علي لاريجاني والعودة إلى صدارة المشهد السياسي في إيران

كتب: سيد نيما موسوي

في الخامس من أغسطس/آب 2025، عيَّن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، علي لاريجاني في منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي. يُعدّ علي لاريجاني سياسيا إيرانيا مخضرما، وكان على مدى العقود الثلاثة الماضية واحدا من أبرز الشخصيات السياسية، ومن أهم الفاعلين في صناعة القرار المتعلق بالسياسة الخارجية الإيرانية. 

يأتي تعيينه في هذا المنصب بالتزامن مع تشكيل “المجلس الأعلى للدفاع”، وفي خضمّ تجدّد المواجهة بين إيران وإسرائيل، الأمر الذي يعكس دلالات على تغييرات مهمة في البنى الأمنية الإيرانية. في هذا المقال، سنستعرض خلفية علي لاريجاني داخل هياكل السلطة في إيران، مع التوقف عند التغييرات المحتملة في السياسة الخارجية والأمنية للبلاد خلال الأشهر المقبلة.

علي لاريجاني هو نجل واحد من أبرز علماء الدين الشيعة في القرن العشرين، وهو “ميرزا هاشم الآملي”، تعود أصوله إلى مدينة آمل الواقعة على بُعد 180 كيلومترا شمال طهران قرب سواحل بحر قزوين. وقد كانت آمل عبر التاريخ أحد المراكز المهمة للتشيّع في الهضبة الإيرانية، فمن محمد بن جرير الطبري، صاحب “تاريخ الطبري”، إلى عبد الله جوادي الآملي، برز العديد من أعلام الفكر والفقه الشيعي من هذه المدينة.

كان ميرزا هاشم الآملي من الفقهاء التقليديين، ورغم ولائه الشخصي للإمام الخميني، فإنه لم يكن متحمسا للنهج الثوري الساعي لإسقاط نظام الشاه. أنجب ميرزا هاشم خمسة أبناء، أصبحوا جميعا من رجالات السياسة البارزين في إيران: جواد لاريجاني، نائب وزير الخارجية السابق؛ صادق لاريجاني، الرئيس الأسبق للسلطة القضائية؛ باقر لاريجاني، الرئيس السابق لجامعة طهران للعلوم الطبية؛ وفاضل لاريجاني، الدبلوماسي السابق بوزارة الخارجية.

ومع ذلك، فإن الدور السياسي الأبرز بين أبناء ميرزا هاشم كان من نصيب علي لاريجاني.

بعد فترة قصيرة من توليه منصب حاكم مدينة الموت، ثم نائب رئيس التلفزيون في بدايات الثورة، انضم علي لاريجاني عام 1982 إلى الحرس الثوري الإيراني، حيث شغل منصب نائب البرلمان في الحرس. ومع بداية مرحلة قيادة آية الله خامنئي عام 1989، برز دوره في الحكم بشكل أكبر.

في أوائل تسعينيات القرن الماضي، خلف محمد خاتمي في منصب وزير الثقافة آنذاك، وقد جاء هذا التعيين بعد الخلاف الذي نشب بين خاتمي والمرشد الأعلى حول قضية ما سُمّي بـ”الغزو الثقافي الغربي”.

بعد عامين فقط من عمله في وزارة الثقافة، عُيّن لاريجاني في فبراير 1994 رئيسا جديدا لـ مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية (صداوسيما). تزامن حضوره في هذا المنصب مع دخول عدد كبير من كوادر وزارة الاستخبارات إلى المؤسسة، ويعتقد كثيرون أنّ أفضل مرحلة مرّت بها صداوسيما بعد الثورة كانت تلك التي قادها لاريجاني على مدى عشر سنوات (1994 – 2004).

في تلك الفترة، شهدت برامج تحليل الأخبار ازدهارا، كما أُنشئت قنوات جديدة إلى جانب قنوات المحافظات، وأصبحت صحيفة جام جم – لسان حال صداوسيما – الصحيفة الأكثر شعبية في إيران، كما أُنتج العديد من المسلسلات التلفزيونية المميزة، خاصة الكوميدية، في فترة رئاسته.

ومن إنجازاته اللافتة أيضا تنظيم عمل المطربين الإيرانيين محدودي الشهرة الذين كانوا يغنون في المطاعم، وهو ما أدى إلى ولادة الموسيقى البوب الإيرانية بعد الثورة في منتصف التسعينيات.

ويرى كاتب النص أنّ أفضل أداء للاريجاني على الصعيد الإعلامي كان خلال سنوات الحرب الأمريكية في العراق وأفغانستان (2001 – 2004) إذ برز التلفزيون الإيراني آنذاك كوسيلة إعلامية رائدة في آسيا والمحيط الهادئ، بفضل بثه المكثّف والمباشر لتطورات الحرب في العراق.

بعد عام واحد من خروجه من مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، شارك علي لاريجاني في الانتخابات الرئاسية لعام 2005 كأحد المرشحين، إلا أنّه لم يحقق نجاحا فيها، حيث حلّ في المرتبة السادسة بين سبعة مرشحين، غير أنّ محمود أحمدي نجاد، وبعد أيام قليلة من توليه منصب الرئاسة في أغسطس/آب 2005، عيّنه أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومي.

تزامنت فترة توليه هذا المنصب مع الجدل الواسع حول الملف النووي الإيراني بين عامي 2005 و2007. وكان لاريجاني صاحب سياسة “النظر إلى الشرق” في هذا الملف، بخلاف حسن روحاني الذي ركّز على التفاوض مع الدول الأوروبية الثلاث، إذ حاول لاريجاني معالجة الأزمة النووية من خلال التعاون مع الصين وروسيا. 

إلا أنّ هذه السياسة لم تؤتِ ثمارها بسبب علاقات فلاديمير بوتين الجيدة مع إدارة جورج بوش، وكذلك لعدم رغبة هو جين تاو، الزعيم الصيني آنذاك، في تصعيد الخلاف مع واشنطن، والنتيجة كانت صدور ثلاث قرارات عقوبات ضد إيران في مجلس الأمن.

وبالتوازي مع ذلك، واصل لاريجاني التفاوض مع خافيير سولانا، الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي. وقد اتُّفق في البداية على سياسة “التجميد مقابل التجميد” (Freeze to Freeze) أي تعليق البرنامج النووي مقابل تعليق العقوبات، كوسيلة لوقف عجلة العقوبات ضد إيران.

كما أطلق لاريجاني مبادرة مع محمد البرادعي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية آنذاك، نصّت على أن ترد إيران على ستة أسئلة أساسية طرحتها الوكالة لحسم الملف النووي. هذه المبادرة عُرفت باسم “المداليتي”، وقد تمكنت إيران بالفعل من تقديم الإجابات المطلوبة.

غير أنّ لاريجاني، الذي كان يطمح إلى كسر “تابو” التفاوض مع الولايات المتحدة من خلال لقاء مع كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، دخل في خلاف مع أحمدي نجاد، وفي نهاية المطاف، قدّم استقالته بسبب عدم التنسيق مع الرئيس.

بعد انتهاء مهامه في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، اتجه علي لاريجاني إلى العمل البرلماني، حيث تولى رئاسة البرلمان الإيراني ما بين 2008 و2020، وهي فترة اتسمت بأحداث سياسية محورية تزامنت مع رئاستي محمود أحمدي ‌نجاد وحسن روحاني.

شهدت فترة رئاسته البرلمان أحداثا بارزة، أبرزها احتجاجات عام 2009 المعروفة بـ”الحركة الخضراء”، والتي اتُهم خلالها من قبل أنصار أحمدي ‌نجاد بمساندة المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي، كما برزت قضية تسريب تسجيلات فاضل لاريجاني، شقيقه، التي كشف عنها أحمدي‌ نجاد في مطلع عام 2013، وشكّلت إحدى محطات الجدل السياسي قبيل الانتخابات الرئاسية في ذلك العام.

كما ارتبط اسم لاريجاني بملف الاتفاق النووي (برجام) الذي قاده روحاني وظريف، حيث أبدى البرلمان في عهده تنسيقا مع هذا المسار. وفي عام 2019 واجه البرلمان الإيراني خلال ولايته أزمات متتالية، شملت العقوبات الأميركية على النفط الإيراني، وقرار واشنطن إدراج الحرس الثوري على قائمة المنظمات الإرهابية، إضافة إلى احتجاجات نوفمبر 2019 التي مهّدت لمرحلة حساسة انتهت باغتيال قاسم سليماني مطلع 2020.

بعد خروجه من البرلمان، سعى لاريجاني للترشح في الانتخابات الرئاسية لعامي 2021 و2024، غير أن مجلس صيانة الدستور رفض أهليته على خلفية إقامة بعض أفراد أسرته في الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، تراجع حضوره العلني واكتفى بظهور إعلامي محدود.

ومع مرور العام الأول على رئاسة مسعود بزشکیان، يعود اسم علي لاريجاني مجددا إلى دائرة الضوء مع تعيينه مرة أخرى في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو ما يُتوقع أن يفتح الباب أمام تحولات سياسية وأمنية جديدة في الداخل والخارج.

لم يكن مسعود بزشكيان خلال عامه الأول في رئاسة الجمهورية ناجحا في ملفات السياسة الخارجية، فالهزيمة النسبية لـ«حزب الله» في الحرب مع إسرائيل، وسقوط بشار الأسد في سوريا، وصولا إلى اندلاع الحرب داخل الأراضي الإيرانية في يونيو/حزيران 2025 بالتزامن مع المفاوضات مع الولايات المتحدة، كل ذلك أظهر أن الخط العام للسياسة الخارجية لبزشكيان – الذي كان يتولى صياغته بدرجة كبيرة جواد ظريف – قد أثبت عدم جدواه.

ومع خروج جواد ظريف من الحكومة، وهو الذي كان يُعد «العقل المفصل» لبزشكيان، جاء تعيين علي لاريجاني أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومي، ويبدو أن دوره لن يقتصر على كونه مسؤولا أمنيا، بل سيلعب دور «الرئيس الموازي» لبزشكيان، مع تولي الحصة الأكبر من ملفات السياسة الخارجية مستقبلا.

ويُلاحظ أن سفيري إيران في كل من روسيا والصين، أي كاظم جلالي وعبد الرضا رحماني فضلي، هما من المقربين إليه، ومن المرجح أن يقود مسار التفاوض مع الشرق كما فعل قبل عشرين عاما، كما أن مجتبی أماني، سفير إيران في لبنان، الذي يُعدّ حلقة الوصل بين القيادة الإيرانية و«حزب الله»، هو الآخر من أصدقاء لاريجاني منذ عقود، وهذا يعني أن لاريجاني يشكّل نقطة التقاء في علاقات إيران مع الصين وروسيا وكذلك مع بلدان المنطقة.

ولا ينبغي إغفال أن لاريجاني كان خلال العشرين سنة الماضية من الداعمين لفكرة التفاوض مع الولايات المتحدة، وبالنظر إلى إلمامه بملفات العلاقات مع الصين وروسيا والولايات المتحدة ودول المنطقة، فضلا عن قربه من المرشد الأعلى علي خامنئي، يبدو أن استدعاء علي لاريجاني إلى هذا المنصب يعكس سياسة جديدة تتبناها إيران في المرحلة الراهنة.