصبحت إيران تاسع دولة في العالم تمتلك القدرة المستقلة على إطلاق أقمار صناعية، بعد دول كبرى مثل روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا. وكان «أميد» يدور حول الأرض 15 مرة كل 24 ساعة، ويرسل بيانات التليمترية إلى المحطات الأرضية الإيرانية، حتى أنهى مهمته في 25 أبريل/نيسان 2009.

شهد عقد 2010 تقدما ملحوظا للبرنامج الفضائي الإيراني، حيث أُطلقَت الأقمار “رصد” و«نويد» و«فجر” بواسطة صاروخ «سفير»، وقد صُممت هذه الأقمار أساسا لأغراض التصوير الفضائي واختبار تقنيات جديدة، مما عكس تطور إيران في تصميم الأقمار الصناعية الخفيفة.

وفي عام 2012، أظهرت إيران قدراتها في الإطلاقات البيولوجية عبر إطلاق مسبار “بيشكام“، الذي حمل قردا من فصيلة المكاك الريسوسي يُدعى “آفتاب”إلى ارتفاع 120 كيلومترا. وقد شكّل هذا الإطلاق، الذي جاء بعد 54 عاما من أول تجربة أمريكية لإرسال قرد إلى الفضاء، دليلا على تقدم إيران في تقنيات استعادة الحمولات الفضائية.

ومع ذلك، لم يخلُ هذا العقد من التحديات، إذ فشلت بعض عمليات الإطلاق، مثل إطلاق أقمار “پيام” و”ظفر” بواسطة صاروخ “سيمُرغ“، بسبب مشكلات تقنية تتعلق بتعقيدات الصاروخ ونقص السرعة المدارية، لكن هذه الإخفاقات مثّلت دروسا مهمة أسهمت في دفع إيران نحو تطوير تكنولوجيات أكثر تقدما.

خلال فترة حكومة الراحل إبراهيم رئيسي، أولت إيران اهتماما خاصا بتطوير صناعتها الفضائية عبر إعادة تفعيل المجلس الأعلى للفضاء بعد توقف دام 11 عاما،  وفي هذه المرحلة، لم تقتصر إيران على الاعتماد على منصات الإطلاق المحلية مثل قاصد وسيمرغ، بل وسّعت تعاونها مع روسيا أيضا، وكان إطلاق القمر الصناعي “خيّام”في أغسطس/آب 2022 من قاعدة بايكونور في كازاخستان بواسطة صاروخ «سويوز» نموذجا بارزا لهذا التعاون، وقد صُمّم «خيّام»، وهو قمر استشعار عن بُعد يزن 600 كيلوجرام، للتصوير عالي الدقة ووُضع في مدار يبعد 500 كيلومتر عن الأرض.

وفي عام 2023، أُطلق القمر الصناعي “بارس-1”، وهو قمر استشعار عن بُعد بوزن 134 كيلوجراما، من قاعدة «فوستوشني» الروسية عبر صاروخ «سويوز»، وتم تزويده بثلاث كاميرات تعمل في الأطياف المرئية، والأشعة تحت الحمراء القريبة، والأشعة تحت الحمراء الحرارية، ما مكّنه من تصوير 95% من الأراضي الإيرانية خلال أقل من 100 يوم، واستخدامه في إدارة الموارد ورصد الكوارث الطبيعية.

أما في عام 2024، فقد شهد البرنامج الفضائي الإيراني نقلة جديدة بإطلاق الأقمار الصناعية “كوثر“ و”هدهد” اللذين صُمّما وصُنعا من قِبل القطاع الخاص الإيراني عبر شركة المعرفة التكنولوجية “أميد فضا“، وقد خُصّص هذان القمران للاستشعار عن بُعد وتقديم خدمات إنترنت الأشياء، وجاءا كجزء من برنامج إيران لإنشاء كوكبة فضائية تضم 200 قمرا صناعيا، وفي العام نفسه، أُطلق القمر الصناعي “تشمران-1”، المخصّص لاختبار المناورات المدارية وتقنية الدفع بالغاز البارد، بنجاح، ليؤكد قدرة إيران على تنفيذ مناورات فضائية معقدة.

ورغم العقوبات الواسعة والقيود الدولية، استطاعت إيران أن تترسخ كقوة صاعدة في صناعة الفضاء العالمية. فهي تُعد من الدول القليلة التي تمتلك الدورة الكاملة للتكنولوجيا الفضائية، ابتداء من تصميم وصناعة الأقمار الصناعية، مرورا بتطوير منصات الإطلاق المحلية، وصولا إلى إنشاء البنى التحتية الأرضية مثل القواعد الفضائية ومحطات التحكم.

رغم أن صواريخ الإطلاق “سفير“و«سيمرغ» تعاني من بعض القيود في قدرة حمل الحمولات، فإنها تعكس بوضوح قدرة إيران على تطوير تقنيات صاروخية محلية، وإلى جانب ذلك، مكّنت عمليات الإطلاق الناجحة عبر الصواريخ الأجنبية مثل “سويوز” إيران من وضع أقمار صناعية أثقل وأكثر تعقيدا في مدارات أعلى.

الأقمار الصناعية الاستشعارية مثل “بارس-“1و “خيّام” بما تمتلكه من دقة تصوير عالية، وضعت إيران في مصاف دول مثل الهند والصين التي تستخدم تقنيات الاستشعار عن بُعد في إدارة الموارد وحماية الأمن، كما أن تطوير أقمار الاتصالات مثل “ناهيد 2“ يعكس توجه إيران نحو تقديم خدمات فضائية تجارية، تشمل إنترنت الأشياء والاتصالات الآمنة.

ويُعد التعاون الإيراني مع روسيا، ولا سيما في عمليات الإطلاق عبر صواريخ «سويوز»، نقطة قوة لبرنامج إيران الفضائي. فهذا التعاون لم يمنح إيران الوصول إلى منصات إطلاق متطورة فحسب، بل ساهم أيضا في اكتساب خبرة تشغيلية وتعزيز نقل التكنولوجيا، ومع ذلك، فقد أثارت هذه الشراكة قلقا في الغرب، خصوصا في الولايات المتحدة، التي تتهم إيران بالسعي لتطوير تقنيات صاروخية مزدوجة الاستخدام. غير أن إيران تنفي هذه الاتهامات، مؤكدة أن برنامجها الفضائي يقتصر على الأغراض السلمية فقط.

تتحول صناعة الفضاء العالمية إلى واحد من المحركات الرئيسية للاقتصاد، إذ توقّعت الجمعية العالمية لصناعة الأقمار الصناعية أنه بحلول عام 2029 سيكون هناك أكثر من 100 ألف مركبة فضائية تجارية نشطة في مدارات الأرض. وتسعى إيران، من خلال تطوير منظومات أقمار صناعية مثل “هدهد” و«كوثر»، إلى الحصول على حصة من هذا السوق المتنامي، وتلعب الشركات الإيرانية المعرفية (شركات التكنولوجيا المتقدمة) مثل “أميد فضا” دورا مهما في تسويق التكنولوجيا الفضائية تجاريا، فيما أظهرت عمليات الإطلاق الأخيرة دخول القطاع الخاص بقوة إلى هذا المجال.

ومع ذلك، فإن إيران لكي تنافس قوى كبرى مثل الولايات المتحدة “859  قمرا صناعيا نشطا”، والصين “250 قمرا” وروسيا “146 قمرا” تحتاج إلى استثمارات أوسع في البنية التحتية، ومعالجة الاختناقات التكنولوجية. ويُعد معدل الفشل المرتفع في الإطلاقات المحلية أحد أبرز التحديات، وهو ما تحاول إيران تجاوزه عبر تطوير صواريخ إطلاق أكثر تقدما مثل “قاصد” وسلاسل جديدة من “سيمرغ”.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، لم يسهم البرنامج الفضائي الإيراني في تعزيز القوة الوطنية فحسب، بل مكّن أيضا من تطوير تطبيقات عسكرية مثل الاستشعار عن بُعد، والاتصالات الآمنة، وأنظمة التموضع. وكان إطلاق القمر الصناعي “نور-1” بواسطة الحرس الثوري عام 2020 مؤشرا واضحا على دخول إيران المجال الفضائي العسكري. ورغم ما أثاره ذلك من قلق في الغرب، فقد مكّن إيران من أن تُعَرَّف في الشرق الأوسط بوصفها قوة فضائية ناشئة.

أما على المدى البعيد، فتتضمن الخطط الطموحة للبرنامج الفضائي الإيراني:

  • تطوير منظومات فضائية تضم مئات الأقمار الصناعية.
  • إطلاق أقمار صناعية أثقل إلى المدارات العليا، مثل المدار المتزامن مع الأرض على ارتفاع 36 ألف كيلومتر.
  • استكمال تطوير منصات الإطلاق المحلية مثل قاصد وسلاسل أكثر تقدما من سيمرغ.
  • إنشاء قاعدة فضائية في تشابهار، التي يُتوقع أن تكون أكثر كفاءة بفضل موقعها الجغرافي القريب من خط الاستواء.
  • في المجال الدولي، تسعى إيران إلى توسيع تعاونها مع دول مثل روسيا والصين، وفي الوقت نفسه تعمل على تنويع منظومات الإطلاق التي تعتمد عليها، بما يقلل من اعتمادها على الصواريخ الأجنبية ويعزز مستوى الاكتفاء الذاتي.
  • أما من الناحية الاقتصادية، فإن تطوير الخدمات المعتمدة على الفضاء، مثل الإنترنت للأشياء، الاستشعار عن بُعد والملاحة، قد يجعل من إيران لاعبا نشطا في اقتصاد الفضاء. غير أن تحديات كبيرة ما زالت قائمة، أبرزها العقوبات، ونقص الاستثمارات الأجنبية، والمنافسة الشرسة مع الشركات الكبرى العالمية.
  • إطلاق القمر الصناعي “ناهيد-2” بصاروخ “سويوز” خلال الأسابيع الأخيرة ليس سوى مثال واحد على إنجازات إيران في هذا المجال، وهو يبرهن على مزيج ناجح من التكنولوجيا المحلية والتعاون الدولي. إن تاريخ البرنامج الفضائي الإيراني – من محاولاته الأولى إلى أن أصبح تاسع دولة في العالم قادرة على الإطلاق المستقل للأقمار الصناعية – يمثل قصة مثابرة في مواجهة العقبات.
  • على الرغم من العقوبات والصعوبات التقنية، نجحت إيران في ترسيخ موقعها كقوة فضائية ناشئة. لكن لمواصلة هذا المسار، لا بد لها من زيادة الاستثمار في البنية التحتية، وخفض معدلات فشل عمليات الإطلاق المحلية، وتعزيز التعاون الدولي

 بتحقيق هذه الأهداف، يمكن لإيران أن تتحول إلى لاعب رئيسي ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل أيضا على الساحة العالمية. إن برنامجها الفضائي، القائم على المعرفة المحلية والإرادة الوطنية، يعيد صياغة مكانة إيران في الفضاء.